الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
ذلك الجيل الفريد:
فارتفعت به هامات، كانت متهطّلة في الجحور، بعين الشّقوة والخمور، متدلية بين الأوثان، فغدت بالله عزيزة، فما عادت تنحني لغيره، وتساوت في ظل الإسلام الرؤوس، كانت متعالية فارغة أو متسافلة متمرغة، فما رضيت الخضوع لغير شرع الله، وتحررت من كل أثقال الأرض، لتطير إلى عليين، في هذه الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: 51] .
وتحطمت الطواغيت والأوثان، ومن كل الألوان، فأشرقت الأرض بنور الله رب العالمين. فكل ما عداه باطل، ومهلك مضلّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: 115] .
إنه لفريد وعجيب ومدهش ذلك الجيل؛ الذي تربى على مائدة القرآن، ونهل من فيضه، وأترع من نهره، بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتربيته وأسوته، فارتدى ذلك، واكتساه، واحتذاه.
وعلى دربهم سارت ما تلاه من أجيال، وحتى اليوم والمستقبل على الدوام إن شاء الله تعالى، تربّت على الدعوة الإسلامية، وتعلمت أنّ الإسلام بيعة. ومنذ قبله، ودخل دائرته، وحمله باع نفسه لله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 111] ، كل بمقدار إقباله وإخلاصه وتضحيته والتزامه وإقدامه.
وبهذا يقام مجتمع الإسلام، يسير على ذلك المنهج الكريم الذي عليه ربّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، بما أوحى الله له وعلّمه، قرآنا وسنّة وسيرة.
يقبلون عليه لا يتخلفون، ويفرحون بما يقدّمون، يسترخصون من أجله كل ما يملكون.
(1/ 201) وبعدها (2/ 458، 550، 3/ 230، 613) . الأعلام (3/ 227) .
تجدون النماذج الكثيرة الوفيرة، من كل لون وميدان وتخصص، في العصور الإسلامية المتلاحقة، كلها تتضافر لإظهار هذه المعاني المثلى، قائمة في حياة المجتمع، تجتذب الناس، وتدعوهم إليه. وإذا حلّ الإيمان بهذا الدين الكريم- قلب إنسان، كانت ولادة جديدة رشيدة. وانظروا إلى بيعة العقبة كيف كانت وكيف كان أصحابها، وكيف كان استعدادهم الرفيع للبذل من أجل هذا الدّين «1» .
ثم كانت الهجرة، والتقى أهل الهجرة بأهل النصرة «2» ، بعد أن حمل الطريق خطواتهم السارّة البارة، هجرة عن الوطن من أجل الدعوة إلى الله، وحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، وهو أمر فريد «3» .
(1) سبق الحديث عنها، انظر: أعلاه. كذلك مسند الإمام أحمد (3/ 322- 323، 339- 340) . سير أعلام النبلاء (1/ 309) .
(2)
حياة الصحابة (1/ 335) وبعدها (377) وبعدها.
(3)
ولقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حزن على ترك مكة المكرمة في الهجرة، لكن دين الله أعزّ من كل شيء، حتى من النفس والأهل والولد. وكانت الهجرة هجرة إلى الله، ونصرة لدينه. فأخرج الترمذي (5/ 679 حديث رقم 3925) أن أحد الصحابة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة واقفا على راحلته بالحزورة، في سوق مكة (موضع مرتفع خارج مكة، ومعناها الرابية) وسمعه يقول: «والله إنّك لخير أرض الله وأحبّ أرض الله إلى الله عز وجل، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (زاد المعاد، 1/ 48- 49) . وأخرجه كذلك أحمد في مسنده، المسند، (4/ 305) ، والترمذي، رقم (3925/ 5) . أسد الغابة (3/ 336)، رقم (3068) . كما أخرج الترمذي بعده ما يؤكده من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبا مكة:«ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» . (انظر: السيرة النبوية، الندوي، 145- 146) . وذكر أن أصيل الهذلي (أو الغفاري) قدم على النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة- قبل أن يضرب الحجاب على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة رضي الله عنها: يا أصيل، كيف عهدت (تركت) مكة؟. فلما أجابها، قالت له: أقم حتى يأتيك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يلبث أن دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:«يا أصيل! كيف عهدت مكة» ؟ قال: عهدتها والله وقد اخضرت أجنابها (أخصب جنابها) وابيضت بطحاؤها