الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقتل - الرشيد - منهم تسعة، ثم أُدخِل الشَّافِعِي، فلما واجه الرشيد قال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .
فقال الرشيد: أو ليس الأمر كما قيل فيك؟
فقال: يا أمير المؤمنين، وهل في الأرض علوي إلا وهو يظن أن الناس
عبيد له؟ فكيف أخرج رجلاً يريد أن يجعلني له عبداً، وأغدر بسادات بني عبد مناف وأنا منهم وهم مني؟ فسكن غضب الرشيد.
* * *
قال الله عز وجل: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ
فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) .
الأم: كتاب (قتال أهل البغي وأهل الردة) :
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله: قال اللَّه تبارك وتعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) .
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فذكر اللَّه عز وجل اقتتال الطائفتين. والطائفتان المتنعتان: الجماعتان كل واحدة ممتنع أشد الامتناع، أو أضعف إذا لزمها اسم الامتناع، وسماهم اللَّه تعالى المؤمنين، وأمر بالإصلاح بينهم، فحق على كل أحد دعاء المؤمنين إذا افترقوا وأرادوا القتال، أن لا يُقاتلوا حتى يُدعَوا إلى الصلح.
وبذلك قلت: لا يُبيَّتُ أهل البغي قبل دعائهم؛ لأن على الإمام الدعاء كما أمر الله عز وجل قبل القتال، وأمر اللَّه عز وجل بقتال الفئة الباغية، وهي مسماة باسم الإيمان، حتى تفيء إلى أمر اللَّه، فإن فاءت لم يكن لأحد قتالها؛ لأن اللَّه عز وجل إنما أذن في
قتالها في مدة الامتناع بالبغي إلى أن تفيء.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: والفيء: الرجعة عن القتال بالهزيمة، أو التوبة
وغيرها، وأي حال ترك به القتال فقد فاء.
والفيء: بالرجوع عن القتال، الرجوع عن معصية اللَّه تعالى ذكره إلى طاعته، في الكف عما حرم اللَّه عز وجل.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وقال أبو ذؤيب يعيِّر نفراً من قومه انهزموا عن
رجل من أهله في وقعة فقتل:
لا ينسَأُ اللَّه منا مَعشراً شَهدوا
…
يوم الأمَيلِح لا غابوا ولا جَرَحُوا
عَفوا بسهم فلم يشعر به أحد
…
ثم استفاؤوا وقالوا حبذا الوَضَحُ
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وأمر اللَّه تعالى إن فاؤوا أن يُصلح بينهما بالعدل.
ولم يذكر تباعة في دم ولا مال، وإنما ذكر اللَّه تعالى الصلح آخراً، كما ذكر
الإصلاح بينهم أولاً قبل الإذن بقتالهم: فأشبه هذا - واللَّه تعالى أعلم - أن
تكون التباعات في الجراح والدماء وما فات من الأموال ساقطة بينهم.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وقد يحتمل قول الله عز وجل:
(فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) الآية.
أن يصلح بينهم بالحكم إذا كانوا قد فعلوا ما فيه حكم
فيعطى بعضهم من بعض ما وجب له لقول الله عز وجل: (بِالْعَدْلِ) .
والعدل: أخذ الحق لبعض الناس من بعض.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وإنما ذهبنا إلى أن القَوَدَ ساقط، والآية تحتمل
المعنيين.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: أخبرنا مُطرف بن مازن، عن معمر بن راشد، عن
الزُّهري قال: أدركت الفتنة الأولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت فيها دماء وأموال، فلم يُقتص فيها من دم ولا مال ولا قَرْح أصيب بوجه التأويل، إلا أن يوجد مال رجل بعينه فيدفع إلى صاحبه.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وهذا كما قال الزهري عندنا، قد كانت في تلك
الفتنة دماء يُعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأتلفت فيها أموال، ثم صار
الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم، فما علمته اقتص أحد من أحد، ولا غَرِم له مالاً أتلفه، ولا علمت الناس اختلفوا في أن ما حووا في البغي من مال فوجد بعينه فصاحبه أحق به.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: ووجدت قول اللَّه تعالى قال:
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)
فذكر الله عز وجل قتالهم ولم يذكر القصاص بينهما،
فأثبتنا القصاص بين المسلمين على ما حكم الله عز وجل في القصاص، وأزلناه في المتأولين الممتنعين، ورأينا أن المعني بالقصاص من المسلمين هو من لم يكن ممتنعاً متأولاً، فأمضينا الحكمين على ما أمضينا عليه.
وقلت له - أي: للمحاور -: علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ولي
قتال المتأولين، فلم يقصص من دم ولا مال أصيب في التأويل، وقَتَلَه ابن ملجم متأولاً، فأمر بحبسه، وقال لولده: إن قتلتم فلا تمثلوا، ورأى له القتل، وقتله الحسن بن علي رضي الله عنهما، وفي الناس بقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نعلم أحداً أنكر قتله ولا عابه ولا خالفه في أن يقتل؛ إذ لم يكن له جماعة يمتنع
بمثلها، ولم يَقُد علي وأبو بكر رضي الله عنهما قبله ولي من قتلتهُ الجماعة الممتنع بمثلها على التأويل كما وصفنا، ولا على الكفر.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: والآية تدل على أنه إنما أبيح قتالهم في حال.
وليس في ذلك إباحة أموالهم، ولا شيء منها، وأما قطاع الطريق، ومن قتل على غير تأويل فسواء جاعة كانوا أو وحداناً يقتلون حداً وبالقصاص بحكم الله عز وجل في القتلة، وفي المحاربين.
الأم (أيضاً) : باب (الحال التي لا يحل فيها دماء أهل البغي) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فإذا دُعِي أهل البغي، فامتنعوا من الإجابة فقوتلوا، فالسيرة فيهم مخالفة للسيرة في أهل الشرك، وذلك بأن الله عز وجل حرَّم ثم رسوله دماء المسلمين، إلا بما بيَّن الله تبارك وتعالى ثم رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنما أبيح قتال أهل البغي ما
كانوا يقاتلون، وهم لا يكونون مقاتلين أبداً إلا مقبلين، ممتنعين، مريدين، فمتى زايلوا هذه المعاني فقد خرجوا من الحال التي أبيح بها قتالهم، وهم لا يخرجون منها أبداً، إلا إلى أن تكون دماؤهم محرمة كهي قبل يحدثون، وذلك بيِّنٌ عندي في كتاب
الله عز وجل، قال اللَّه تبارك وتعالى:(فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وإذا قاتلت المرأة، أو العبد مع أهل البغي.
والغلام المراهق، فهم مثلهم يقاتلون مقبلين، ويتركون مولين.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: ويختلفون في الأسارى، فلو أسِر البالغ من الرجال
الأحرار، فحُبسَ ليبايع رجوت أن يسع ولا يحبس مملوك، ولا غير بالغ من
الأحرار، ولا امرأة لتبايع، وإنما يبايع النساء على الإسلام، فأما على الطاعة: فهن لا جهاد عليهن، وكيف يبايعن والبيعة على المسلمين المولودين في الإسلام، إنما هي على الجهاد.
أماً إذا انقضت الحرب فلا أرى أن يُحبس أسيرهم، ولو قال أهل البغي:
أنظرونا ننظر في أمرنا، لم أرَ بأساً أن ينظروا.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: ولو قالوا: أنظرونا مدة، رأيت أن يجتهد الإمام فيه.
الأم (أيضاً) : الخلاف في قتال أهل البغي:
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فقال - أي: المحاور - فكيف يجوز قتلهم مقبلين.
ولا يجوز مدبرين؟
قلت: بما قلنا من أن اللَّه عز وجل إنَّما أذن بقتالهم إذا كانوا باغين، قال الله تبارك وتعالى:(فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) الآية، وإنَّما يُقاتل من يُقاتِل، فأما من لا يقاتل، فإنما يقال: اقتلوه، لا فقاتلوه، ولو كان فيما احتججت به من هذا حجة كانت عليك، لأنك تقول: لا تقتلون مدبراً ولا أسيراً ولا جريحاً إذا انهزم عسكرهم، ولم تكن لهم فئة.
قال: قلته اتباعاً لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.