الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي هذه المناسبة يتاح المجال لزيادة المعرفة أو الجديد فيها، ولا تخلو إن شاء الله- من تجديد بعض ما هرم وشاب في مثل هذه الأجواء. وهي أحد أعيادنا الكثيرة، نحتفل بها لما فيها من حكمة ومعنى، نرجو الفائدة منها متنوعة، نرمم ونداوي ونعالج ونجدد ونقيم ونبني بشحنات (شحن) الإيمان الصافي الزلال القوي الأبيّ الفعال، كيما يأتي- بعد المخاض- المولود الجديد، ويتجدد القديم؛ لجعل مولد التحرك والاتصال أصيلا يستمد من المصدر، من منهج الله تعالى، وشرعه المبارك الميمون. وهو أمر يدعو إلى قيام التربية والتوجيه عليه.
وإنه لشرف كبير أن نقوم جميعا بكل ذلك، وإنه لموقف مشرّف كريم، ونحن اليوم نقف في أعقاب عام ذهب ودّعناه، وأبواب عام جديد استقبلناه، ونحن كذلك الآن على أعتاب قرن هجري جديد، نودّع القرن الرابع عشر الهجري لنستقبل تاليه.
*
مؤشرات ومبشرات:
هذا القرن الذاهب تميّز بأمرين مهمين، فيما يتعلق بالإسلام: نكبات ودعوات. نكبات أصيب بها المسلمون كما لم يصابوا في غيره، من ذهاب دولتهم، وإبعاد عن الحياة شريعتهم، وتوزعهم إلى شعوب مقطعة الأوصال، افترست نفوس أبنائها وأفكارهم، زاد مسموم، واستبدت بهم رياح هوجاء، تكاد تسقطهم في هاوية سحيقة.
إن المسلم- كما تعلمنا من الصحابة الكرام- يرفض الموضوعات الأرضية، ولا يخدعه بريقها، والهالات التي حولها، والأضواء المحيطة بها، ولا ترديه المبادئ الوضعية، مهما تمكنت من بطشه، وتحكمت في عيشه، أو أحكمت من أمره ترهيبا، أو ألهته بشراسة أو أطعمته من الترهات، أو فتنته، وخدعته ترغيبا. وهو- من باب أولى- لا يجعل من هذه الأجواء له مثالا. وأية استجابة لذلك تنتج بعدا عن الإسلام.
وإن التربية على العيش مع القرآن الكريم ومع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو بدون حفظ النصوص- رغم أهميتها، وهي على العاشق سهلة ميسورة، يندفع لها- تجعل المسلم في حرز حصين، أمينا في السير على الدرب الأمين.
ولكم نزلت نكبات بالأمة المسلمة: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وا أسفاه على أمة محمد، وكم وجدنا من يلوّح لها رافعا غير كتاب الله، فيا حوبتاه! فجاءتها وفاجأتها وفجعتها المصائب والهزائم والمناكر، فيا ضيعتاه!
نكبات: كان الأمر سيكون أشد وأبعد وأنكد لولا أن الله تعالى لطف في ظاهرة هذا القرن الثانية، وهو وعده الكريم، أن يقيّض لهذا الدين- في أرجاء العالم الإسلامي الوسيع- دعاة افتدوه بكل ما يملكون، استمدوا كيانهم من الإسلام، وحياتهم من حياته، وصدروا عن منبعه، ووردوا مشربه، على طريق أولئك الصحب الكرام؛ الذين كانت كل حياتهم جهادا مضيئا على الدوام.
وبذلك كانت الهجرة وكافة الأمجاد، كانوا في كل سعيهم ومعاركهم يتجهون إلى الله، ويعملون لرضاه، ويشتاقون إلى جنته والاستظلال بظله حبا فيه، مع ما هيأ الله في تلك الجنة- للمؤمنين بدعوته- من متع ونعم، هي لهم متاحة مباحة، جزاء وثوابا. كلهم سعوا إلى رضا الله، ونعمة النظر إلى وجهه الكريم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22- 23] .
فلقد اشتاقوا إلى الجنة، لا إلى أطيارها وأزهارها ولا إلى أنهارها وثمارها فحسب، بل قبل ذلك اشتاقوا أكثر وأكثر إلى رضا الله، في دار المقامة عنده، وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه: ركضا إلى الله بغير زاد، غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «1» [آل عمران: 148] .
لم يأت دين الله إلا ليستمر هذا الموكب الفاضل المنير، برعاية الأنبياء
(1) التفسير (1/ 489) .