الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن أرض جديدة للإسلام، وقوم آخرين يدعون إليه. ودوما يشق الإسلام مسالك؛ لتتقدم دعوته، وتنتشر، ويدخلها الناس محبين.
ثم الهجرة الثالثة الكبرى إلى المدينة المنورة؛ التي أقامت مجتمع الإسلام ودولة الإسلام، واستعد لها المسلمون؛ ليتمّ الله أمره، وينصر دينه، وهي في علم الله كائنة قبل أن تكون.
اتخذ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون كل الأسباب
…
جرى كل ذلك مع الاستسلام الكامل لأمر الله وشرعه والركون إليه والأمل بنصره، وهكذا أقامت الهجرة الدولة. والهجرة إلى الله أقامت وتقيم الحياة الإسلامية.
إنّ العدو الخارجي والداخلي أصاب منّا ما أصاب، يوم أصيب المسلمون في تمسّكهم، فليلتفت المسلم إلى هذا بقدر حرصه على انتمائه لهذا الدين الرباني وحده.
*
إقامة الحياة الإسلامية:
إن الذين يقيمون المجتمع الإسلامي والحياة الإسلامية ودولتها، هم
بالحجارة حتى سالت قدماه الشريفتان دما، وأسلم هناك شابّ نصراني اسمه عدّاس (فأكب عدّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّل رأسه ويديه وقدميه) . (حياة الصحابة، 1/ 276) . وفيها كان دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ! إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين! أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي! إلى من تكلني إلى بعيد يتجهّمني، أم إلى عدو ملّكته أمري؟! إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» . (زاد المعاد، 1/ 98- 99. السيرة النبوية، الذهبي، 285. حياة الصحابة، 1/ 277) . وبهذه المناسبة يذكر أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف آمن به نفر من الجن. (التفسير، 6/ 3725- 3726. البداية والنهاية، 3/ 137. البخاري، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الجن، رقم 4637) .
أولئك الذين يرسمون صورة الإسلام في سلوكهم، ويتمثلونها في حياتهم، ويفتدونها بالنفس رخيصة. يهتفون بهتاف الخلود في كل موطن شديد:(الله أكبر لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) ، فتصغر الدّنيا في عيونهم، وينظرون إلى الصّعاب منهزمة، وإلى الطغاة راغمة، مهما كانوا مدججين بالسلاح، وممتلكين للمناصب، ومتسلطين، يتولون الإنسان بالجبروت المتفرعن على خلق الله سبحانه وتعالى.
وكلّ جمع تتركز فيه تلك المعاني الفاضلة الخيرة، تبرز فيه هذه الحقائق، فكما برز في العهد الأول القدوة تبرز على مر التاريخ، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
فكم من مؤمن أوذي في الله بكل طريق، وحورب بكل أسلوب، وتقطّع أوصاله، وتتناثر أشلاؤه، وتستنزف دماؤه وهو يشدو وينشد أناشيد الإسلام
…
أناشيد القوة الفاضلة، والعدل الأمين بكلام الله المبين وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: 12] وهكذا يردد المؤمنون الآيات الكريمة، ويتلونها حق تلاوتها، علما وعملا، ويفهمون معانيها وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69] .
كما كان ينشد السلف، وهكذا يفعل الخلف، آيات من الكتاب المبين، والذكر الحكيم، والطريق المستقيم، وبه الهداية، وفي غيره الغواية. وهكذا فهم الجميع، كلّ المسلمين، دوما مثلما يستلهمون كتاب الله سبحانه وتعالى، وحديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتمثلونها، ويتعلمون منها مسالكهم، فهم يستنبطون ويستنبطون من معانيها ومبانيها ما يترسّمون وما يفعلون وما يقولون «1» :
(1) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، رقم (3878) .