الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المكونات العاملة الحيوية المتحركة، كان العقل واحدا منها، فالله خالق الإنسان، وعالم به أنزل شرعه للعناية بكل المكونات، ليكون الإنسان الرباني الذي أراده الله تعالى بهذه المقومات والشريعة، وبذلك يتجه إلى الله بقوة وحرارة لا يلوي على شيء. وعلى التربية والمهتمين بها أن يلحظوا هذا الأمر الأساسي الخطير في عملية التوجيه والتعليم، وأن يقوم هذا على دين الله سبحانه وتعالى.
*
الهجرة والأخذ بالأسباب:
أعدّ الرسول صلى الله عليه وسلم عدّته للهجرة بعد أن أمره الله بها، ووضع خطتها، وكانت في غاية الإحكام والدقة ونهاية الحيطة، بتوجيه الله له، ووحيه الأمين، في أمور شرحها وبيانها وذكر معجزاتها يطول، منها: أنه بدل أن يتجه الركب المبارك إلى الشّمال اتجه إلى الجنوب- محفوفا بعناية الله- ملاحقا من قوى الكفر، تبتغي قتله، معلنة عن جائزة ضخمة؛ لمن يأتي به حيا أو ميتا. وأعدت أربعين شابا لقتله، في خطّة عنيفة مخيفة وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «1» [الأنفال: 30] . فخرج صلى الله عليه وسلم من بينهم- بقدرة الله- في الليل، واتّجه إلى دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حيث خرجا ليلا من هناك، من خوخة في ظهر دار أبي بكر، مبتدئين هذه الرحلة المباركة الكريمة من هناك «2» .
أن تنشغل قريش كلّها وأهل مكة، وتبذل لذلك، وتحضّر، وتخطط، فذلك دليل- وهو حال متكرر- أن أهل الباطل- أفرادا وهيئات ودولا ومعسكرات وجهات ومؤسسات وأحزابا- إذا حاربوا الحق، وهم يحاربونه
(1) التفسير (3/ 1501) .
(2)
البخاري رقم (3692- 3694/ 3) . سيرة ابن هشام (1/ 485) . وانظر: سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد (3/ 338) .
دوما- يلجؤون إلى كل الوسائل، دون النظر إلى صلتها بمثل أو قانون أو عرف، حتى تلك التي وضعوها، أو ادّعوا التعامل معها. وهكذا دينهم وديدنهم، في كل الأمور، لا ترتبط بشيء غير مصلحتهم. وكلما يدّعون، أو يضعون من قوانين إنما هي لحماية هذه المصلحة، ويوم تعوّقها يدوسونها، ومع كل ذلك إذا فشلوا في شيء لمصلحتهم اتبعوا سبيل القتل والإبادة، لا يصدّهم عن ذلك وأكثر منه شيء.
وهكذا فعلت قريش، ودبّرت له، رغم أنهم يتعاملون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروف لديهم، وهو يدعوهم إلى الله، ودعوته الحقة الخيرة، يفعلون ذلك ظنا أنهم يقضون على هذه الدعوة المباركة، وهيهات!
تقع المدينة المنورة بما يزيد على (450) كم شمال مكة المكرمة، لكن الركب الميمون- ركب الإنسانية، الذي يضمّ أو يحمل مستقبلها، كما أراد الله الكريم الرحيم لها- اتجه نحو الجنوب، حيث وصل غار ثور- بعد خمس كيلومترات من المسير- في الليل من يوم الخميس. فدخلا ذلك الغار في أعلى الجبل، والطريق إليه وعر شديد. وبعد ثلاثة أيام- قضوها في انتظار أن يخف الطلب، وفي إعداد للزاد والأخبار رائع جميل- بدأ الركب الميمون السير الحثيث- بدليل مكيث- ليلة الإثنين «1» متّجها نحو المدينة المنورة، في رحلة مباركة تحمل هداية الإنسانية، التي أرادها الله سبحانه وتعالى.
حاز آل أبي بكر عظيم الشرف في الهجرة، إلى ما حازوه من قبل ومن بعد، فعائشة وأسماء ذات النّطاقين تكفّلتا بالطعام، وعبد الله الشاب الثّقف اللّقن (الحاذق اللّماع الفطن)«2» ينقل أخبار قريش، ويبيت عند الغار ليصبح في مكة وكأنه نائم فيها، وراع يتولّى السير خلفه كيلا يعرف له
(1) انظر: المسند (1/ 277)(جديدة رقم 2506/ 4) . سبل الهدى (3/ 360، 377) .
(2)
أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، رقم (3692- 3694) . سيرة ابن هشام (1/ 486) .
أثر «1» ، ومطاردة وصلت أبواب الغار، فكان أبو بكر يرى أقدامهم، ولا يرونه؛ فقال: لو أن أحدا نظر إلى موضع قدمه لأبصارنا. فقال له صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر! ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا» «2» .
فحماهما الله من كيدهم، وعاد المطاردون بعدما صدّتهم- بإرادة الله- أصناف من الحيوان الضعيف، قام مقام الجيش الكثيف، فارتدوا خائبين إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التّوبة: 40] .
وبعد أيام ثلاثة جاء عامر بن فهيرة، يخدمهم، ويعاونهم في الطريق «3» . وأقدم الدليل في المساء بجملين (وثالث له) . فسار بهما ممعنا في الجنوب أيضا، ثم اتجه غربا نحو ساحل البحر الأحمر، مصعّدا شمالا إلى المدينة المنورة، في طريق غير معروفة. واستمر الركب يغذّ السير طوال الليل وشطر النهار، كي يبتعد عن مكامن الطلب والمطاردة، القادمة من مكة وما حولها. خطا ذلك بخطوات سريعة في جنح الظلام. وبعد بذل غاية الطاقة، وفي الساعات الحرجة، أو التي تنعدم فيها فعالية الجهد الإنساني، وقد بذل الجهد الماثل في تحقيق شيء، تتولّى العناية الإلهية الإحاطة بها كما هي منذ البداية، تغشاه وترعاه، فكيف وهنا دعوة ونبوة ورسالة؟!
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحوز كامل الاطمئنان، وهو في قمة الخطر،
(1) أخرجه البخاري، نفسه. سيرة ابن هشام، نفسه.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم، رقم (3452- 3453) . زاد المعاد (3/ 53) . حياة الصحابة (1/ 340) .
(3)
أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم رقم (3692- 3694) . إمتاع الأسماع (1/ 42) . سيرة ابن هشام (1/ 487- 488) . زاد المعاد (3/ 55) . سيرة الذهبي (326) .
وغمرته المحدقة المبيدة. أليست تلك واحدة من علامات النبوة؟! بل وسراقة الذي جاء يطاردهم، طمعا في جائزة قريش، فلما ساخت فرسه لأكثر من مرة سقط من عليها في الثالثة، على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم محفوظ، وتحوّل من مطارد لهما طامع بالجائزة إلى راغب بوعد، يعمّي الأنظار، ويكتم الأخبار، والوعد أمان وإيمان، بشّره صلى الله عليه وسلم بأن الله سيفتح على المسلمين، ويلبس سراقة تاج كسرى وأسورته «1» . أليس هذا خيال!؟ لا بل واقع. ويتمّ الله فتح أكبر دولتين في العالم فارس والروم، ويلبس سراقة في خلافة عمر أسورة كسرى وتاجه، ذلك على ملأ من الصحابة. وقال عمر:
(الحمد لله الذي سلب كسرى سواريه، وألبسهما سراقة بن جعشم الأعرابي)«2» .
معجزتان في معجزة: الأولى: إخبار عن الغيب، بوحي الله، والثانية: إتمام هذا الأمر، وهو ما أخبر الله به نبيّه، وعرفه سراقة في يوم تمامه. فيا للفرحة والقوة! إنها النبوة الكريمة.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم طول الطريق خائفا، فلقد كان يقرأ القرآن، ويكثر من الدعاء، ذلك غاية الاطمئنان، وأعلى درجات الإيمان «3» .
واستمر الركب الكريم أكثر من أسبوع حتى وصل المدينة المنورة في قباء، يوم الإثنين من شهر ربيع النبوي (الأول) . وأقام فيها أربعة أيام، أسّس أول مسجد في الإسلام «4» . ثم انتقل إلى داخل المدينة المنورة؛ التي
(1) حياة الصحابة (261- 262) . تاريخ الإسلام (الخلفاء الراشدون)(295) .
(2)
حياة الصحابة، نفسه، تاريخ الإسلام، نفسه. السيرة النبوية، أبو شهبة (1/ 493- 495) .
(3)
انظر: البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، رقم (3694/ 3) . سيرة ابن هشام (1/ 489- 490) . حياة الصحابة (1/ 341- 342) .
(4)
سيرة ابن هشام (1/ 493- 494) . قارن: الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ابن كثير (117- 118) . حياة الصحابة (1/ 342) .