المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الإيمان وتكاليف تربيته: - السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

[عبد الرحمن علي الحجي]

فهرس الكتاب

- ‌[المدخل]

- ‌الإهداء

- ‌ملاحظات

- ‌تقديم

- ‌تمهيد وتنجيد

- ‌المبحث الأول السيرة النبوية ظلالها وآفاق دراستها

- ‌ استهلال وإطلال وإجلال:

- ‌ التخصص العام والدقيق:

- ‌ المقوّم الأول المهم:

- ‌ اتساع السيرة النبوية والاقتداء بها:

- ‌ السيرة مرآة ومهماز:

- ‌ مصادر دراسة السيرة:

- ‌ صلحاء الأمة وحماتها:

- ‌ كتابة السيرة الشريفة:

- ‌ العيش في جو السيرة عمقا وتعلّقا:

- ‌ كتابة السيرة بين الفقه والتاريخ:

- ‌ دراسة وكتابة السيرة الشريفة وآفاقها:

- ‌ دوام حفظ الله سبحانه لأهل دعوته ونوعيتهم:

- ‌ أسلوب هذه الدراسة:

- ‌ أثر السيرة في المجتمع قوة ودعوة:

- ‌ السيرة وكتابة التاريخ:

- ‌ السيرة وجيل الصّحابة:

- ‌ هذه الدراسة والكتابة:

- ‌ الحب الواضح المتجدّد:

- ‌ الخلوص في التوجه، والنقاء في التلقّي:

- ‌ سبل التعبير عن السيرة النبوية الشريفة:

- ‌ السيرة النبوية مشاهد عملية ومواقف حيّة:

- ‌ معرفة دلائل السيرة المتفردة من خلال تفوّقها ومعالمها:

- ‌ تحقّق الإسلام بالسيرة:

- ‌ القدوة المثالية الواقعية:

- ‌ نعمة حفظ الله تعالى لكتابه وسنّة رسوله:

- ‌ قادة الأمة والسّيرة:

- ‌ واجبات محبّبة كريمة، وثمار مباركة طيبة:

- ‌ علماء الأمة هم حماتها، وبناة حضارتها:

- ‌ جمال أمثلة صياغة الحياة وتفرّد وعمق صبغتها:

- ‌ علماء الموائد:

- ‌ السّنّة وكتابة السّيرة:

- ‌ من يكتب السيرة

- ‌ إرهاصات:

- ‌ أدلة إيضاح وإفصاح:

- ‌ جيلنا والاهتمام بالسيرة:

- ‌ واجب العناية بالسيرة:

- ‌المسلم ودراسة السيرة:

- ‌ موقع السيرة النبوية من التاريخ:

- ‌ الصحابة والاقتداء بالسيرة:

- ‌ الخيرية والجيل المثال:

- ‌ السيرة موئل ومنهل:

- ‌ السيرة بناء وارتقاء:

- ‌ مدلولات فريدة جديدة:

- ‌ ثمار أغنت ميادينها:

- ‌ عصر النبوة وامتلاء ميادينه بالأعلام العالية:

- ‌ الحضارة والأصالة الإسلامية في الدعوة الربانية:

- ‌ الصحابة والولاء للإسلام:

- ‌ أسلموا وأهلهم أعداء:

- ‌ الإيمان وتكاليف تربيته:

- ‌ رهافة الثمرة الإيمانية:

- ‌ إضاآت كريمة ومدلولات فاضلة لقصة ربيعة:

- ‌ دقة الرهافة وأصالتها جعلتهم يشعرون بالتقصير:

- ‌ مدى عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحابة:

- ‌ العناية النبوية الحنون في رعاية الواقع الميمون:

- ‌ تفقد الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وحبّهم له:

- ‌ النساء وفرض الحجاب:

- ‌ جيل الصحابة والإقبال على أمر الله:

- ‌ قصة تحريم الخمر:

- ‌ الترقي الإيماني والإقبال على دخول الإسلام:

- ‌ حضور مشاهد الغابرين:

- ‌ المؤمنون والمعاندون وغيرهم:

- ‌ لله سنة جارية ثابتة بملازمة العاقبة للمتقين:

- ‌ معاني الأحداث السالفة:

- ‌ القرآن الكريم والعبر العامة المستفادة من قصصه:

- ‌ أجواء السيرة العبقة:

- ‌ الصحابة وسبل الارتقاء:

- ‌ القرآن والسيرة:

- ‌ بين الدرجة والنوع:

- ‌ تذوّق الصحابة نعمة الوحي، وافتقادها لدى انقطاعها:

- ‌ شواهد وفرائد صحابية:

- ‌ الرخص أم العزائم:

- ‌ السيرة مدد وحياة:

- ‌الثمار الطيبة الطّعوم:

- ‌ الإضافة وحديث القرآن:

- ‌ الإسلام منهج أهل الأرض ومستقبلهم المشرّف المشرق:

- ‌ الصحابة فخر الميادين، ازدحمت بهم الساحات:

- ‌ السيرة والتابعون وتابعوهم:

- ‌ الصحابة أئمة ومثل وهم بالرسول صلى الله عليه وسلم مقتدون:

- ‌ حبّ متوارث طهور:

- ‌ عناية الأجيال بالسيرة:

- ‌ وضوح أحداث السيرة:

- ‌ البشارات بالرسالة الخاتمة:

- ‌ عالمية الدعوة الإسلامية:

- ‌ السيرة ونسج المثال:

- ‌ السيرة ونفس المسلم:

- ‌ تفسير السيرة ومكانتها:

- ‌ فاتحة وافتتاح:

- ‌ هذا الاحتفال:

- ‌ أهمية المناسبات:

- ‌ مولد واقتران:

- ‌ تفكر وتفكر:

- ‌ الإسلام وحده هو الشرف:

- ‌ معنى الاحتفال بالمولد الشريف:

- ‌ هيمنة القرآن وإمامة الإسلام:

- ‌ يا حسرة على العباد:

- ‌ ولادة وولادة:

- ‌المسلم قويّ بهذا الدين:

- ‌ أمّة القرآن عودي للقرآن:

- ‌ الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية:

- ‌ المثل والأمثلة:

- ‌ الشرود عن منهج الله هو الدمار:

- ‌ النجاة بهذا الدّين وحده:

- ‌ مهمّة المسلم وآفاقه وقوّته:

- ‌ كيف السبيل

- ‌ أداء حق أمانة الدعوة:

- ‌ المولد الميمون: المناسبة والاحتفال:

- ‌ مدلول حادثة الفيل:

- ‌ عالمية الدعوة الإسلامية:

- ‌ السموّ بالاستمرار والاتصال:

- ‌ صورة مضيئة يهبها الإيمان:

- ‌ السّهمي في بلاط كسرى:

- ‌معجزة نبوية شاهدة:

- ‌ مؤشرات ومبشرات:

- ‌ محنة ومنحة:

- ‌ من الجاهلية إلى الإسلام:

- ‌ العزيمة وقيام الحياة الإسلامية:

- ‌ فطنة المسلم وتضحيته:

- ‌ النور وراء الظلمة:

- ‌ عجائب الإسلام وفرائده:

- ‌ هذه أخلاق القرآن:

- ‌ تعدد دروب النفس:

- ‌ الهجرة والأخذ بالأسباب:

- ‌ لقاء الهجرة والنّصرة:

- ‌ مناسبات وأحفال:

- ‌ بين العلم والعمل:

- ‌ الجيل المسلم والسيرة:

- ‌ الهجرة والدولة:

- ‌ الهجرات الثلاث:

- ‌ إقامة الحياة الإسلامية:

- ‌ الخلوص الكامل لله:

- ‌ الإسلام هجرة وبيعة:

- ‌ الإسلام وطن وقومية:

- ‌ الهجرة هجرة ونصرة:

- ‌ الحق قادم بأهله:

- ‌ بداية وافتتاح:

- ‌ الإسلام كبرى النّعم:

- ‌ ولادة الإنسان الجديد:

- ‌ دعوة اليقظة والارتقاء:

- ‌ تقدم الركب الميمون:

- ‌ حمل الراية المباركة:

- ‌ ذلك الجيل الفريد:

- ‌ قوة التضحية والفداء:

- ‌إنها بيعة دائمة، وعهود قائمة

- ‌ الإقبال خفافا وثقالا:

- ‌ لقاء الهجرة والنّصرة:

- ‌ واجب الشباب الطلاب:

- ‌ تضحيات فائقة رائقة:

- ‌ مناسبات ذات دلالة:

- ‌ قوة الإسلام ذاتية ربانية أودعها الله تعالى:

- ‌ التّسخير لهذا الدّين:

- ‌ الهجرة حبّ وحفظ:

- ‌ النصر حليف الإيمان:

- ‌ عجائب هذا التاريخ:

- ‌ الإسلام ارتقاء وشموخ:

- ‌ الإسلام تعامل وأخلاق:

- ‌ الإسلام شفاء وبناء:

- ‌فهرس الآيات

- ‌فهرس الأحاديث والآثار النبوية

- ‌فهرس الشعر

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الأماكن والبقاع

- ‌فهرس القبائل والجماعات

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌ الإيمان وتكاليف تربيته:

رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسرّ به وبما حمل إليه من الأخبار في إسلام الأنصار «1» . ثم عاد إلى المدينة لهلال ربيع النبوي (الأول) ، وذلك قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم باثنتي عشرة ليلة «2» . واستمر في المدينة يعمل لخدمة الإسلام، لم يدع فرصة لذلك. وشهد كل المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي بدر، كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعظم يومئذ- لواء المهاجرين- مع مصعب بن عمير «3» .

وكذلك الأمر كان في أحد «4» ، يقاتل بها حتى سقط. ولما أخذها أخوه أبو الروم «فلم يزل في يده حتى دخل به المدينة حين انصرف المسلمون» «5» .

وكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم «6» (أخت مصعب) زوج الحجاج بن علاط السّلمي، أقبلت على هذا الدين العظيم دين الله تعالى.

*‌

‌ الإيمان وتكاليف تربيته:

المسلم- ولا سيما جيل الصحابة الكرام- يظهر جوهره ناصعا متلألئا فريدا، كلما كلفته وأسندت إليه تبعة وعركته المراتب. فكأن هذه التكاليف

(1) طبقات ابن سعد، (3/ 118- 119) .

(2)

نفسه.

(3)

طبقات ابن سعد، (2/ 14) . مغازي الواقدي، (1/ 56، 58) . سيرة ابن هشام، (1/ 646) . ويذكر ابن هشام هنا: أن أبا عزيز (أخو مصعب، لأبيه وأمه) كان صاحب لواء المشركين، وقع أسيرا بيد المسلمين. ولما رآه مصعب قال لآسره: تمسّك بفديته فإن أمه ذات متاع. فقال له: يا أخي أهذه وصاتك بي؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك. سيرة ابن هشام، (1/ 645) .

(4)

سيرة ابن هشام، (3/ 73) . مغازي الواقدي، (1/ 221، 225) .

(5)

مغازي الواقدي، (1/ 239) .

(6)

مغازي الواقدي، (2/ 702) . والحجاج هذا أسلم والرسول صلى الله عليه وسلم في خيبر، سيرة ابن هشام، (3/ 345- 347) . كنت قد اطلعت في أحد المصادر التي تذكر أن أم شيبة أخت مصعب، ثم وجدت في سيرة ابن هشام (3/ 345) أن ابن إسحاق يجعل أم شيبة زوجة للحجاج هذا، لكنها ليست أخت مصعب. ولا يمكنني التأكد من ذلك؛ لبعد المصادر عن متناول يدي الآن.

ص: 120

تتيح له مجال المران على القوة وتدربه على التعامل بتربيته وتثبت فاعليته ما أخذ به نفسه، حتى لكأنه كان ينتظره ويريده ويبحث عنه ويترقبه، بشوق يجد فيه ضالته. واستعداده في ذاته لا حدود له. وهو أكثر إقداما كلما كان أعلى وأقوى وأخطر، ومهما أحاطت به الأخطار من كل نوع، والمغريات وحتى الشهوات، شهوات النفس الفطرية. حيث إن هذه تربت بهذا الدين واستقامت واعتلت مقاعد وقواعد الإيمان النقي التقي الأصيل والأبي السّني القوي بالله تعالى ودعوته وبنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

ولقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يكلف الصحابة الكرام ويحملهم جميعا، وبشكل طبيعي وبإنسانيته وانسيابه المتساوق. فتراهم يقبلون متلهفين ويقبلون. فكان ذلك أحد أساليب التربية الجادة العميقة والتعليمية المتريثة المترتبة والتقوية المتثبتة.

فكان يكلف المسلمين، بشكل قوي ومكلف ومجهد. ولولا تلك التربية بهذا الدين، لما كان ممكن أن يستجيب أحد منهم ولا فرد واحد، بينما الذي يحدث أنه لا يتخلف أحد منهم، ومع التخيير، كما حدث في غزوة عبد الله بن جحش (رجب- شعبان سنة 2 هـ) .

بل ويستجيبون وهم في حالة لا ينتظر معها الاستجابة من أي أحد، لكنهم جميعا سارعوا بفرح وعزم وحرص، كما حدث في غزوة حمراء الأسد (16 شوال السنة الثالثة للهجرة) ، في اليوم التالي ليوم أحد وجراحهم ما زالت بدمائها تسيل. ولم يخرج فيها إلا من كان في أحد. ولم يسمح صلى الله عليه وسلم لأحد غيرهم بالخروج، وقد أرادوا فردّوا. وكان صلى الله عليه وسلم في مقدمتهم، رغم ما حدث له يوم أحد.

بل كانوا إذا ندبوا لشيء يقدّمون أكثر مما يطلب منهم، مثلما جرى في الهجرة والنصرة والمؤاخاة. بل العقبة يتقدمون إلى قمة نافلة، بل لم يطلب منهم فيها شيء. كما حدث في بيعة العقبة الكبرى في السنة الثانية عشرة للبعثة النبوية الشريفة- بجانب فرحهم بأعبائها التي تقتضي أن يقدّموا أموالهم فداء

ص: 121

وأشرافهم أشلاء- حيث بعد هذه البيعة في مكة (منى) أرادوا مقاتلة قريش فمنعهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن قد أذن بالقتال.

فالإيمان بالله تعالى ودعوته بطبيعته، يستجيش كل الطاقات الإنسانية بأعلى صياغة وأنقاها وأجودها، يغذيها ويقويها ويعليها لتقوم، وينشطها على شرعه بمنهجه الفريد الجديد ويوفرها ويولدها.

فإن الله تعالى لا يأخذ أهل الغواية والضلال والشرك إلا بعد أن يظهر الحق أوضح ما يكون لكل أحد، وتظهر حجته كاملة قوية لهم ولا يبقى إلا العناد. فإذا ما أعرضوا أخذهم وخذلهم وهزمهم.

وكان هذا الجيل وأمثالهم إذا استعدّوا لشيء وقالوه أعلنوه، لا ينكصون عنه أبدا بل يزيدون. وهذه إحدى صور الوفاء عند المسلم، الذي لا ننتظر غيره، مثلما لا ننتظر من غيرهم إلا الغدر والنكث والخلف إن لم يكن الاعتداء. ولا يعرفون غيره، وإن وفّوا فلمصلحة. وإنّ بعض مظاهر الوفاء التي تبدو على غير المسلمين ليس لها أصالة أو حقيقة أو جذور، ولذلك توقع الغدر، فهم حسب أهوائهم وعداوتهم وولاآتهم ومصالحهم. وهذا التاريخ الإسلامي منذ أيام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وإلى ذهاب خلافة الإسلام (العثمانية) - بدايات القرن العشرين- كله وفاء، لكن ائتوني بحادثة وفاء واحدة لدى أمم الحضارة، فيها وفاء حقيقي أصيل ملتزم.

أما التاريخ الحديث الذي نذكره، فكل يوم ترى على مسارحهم جديدا من هذه الصور الكالحة الفاضحة الموبوءة. ولكنهم يسيرون بكبرهم وتجاوزاتهم، التي غاب من أمامه أهل الإيمان والجهاد والفداء، بل وحكموا بالزيف والخديعة والادعاء. كما وجدوا أمامهم غفلة وأهواء ومظاهر خادعة. وسلوك الإنسان دليل على نوعيته وحقيقته ومعتقده. ومن هنا قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:«الدين المعاملة» «1» ، أي: من ثماره حسن

(1) مشهور، رواه العديد.

ص: 122

المعاملة للجميع. وقال صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» «1» .

فابتداء من معاهدة سايكس- بيكو وما تلاها وحتى اليوم، سيبقى الأمر كذلك حتى يأتي أمر الله تعالى، يوم تأتي أجناد الخير الأطهار ورايات الحق المنير ومواكب الدعوة المباركة إن شاء الله تعالى، غير بعيد في الآفاق.

وكان من أساليب تربية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للصحابة، ارتقاء بهم لتأدية المهمات الإيمانية- ودوما كلها كذلك- والتزاماتها، باستيعاب واستيفاء واهتمام، يفرحون بها ويتقدمون لها ويقبلون عليها، متنافسين مسارعين متكاثرين لإنجازها، أنه صلى الله عليه وسلم يبدأ بنفسه الشريفة، بل وبأشق الأجزاء والمراحل والأعباء منها، يحثهم ويندبهم ويشجعهم لها، وهو في مقدمتهم جميعا. وربما يكلفهم بأمر أو يسأل القيام به بشكل عام، ويتولى ذلك من يستعد. وقد تكون شروط، كما جرى في أحد وإعطاء السيف لأبي دجانة. وقد يؤجّل من يتقدم، كما جرى للزبير بن العوام في الخندق، وقد يختار من يريد، كما جرى لحذيفة بن اليمان في الخندق وكذلك لعلي بن أبي طالب في خيبر.

وفي دراستنا لهذه السيرة الشريفة نحاول أن نستشف ونكتشف ونتفهم ونتعلم ذلك، فيما نراه ونشهده ونلحظه، ونحاول أن نكتشف ما هو مثل المجاهل المتنوعة.

وهذا الالتزام الإسلامي والترقي في سلّم منهجه وتربيته كانت وهي غير مرتبطة بأي اعتبار إلا طاعة الله تعالى: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «2» . و «اسمعوا وأطيعوا ولو إلى عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله» «3» .

(1) رواه أحمد والترمذي.

(2)

رواه الإمام أحمد.

(3)

ورد بصيغ متنوعة عند البخاري ومسلم وغيرهما.

ص: 123

وهذا أبو بكر حين تولى الخلافة واستعد لقتال المرتدين، أبى عليه بعض الصحابة، فقال كلمته المشهورة:(والله لأقاتلنهم وحدي ما استمسك السيف بيدي، أو ينقص هذا الدين وأنا حي)«1» .

وكنت في أشد المواقف وأصعبها، التي ممكن أن تغلب النفس على ما فيها واعتادته أيام الراحة والسلم والهدوء، أيام الحروب والشدائد وكذلك الإغراء، تراهم يلتزمون بدون أية رقابة، بلا رقابة. إنها رقابة الله تعالى التي تقود النفس (جميعها) إلى رقابة الذات.

فكان ذلك الجيل القرآني عجبا من أعاجيب هذا الدين، في قوته والتزامه وفي وفائه لله تعالى. وكأنه كلما تقدم ويتقدمون في الحياة يزدادون التزاما وحفاظا وتمكينا لما تعلموه وتربوا عليه وعيّشوه في نفوسهم، حتى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذلك لا تكاد تجد أحدا من الصحابة الكرام قد تهاون- حتى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فضلا عن أن يكون قصر أو انحرف. وهذا معلم من معالم السيرة النبوية الشريفة وعجيبة أخرى من عجائبها وعجائب هذا الجيل القرآني الفريد.

والسيرة أمامنا نستقي منها مطلوبنا وقياسنا، آثار الإسلام في ذلك الجيل القرآني الفريد، ونقتفيه ونأخذ منه ونجعله المثال في الحياة وحمله هذه الأمانة وأدائها، وكذلك في دراسته السيرة الشريفة وآثاره. نرى ذلك في شرائحها المتنوعة، ومنها نستنبط رسم الصورة نتطلع إليهم، مقياسا وميزانا ومثالا، فيما يمكن أن يعود إليه المسلم من الترقي والإقدام والالتزام بهذا الدين ومنهجه الحكيم.

والآن- بعد هذا التجوال في مرابع السيرة الشريفة ورياضها- نعود لنبني عليه. إنه كلما تقدم أحد في الحياة وتقدم لأمور المسؤولية تظهر قوته

(1) أبو بكر الصديق، علي الطنطاوي (163) .

ص: 124

ونوعيته وتربيته السنية السوية القوية. وعليه فإن العلماء والقادة والخلفاء تظهر نوعيتهم وهم في الموقع والموقف أكثر، مثلما تظهر ببهائها كلما كبرت هذه المسؤولية، مهما كانت إغراآتها وانبهاراتها ومثقلاتها. ولا يفلح في ذلك أبدا إلا الفالحون المفلحون الذين تولوا كتاب الله تعالى، وجعلوه منهجا وحيدا لهم في حياتهم، إيمانا واحتسابا، واستقبلوا السنة الصحيحة منبعا وسيرته صلى الله عليه وسلم، موئلا وقدوة.

وانظر إذا إلى كل من تولى مسؤولية لترى كيف عمل العجائب التي لا تتم إلا بهذا الدين، أفرادا كانوا أو جماعة أو مجتمعا، جنودا وقادة حكاما ومحكومين، نساء ورجالا وأطفالا وشيوخا صغارا وكبارا، حيثما أتيتهم، مكلّفين من أحد أو متطوعين، مهمات علمية أو سلمية أو حربية. وقد تجدهم بحال لم يمكن أن تعرف أو حتى تتوقعه منهم قبل توليهم. انظر أبا عبيدة والهدية التي أتته من الروم- خلال فتح الشام- فرفضها، إلا أن يعطى أفراد الجيش مثلها!!! وانظر القادة والعلماء والخلفاء كانوا وقّافين في كل أحوالهم عند كتاب الله تعالى.

وهؤلاء الخلفاء الراشدون مثلا ظهرت قوتهم في الأخذ بهذا الدين أكثر والارتقاء إلى قمم جديدة بعد توليهم الخلافة. وإذا كان ما يزال الحديث مستتبعا عن عمر، فانظر صنائعه في رعايته الناس وتواضعه وإحساسه بالمسؤولية عنهم- أمام الله تعالى- إلى حدّ أن علي بن أبي طالب- الذي كان أحد مستشاريه- قال له يوما: يا أمير المؤمنين لقد أتعبت الخلفاء من بعدك.

انظره (عمر) كيف يرفض إلا أن يحمل هو نفسه الطحين للمرأة وأولادها الجائعين، قائلا لعامله: أأنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟ ثم لا يتركهم إلا بعد أن يراهم قد أكلوا وشبعوا. بل إنه منع ابنه عبد الله بن عمر أن يرعى إبله- مثل غيره من عموم الناس- في مراعي الدولة، فقد يكون يجوز أكثر مما له من ذلك لأنه ابن الخليفة.

وكانت خشية الله تعالى وعقابه وطلب رضاه ماثلا أمامهم حيا في

ص: 125

نفوسهم، نديا في وجدانهم، وقدوتهم في ذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا ملازمين له صلى الله عليه وسلم، باذلين غاية الجهد في كل شيء لتحري سيرته صلى الله عليه وسلم في كل الأمور، ويأتون منها ما استطاعوا.

وكان صلى الله عليه وسلم في كل أمر يبدأ بنفسه، ولا يميزها في الواجبات، بل ويحمّلها أكثر، في العبادة والقيادة بالأعمال والأعباء. والقصص كثيرة جدا إلى حدّ أنه توفي صلى الله عليه وسلم ولم يشبع آله من لحم وخبز، وكان يمر الشهر والشهران وما يشعل في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. وحين لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كانت درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير (أقل من مئة كيلو غرام)«1» طعاما لأهله يأكلونه.

(1) رواه البخاري، عن أنس بن مالك. انظر: السيرة النبوية، الذهبي، والسيرة النبوية، أبو شهبة، (2/ 652) . وتكمن في هذه الحادثة لفتة بارعة وناصعة وفذلكة رائعة ومعنى إضافي كريم. ذلك أن يهوديا يقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم كيسا من شعير ويرتهن مقابل ذلك درعه صلى الله عليه وسلم لديه، ولا بد أن اليهودي هو الذي طالب به من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يعرف صدقه وأمانته ونبوته، وهو يفعل ذلك رغم ثقته المؤكدة بالإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم والمسلمين. فاقرأ قول الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 146] . الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 20] . واليهود جميعا- وأهل الكتاب- يعرفون ذلك عن كثب ومن كتبهم وبالتجربة الواضحة المتكررة البديهية، الذي منه أن اليهود لم يكونوا مضطهدين في المجتمع الإسلامي المدني، بل لهم الأمن والحرية، وهو أمر ممتد على مدار التاريخ الإسلامي. فإنه بكل حرية طلب هذا الرهان- ولا أدري تماما لأي سبب فعله- وممن؟ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطيه، كما أراده. وهذا كله يشير إلى نوعية الحياة التي كان يحياها هو وأمثاله وكل غير المسلمين في المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، رغم مواقف اليهود العدائية من الإسلام وأهله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فأين الذين يولولون متخوفين ومحذرين من حكم الإسلام على غير المسلمين فيه. لكنهم لا يفعلون ذلك اهتماما- ولا حتى حمية- بغير المسلمين (وما كان لهم) وما عهدناه منهم، بل عداوة للإسلام نفسه من خلال إثارة هذه الشبهات، أحبولة من أحابيلهم- وهم معادنها- حربا لكل أمل إسلامي ولمسيراته وانتصاراته من أن تحوز الحياة وتوجهها وتقيم مجتمعه الفاضل الإنساني النبيل.

ص: 126