المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الصحابة وسبل الارتقاء: - السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

[عبد الرحمن علي الحجي]

فهرس الكتاب

- ‌[المدخل]

- ‌الإهداء

- ‌ملاحظات

- ‌تقديم

- ‌تمهيد وتنجيد

- ‌المبحث الأول السيرة النبوية ظلالها وآفاق دراستها

- ‌ استهلال وإطلال وإجلال:

- ‌ التخصص العام والدقيق:

- ‌ المقوّم الأول المهم:

- ‌ اتساع السيرة النبوية والاقتداء بها:

- ‌ السيرة مرآة ومهماز:

- ‌ مصادر دراسة السيرة:

- ‌ صلحاء الأمة وحماتها:

- ‌ كتابة السيرة الشريفة:

- ‌ العيش في جو السيرة عمقا وتعلّقا:

- ‌ كتابة السيرة بين الفقه والتاريخ:

- ‌ دراسة وكتابة السيرة الشريفة وآفاقها:

- ‌ دوام حفظ الله سبحانه لأهل دعوته ونوعيتهم:

- ‌ أسلوب هذه الدراسة:

- ‌ أثر السيرة في المجتمع قوة ودعوة:

- ‌ السيرة وكتابة التاريخ:

- ‌ السيرة وجيل الصّحابة:

- ‌ هذه الدراسة والكتابة:

- ‌ الحب الواضح المتجدّد:

- ‌ الخلوص في التوجه، والنقاء في التلقّي:

- ‌ سبل التعبير عن السيرة النبوية الشريفة:

- ‌ السيرة النبوية مشاهد عملية ومواقف حيّة:

- ‌ معرفة دلائل السيرة المتفردة من خلال تفوّقها ومعالمها:

- ‌ تحقّق الإسلام بالسيرة:

- ‌ القدوة المثالية الواقعية:

- ‌ نعمة حفظ الله تعالى لكتابه وسنّة رسوله:

- ‌ قادة الأمة والسّيرة:

- ‌ واجبات محبّبة كريمة، وثمار مباركة طيبة:

- ‌ علماء الأمة هم حماتها، وبناة حضارتها:

- ‌ جمال أمثلة صياغة الحياة وتفرّد وعمق صبغتها:

- ‌ علماء الموائد:

- ‌ السّنّة وكتابة السّيرة:

- ‌ من يكتب السيرة

- ‌ إرهاصات:

- ‌ أدلة إيضاح وإفصاح:

- ‌ جيلنا والاهتمام بالسيرة:

- ‌ واجب العناية بالسيرة:

- ‌المسلم ودراسة السيرة:

- ‌ موقع السيرة النبوية من التاريخ:

- ‌ الصحابة والاقتداء بالسيرة:

- ‌ الخيرية والجيل المثال:

- ‌ السيرة موئل ومنهل:

- ‌ السيرة بناء وارتقاء:

- ‌ مدلولات فريدة جديدة:

- ‌ ثمار أغنت ميادينها:

- ‌ عصر النبوة وامتلاء ميادينه بالأعلام العالية:

- ‌ الحضارة والأصالة الإسلامية في الدعوة الربانية:

- ‌ الصحابة والولاء للإسلام:

- ‌ أسلموا وأهلهم أعداء:

- ‌ الإيمان وتكاليف تربيته:

- ‌ رهافة الثمرة الإيمانية:

- ‌ إضاآت كريمة ومدلولات فاضلة لقصة ربيعة:

- ‌ دقة الرهافة وأصالتها جعلتهم يشعرون بالتقصير:

- ‌ مدى عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحابة:

- ‌ العناية النبوية الحنون في رعاية الواقع الميمون:

- ‌ تفقد الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وحبّهم له:

- ‌ النساء وفرض الحجاب:

- ‌ جيل الصحابة والإقبال على أمر الله:

- ‌ قصة تحريم الخمر:

- ‌ الترقي الإيماني والإقبال على دخول الإسلام:

- ‌ حضور مشاهد الغابرين:

- ‌ المؤمنون والمعاندون وغيرهم:

- ‌ لله سنة جارية ثابتة بملازمة العاقبة للمتقين:

- ‌ معاني الأحداث السالفة:

- ‌ القرآن الكريم والعبر العامة المستفادة من قصصه:

- ‌ أجواء السيرة العبقة:

- ‌ الصحابة وسبل الارتقاء:

- ‌ القرآن والسيرة:

- ‌ بين الدرجة والنوع:

- ‌ تذوّق الصحابة نعمة الوحي، وافتقادها لدى انقطاعها:

- ‌ شواهد وفرائد صحابية:

- ‌ الرخص أم العزائم:

- ‌ السيرة مدد وحياة:

- ‌الثمار الطيبة الطّعوم:

- ‌ الإضافة وحديث القرآن:

- ‌ الإسلام منهج أهل الأرض ومستقبلهم المشرّف المشرق:

- ‌ الصحابة فخر الميادين، ازدحمت بهم الساحات:

- ‌ السيرة والتابعون وتابعوهم:

- ‌ الصحابة أئمة ومثل وهم بالرسول صلى الله عليه وسلم مقتدون:

- ‌ حبّ متوارث طهور:

- ‌ عناية الأجيال بالسيرة:

- ‌ وضوح أحداث السيرة:

- ‌ البشارات بالرسالة الخاتمة:

- ‌ عالمية الدعوة الإسلامية:

- ‌ السيرة ونسج المثال:

- ‌ السيرة ونفس المسلم:

- ‌ تفسير السيرة ومكانتها:

- ‌ فاتحة وافتتاح:

- ‌ هذا الاحتفال:

- ‌ أهمية المناسبات:

- ‌ مولد واقتران:

- ‌ تفكر وتفكر:

- ‌ الإسلام وحده هو الشرف:

- ‌ معنى الاحتفال بالمولد الشريف:

- ‌ هيمنة القرآن وإمامة الإسلام:

- ‌ يا حسرة على العباد:

- ‌ ولادة وولادة:

- ‌المسلم قويّ بهذا الدين:

- ‌ أمّة القرآن عودي للقرآن:

- ‌ الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية:

- ‌ المثل والأمثلة:

- ‌ الشرود عن منهج الله هو الدمار:

- ‌ النجاة بهذا الدّين وحده:

- ‌ مهمّة المسلم وآفاقه وقوّته:

- ‌ كيف السبيل

- ‌ أداء حق أمانة الدعوة:

- ‌ المولد الميمون: المناسبة والاحتفال:

- ‌ مدلول حادثة الفيل:

- ‌ عالمية الدعوة الإسلامية:

- ‌ السموّ بالاستمرار والاتصال:

- ‌ صورة مضيئة يهبها الإيمان:

- ‌ السّهمي في بلاط كسرى:

- ‌معجزة نبوية شاهدة:

- ‌ مؤشرات ومبشرات:

- ‌ محنة ومنحة:

- ‌ من الجاهلية إلى الإسلام:

- ‌ العزيمة وقيام الحياة الإسلامية:

- ‌ فطنة المسلم وتضحيته:

- ‌ النور وراء الظلمة:

- ‌ عجائب الإسلام وفرائده:

- ‌ هذه أخلاق القرآن:

- ‌ تعدد دروب النفس:

- ‌ الهجرة والأخذ بالأسباب:

- ‌ لقاء الهجرة والنّصرة:

- ‌ مناسبات وأحفال:

- ‌ بين العلم والعمل:

- ‌ الجيل المسلم والسيرة:

- ‌ الهجرة والدولة:

- ‌ الهجرات الثلاث:

- ‌ إقامة الحياة الإسلامية:

- ‌ الخلوص الكامل لله:

- ‌ الإسلام هجرة وبيعة:

- ‌ الإسلام وطن وقومية:

- ‌ الهجرة هجرة ونصرة:

- ‌ الحق قادم بأهله:

- ‌ بداية وافتتاح:

- ‌ الإسلام كبرى النّعم:

- ‌ ولادة الإنسان الجديد:

- ‌ دعوة اليقظة والارتقاء:

- ‌ تقدم الركب الميمون:

- ‌ حمل الراية المباركة:

- ‌ ذلك الجيل الفريد:

- ‌ قوة التضحية والفداء:

- ‌إنها بيعة دائمة، وعهود قائمة

- ‌ الإقبال خفافا وثقالا:

- ‌ لقاء الهجرة والنّصرة:

- ‌ واجب الشباب الطلاب:

- ‌ تضحيات فائقة رائقة:

- ‌ مناسبات ذات دلالة:

- ‌ قوة الإسلام ذاتية ربانية أودعها الله تعالى:

- ‌ التّسخير لهذا الدّين:

- ‌ الهجرة حبّ وحفظ:

- ‌ النصر حليف الإيمان:

- ‌ عجائب هذا التاريخ:

- ‌ الإسلام ارتقاء وشموخ:

- ‌ الإسلام تعامل وأخلاق:

- ‌ الإسلام شفاء وبناء:

- ‌فهرس الآيات

- ‌فهرس الأحاديث والآثار النبوية

- ‌فهرس الشعر

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الأماكن والبقاع

- ‌فهرس القبائل والجماعات

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌ الصحابة وسبل الارتقاء:

*‌

‌ أجواء السيرة العبقة:

في هذه الأجواء العبقة الندية الرخية بايات الله تعالى ووحيه ورعايته لأهل دعوته، كان صلى الله عليه وسلم يربي الصحابة الكرام، مما علمه الله وأوحاه إليه وأعدّه له. ويأخذ بأيديهم- حسب أحوالهم واستعدادهم ونوعياتهم- إلى الأرقى والأعلى والأوفى، في سلّم الإسلام والقرب من الله تعالى ورضاه، برفق وحكمة ودراية بهم. وكان صلى الله عليه وسلم يتولى ذلك وهم يتربون على مائدة القرآن الكريم وينهلون من ينبوعه الصافي الزّلال المثال وبه يرتقون، مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فكانت مجرد الإشارة تكفيهم للقيام بكل عمل وواجب ومهمة، مهما كانت شاقة وبالإشارة، بل لمجرد معرفتهم أو ملاحظتهم أو إحساسهم بتوجيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أي أمر من الأمور أو برغبته أو تفضيله له. فإن ذلك يقربهم إلى الله أكثر وبه يحصلون على رضاه سبحانه وتعالى وبالجنة، يستجيبون له، بجد وفرح وإقبال.

فانظر إلى عبد الله بن عمر، ما إن سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه:«نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي بالليل» «1» ، فكان لا ينام من الليل إلا قليلا (يتهجد) ، حتى وفاته رضي الله عنه .

*‌

‌ الصحابة وسبل الارتقاء:

وكان صلى الله عليه وسلم دوما يأخذ بأيديهم ويرتقي بهم، يسألهم أو يسألونه، بعد ما

(1) رواه البخاري، رقم (3530) ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أخته حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أم المؤمنين (زوج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . انظر كذلك: سير أعلام النبلاء، (3/ 210) . أسد الغابة، (3/ 341) . وكان عبد الله بن عمر يحب ابنه سالما هذا فيلام عليه فيقول (سير أعلام النبلاء، (4/ 460)) :

يلومونني في سالم وألومهم

وجلدة بين العين والأنف سالم

ص: 204

رباهم على الإيمان القوي العميق بالله رب العالمين ودينه العظيم ونبيه الكريم. وعلموا أن لهذا الدين والإيمان به حقيقة يجدونها في أنفسهم، تجعل كلماته أجزاء من أبدانهم بل تفتدى لها أبدانهم. تتحول إلى عمل ماض وصوت جهير وإصرار مضئ، في واقع الحياة. آثاره تجول وتصول، وثماره تنادي وتقول، تفصح عن حقيقته وتؤكد وجودها. وعبروا عنه صورا متلألئة، ف «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» «1» .

ومهما كانت تكاليف هذا العمل يجري ذلك ويتم بدون موازنات أو حسابات أو أي اعتبارات، تترجح عندها الأمور الدنيوية. بل هي لا ترد في هذه الحسابات ولا وزن لها في كفته، بل هي تفتدى من أجل الحصول على رضا الله تعالى، بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في رفع شأن هذا الدين وإعلاء كلمة الله في كل موطن، مهما كانت التكاليف وغلت التضحيات.

ويوم مرّ الحارث بن مالك الأنصاري «2» برسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «كيف أصبحت يا حارث؟» قال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: «انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» ، فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا.

وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال صلى الله عليه وسلم:«يا حارث، عرفت فالزم» ثلاثا «3» .

فحقيقة الإيمان بهذا الدين، آثار واضحة وثمار جلّى ناضجة، يراها كل

(1) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس بن مالك. وانظر: التفسير، (3/ 1474) .

(2)

عنه انظر: الإصابة، (1/ 289) ، رقم (1478) ، (1/ 388) ، رقم (2055) الطبراني، (3/ 266) . أسد الغابة، (1/ 414) . حياة الصحابة، (3/ 23) . وانظر كذلك: التفسير، (3/ 1478) .

(3)

حياة الصحابة، (3/ 23) . التفسير، (3/ 1478) .

ص: 205

أحد، لا تحتاج إلى دليل، فهي الدليل الذي يبهر كلّ ناظر، يدهشه ويجذبه.

لذلك فإن حارث طلب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بالشهادة، فقال: يا نبي الله، ادع الله بالشهادة، فدعا له. فنودي يوما: يا خيل الله اركبي، فكان أول فارس ركب وأول فارس استشهد «1» ، رضي الله عنه وأرضاه.

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرعاهم في كل الأمور، فردا فردا، وأسرة أسرة، وجماعة جماعة. يوجههم وهو معهم، يعاونهم ويرشدهم.

فكانوا يلجؤون إليه في كل ما يعتملون ويواجهون ويأملون «2» - نساء

(1) الإصابة، (3/ 24) . وحياة الصحابة، (3/ 24) .

(2)

انظر مثلا: البخاري رقم (1239) ، ورقم (5153) وما قبله. ومسلم رقم (2144) ، كل ذلك عن أبي طلحة الخزرجي الأنصاري النّجّاري (زيد بن سهل، 34 هـ أو 51 هـ) العقبي النقيب البدري، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من الشجعان الرماة، وكان جهير الصوت، وعن ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة (مئة) » . سيرة ابن هشام، (1/ 457) . أسد الغابة، (2/ 289) ، (6/ 181) . سير أعلام النبلاء، (2/ 27) . وزوجته أم سليم بنت ملحان النجارية الأنصارية، أم أنس بن مالك، وكانت صدرا في العاقلات المجاهدات بأسرهن. أسد الغابة، (7/ 345)، رقم (7471) . ولما رغب أبو طلحة الزواج منها قالت له:(أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يردّ، ولكنك كافر، فإن تسلم فذلك مهري، لا أسألك غيره، فأسلم، وتزوجها. فقالوا: فما سمعنا بمهر كان قط أكرم من مهر أم سليم: الإسلام) . سير أعلام النبلاء، (2/ 29) . نجد أنفسنا واقفين مع أبي طلحة أمام قضيتين فيهما غموض: الأولى: في سنة وفاته (سنة 34 هـ) أو قبلها أو سنة (51 هـ) ، الفارق كبير. فعلى الأول (34 هـ) في خلافة عثمان (23- 35 هـ) وعلى الثاني (51 هـ) ، لعل وفاته إذا في غزوة لفتح القسطنطينية سنة (51 هـ) . وكان من المشاركين فيها الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري الذي توفي هناك، حيث قد وصى أن يؤخذ جثمانه إلى أقصى مكان داخل أرض العدو ليدفن فيها، فدفنوه عند أسوار القسطنطينية. سير أعلام النبلاء، (2/ 402 413) . مسند الإمام أحمد، (5/ 419) . وهذا الاستنتاج ينسجم مع رغبته (أبو طلحة) في الخروج للجهاد استجابة للآية الكريمة انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [التوبة: 41] .

ص: 206

ورجالا- حتى خصوصياتهم وزواجهم وكل قضاياهم دوما «1» .

فكان صلى الله عليه وسلم لكل واحد منهم أكثر من أب وأم وأخ، يبذل من خاصة نفسه ولا يبقي لنفسه- إن بقي- إلا بعد أن يكتفي الآخرون، يعطي من كل ما عنده لدينهم ودنياهم، من ماله وتوجيهه وحبه الذي لا ينضب، والذي تجاوز أصحابه إلى أتباعه وإخوانه في كل جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولأهل الأرض أجمعين. فهو النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وهو رسوله إلى الناس كافة.

وكان صلى الله عليه وسلم يمضي مع صحابته في الأمر حتى ينجزه، ويسعى معه أو قبله لذلك، حتى يصل به إلى النهاية بعون الله. وهو صلى الله عليه وسلم الذي يبدأ بإثارة الكلام عن قضية أحدهم، ويسأل عنها، ليسعى قبل صاحبها في حلّها وإنجازها، مهما كانت ضخمة وصعبة، يبحث عن طريق لحلها، ويتولى شأنها بنفسه، وهو القصد من سؤاله. وفي كل مسألة نماذج وشواهد كثيرة وفيرة غزيرة.

ومرة جاءه أعرابي، وقد أقيمت الصلاة، فأخذ الأعرابيّ ثوبه صلى الله عليه وسلم وقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة، وأخاف أنساها، فقام معه حتى فرغ من حاجته، ثم أقبل فصلى «2» ، فأي اهتمام هذا؟!!

وقد جرى ذلك مع كل واحد من صحابته- نساء ورجالا، صغارا

فغزا البحر فمات، فأيهما أكثر احتمالا؟ الثانية: قصة إسلامه، فروايات تذكر أنه عقبي نقيب، وهي نفسها حين تتحدث عن زواجه بأم سليم، مما يفهم منه أنه أسلم بعد الهجرة الشريفة إلى المدينة المنورة قبل بدر أو بعدها. وقبل هذا لا نجد له مشاهدات أو مشاهد في معترك الأحداث. وبعد (34 هـ) لا نجد له أمثالها!!

(1)

حياة الصحابة، (2/ 669) وما بعدها.

(2)

أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة، رقم (616، 617) . ومسلم، (376) . (وفيه جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه) . فتح الباري، (2/ 124) . السيرة النبوية، الندوي، (385) .

ص: 207

وكبارا، أطفالا وشيوخا- مرات ومرات مع كل منهم، أو كثير، مهمات تنوعت ومهما اقتضت واشتدت. بل هو صلى الله عليه وسلم الذي يقترح ويحث على إنجاز الرغبات وتوفير الضرورات وتحقيق آمال البركات «1» .

ولقد كان ربيعة بن كعب الأسلمي يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم متطوعا وحريصا، ويعتبر ذلك عبادة، ويكلف نفسه ما لا يكلف به أحدا، ويسعى به فرحا «2» .

ما أجمل وأروع هذا الدين وأعظم خلق وفضل نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم. هذا الدين الذي اختار الله سبحانه وتعالى له هذا النبي العظيم، ورباه وأدبه وأعده على ما يريده سبحانه وتعالى من الخلق والفضل والعبودية لله. ذلك لكي يكون أهلا لحمل دعوة الله المباركة ووحيه المنزل على قلب هذا النبي الكريم والرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، قرآنا وسنة وسيرة. وبهذا تكون تربية أتباعه من الصحابة الكرام ومن تبعهم إلى يوم الدين. ويكون ذلك إعدادا فريدا يتناسب وهذا المنهج الرباني نفسه، ويسمو بهم إلى قمة عالية لا تدانيها أية من الواجهات والتربيات والمفهومات من كافة النواحي، نوعا ودرجة وطبيعة.

تراها كذلك وهي ترتقي في سلّم الصعود نحو القمم تتسامى، وغيرها يترنح في وهاد المستنقعات، لتظهر بوضوح حقيقة هذا المنهج وقوته ومصداقيته وروعته وفعاليته ومصدريته.

يرى ذلك في اتباعه، ويكون البناء عاليا والتأثير واضحا والأخذ به شاملا. وبلغ ذلك البناء إلى حد من التأثير والإثمار أن وجد الصحابة الكرام في تكاليفهم وبذلهم عبادة، بها يفرحون وعليها يقبلون وعلى الوفاء بها يصرون ولأجلها يسهرون وفي سبيلها يبذلون ولإعلائها يضحّون بكل ما يملكون، والنفس عندهم من أجلها قليلة. وهم يفعلون ذلك إيمانا واحتسابا وقربى. كيف لا والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قدوتهم وأسوتهم، وكان يجد راحته

(1) انظر: البخاري، رقم (1239، 5153) وقبلها.

(2)

ربيعة بن كعب الأسلمي. انظر: هنا، (ص 100- 104، 132، 142- 146، 209 وبعدها) .

ص: 208

في العبادة. فهو الذي كان يقول لبلال في وقت الصلاة: «أرحنا بها يا بلال» أو: «يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها» «1» ، ويقول:«حبّب إليّ من دنياكم النساء والطّيب وجعلت قرّة عيني في الصلاة» «2» .

ولقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوما لربيعة: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» قلت: لا والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج، وما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء!! فأعرض عني، ثم قال لي الثانية:«يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: ما أريد أن أتزوّج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء. فأعرض عني. ثم رجعت إلى نفسي فقلت:

والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم مني بما يصلحني في الدنيا والآخرة، والله لئن قال لي ألا تزوج؟ لأقولن: نعم يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال لي:

«يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: بلى، مرني بما شئت، قال:«انطلق إلى آل فلان- حي من الأنصار، كان فيهم تراخ «3» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل لهم:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانة» ، لامرأة منهم.

فذهبت إليهم فقلت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني، فقالوا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا يرجع رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بحاجته، فزوّجوني وألطفوني وما سألوني البينة «4» .

وهكذا تمضي القصة وتتعدى ذلك إلى معاونته صلى الله عليه وسلم لربيعة في تهيئة كل متطلبات الزواج، بل حتى القران والوليمة، يحث المسلمين على إنجاز ذلك له ومعاونتهم إياه، بل وإعداد مقتضيات العرس والوليمة التي يحثّ

(1) رواه أبو داود، رقم (4985، 4986) . وورد في مسند الإمام أحمد، (5/ 364، 371) . زاد المعاد، 1/ 265) .

(2)

مسند الإمام أحمد، (3/ 128) ، (199) ، (285) . حياة الصحابة، (3/ 89) . زاد المعاد، (1/ 265) ، (3/ 250) ، (336) .

(3)

«كان فيهم تراخ» : كانوا يأتونه قليلا.

(4)

حياة الصحابة، (2/ 669- 670) . «ألطفوه» : قدموا له الهدايا وسرّوا به.

ص: 209

عليها الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم ودعوة الآخرين إليها «1» .

هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرعى أصحابه، وهكذا أحبوه أكثر من أنفسهم، وهكذا يكتمل الإيمان «2» . ونحن إن فاتنا مكانة الصحبة وشرفها فنجتمع وإياهم معه في الجنة- إن شاء الله سبحانه وتعالى وبفضله- وتحت لواء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ونسأله- وهو العلي القدير- صحبته في الآخرة في الجنة، كما كان الصحابة يسألونه ذلك.

إن نكن لم نر النبيّ فإنّا

قد تبعنا سبيله إيمانا

والحق أن هذا أفق عجيب ونظر ثقيب وتعلق باهر ومستوى نادر وإيمان متنور وعقل متفكر. ويبدو أن عددا كبيرا من الصحابة- إن لم يكن كلهم- قد حضر عندهم هذا التصور، كما في القصة السابقة وقصص أخرى، منها ما يشير إلى أنهم لا يحتملون ولا يتصورون فراقه. ومن ذلك ما يروى أنه جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«يا فلان ما لي أراك محزونا؟» فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. فقال: «ما هو؟» ، قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين، فلا نصل إليك. فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية الكريمة: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً [النساء: 69- 70] . فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره «3» .

وكلما ارتقى الصحابة الكرام أفقا جديدا، وجدوا سعة في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وآفاقا لا زالت بعيدة، وكانوا أكثر إدراكا لها وأحدّ نظرا وبعدا

(1) حياة الصحابة، (2/ 670- 671) . مرت القصة مفصلة.

(2)

سبق ذكره. التفسير، (2/ 699) .

(3)

سبق ذكره. التفسير (2/ 699) .

ص: 210