الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن العكس كذلك، إذا تولى وتولاها تظهره على حقيقتها في التدلي والتدني والتخلي، مهما ادعى وسعى وحمل لافتات العلم، فأين الثرى من الثريا؟
*
الحضارة والأصالة الإسلامية في الدعوة الربانية:
استعرض ما تعرف من الصور المتردية قديما وحديثا. أما قديما فترد في هذا الفصل بالذات نماذج منها، حكاها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم. وحديثا أمامك هذه الحضارة أو المدينة المعاصرة. وانظر إلى حياتهم ومجتمعاتهم وتعاملهم، لا سيما من الداخل، كما يفعل أهل النظر الثاقب. ولو عرفت حالهم لجانبتهم وحذرتهم وتجنبتهم لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [الكهف: 18] .
فهذه المدنية التي ادعت التحضر والإنسانية والديمقراطية، لا تملك من ذلك مصداقية، حتى لو وجدت بعض الظواهر والمظاهر العابرة؛ لأن ما تدعيه ليس أصلا فيها، بل هو سطحي، طالما تلوثه وتحتال عليه وتمرغه، ولا يسعها غير ذلك ولا تتوقعه، فتلك طبيعتها الحقيقية وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ [إبراهيم: 26] .
وهذا بظهور ومنظور المجتمع المسلم، المسلم حقا، كما يريده الله تعالى.
علما أننا لا ننكر- بل نعرف ونقدّر تماما- الجهد العلمي الكبير الذي بذلته هذه الحضارة والنتائج التي وصلت إليها والثمار التي جنتها. وإن كان كل ذلك تم لها بعد اتصالها بالعالم الإسلامي، يوم استقام له الأمر بهذا الدين، رغم النكبات والنكسات والانحسارات التي ألمت به.
وإن هذه الحصيلة التي وصلت إليها هذه الحضارة الحديثة كانت بدوافع نفعية بعيدة عن دين الله. ولذلك كان اقتباسها من العالم الإسلامي بعيدا عن مضامينه ومعانيه وأصوله من العقيدة الإسلامية والشريعة الربانية؛ لذلك كانت بلا جذور ولا قيم منظورة أو غير منظورة، لأنها بلا رقابة من قبلها ومن قبلها لله سبحانه وتعالى، مما جعلها تستبد وتغر وتتجبر بهذه النتائج
التي مكنتها في ميدان، خلا من منافس لوقت ما.
وترانا للأسف الشديد- مع كل ذلك- نستعين بأهلها ونطمئن إليهم ونترجاهم لمعاونتنا ونتوادد أو نتودد إليهم ونخنع لهم، على ادعاء أننا نعمل باستقلالية تكافئية لا خوف منها على مصالحنا. ونجري معهم الصداقات آمنين، رغم ما يكنونه للإسلام وأهله من حقد دفين وعداء غائر ورغبة في الانتقام الذي لا يبقي ولا يذر. يجري ذلك مع كل التحذيرات التي وعاها السلف الصالح وجهلها أو تجاهلها أو أهملها الخلف. ورغم الأمثلة والشواهد والأحداث التي ما فتئت تشرح ذلك دون توقف، من أقدم الأوقات وأول المواجهات على مدار التاريخ وحتى الوقت الحاضر، هي دائرة في مدارها مهما تبرقع ذلك كله وأمثاله.
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة ساقها الله سبحانه وتعالى لنعيها ونتفهمها ونعمل بها. فيقول الله سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: 118- 119] .
وحين نقارن أي وضع في أي من الحضارات- قديمها وحديثها، لا سيما المعاصرة منها- فإن هذه المقارنة لا تتم مقابل أوضاعنا الحالية بأي مقدار أو اعتبار أو منظار، لكنها تتم مع الحياة الإسلامية ماضيا ومستقبلا، إن شاء الله تعالى.
إلّا أن هذه الحضارة أو المدنية المعاصرة- من الناحية الآخرى- كثيرا جدا ما استثارت في الإنسان حيوانيته، من كافة النواحي البشرية، وأخذت به إلى درك بعيد جدا عن إنسانيته، التي أرادها الله له أن تتحقق بهذا الدين.
واستقرار واستمرار حالها المتردي تماما، لا بد أن يكون لها مثل هذه الثمار
المرة الشؤوم، ما دامت بعيدة عن دين الله وشرعه. وسيبقى الأمر كذلك ما بقي هذا حالها، وهي تنتظر مصيرها الذي تحتمه سنن الله تعالى في مصائر الضالين، والتي بيّنها الله تعالى في القرآن العظيم ووضحها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة وسيرته الشريفة. تلك سنة الله التي لا تحيد. وهذه السنن هي التي لها الحتمية والوحيدة في نواميس هذا الكون والخليقة.
إن كل التقنيات التي أبدعتها هذه الحضارة المعاصرة وأنجزتها تعتبر مهمة جدا ونافعة ومفيدة، لكن وجهها الآخر أنها ربما تكون أحد أسباب تحطيم البشرية ولهذه الحضارة نفسها والإجهاز على مستقبلها والإتيان على سعادتها؛ بما لديها من أساليب التدمير التي لا ترعى ولا ترعوي ولا تهتدي. وهذه هي طبيعة الجاهليات، القديمة والحديثة والمعاصرة وكل الجاهليات، ما قبل التاريخ وما بعد التاريخ وكل تاريخ، لأي قوم انتسبت وعلى أي أرض قامت وأي عصر تواجدت. وهي أيضا سلاح للتسلط والتحكم والعبث بالإنسان والمجتمع والعيث بالحياة وأهلها.
وانظر ماذا يفعلون بنا وبغيرنا من البلاد الإسلامية، وقد فعلوا. حتى لقد أصبحت وكأن هذه الأفاعيل والأضاليل والمجاهيل سمة من سماتها ونتاج من نتاجاتها وأصل فيها لا تنفك عنها. ذلك لأنها لا تستمد تواجدها من أي قيم فاضلة تقوم على رضا الله تعالى وطاعته بشرعه المنير، بل من المصلحية والنفعية والأنانية، بحقدها الدفين وعدائها الشديد والاستصغار للآخرين وتسخيرهم لها. ومن لا يخضع لذلك فله الهلاك والتدمير. أمور عبر عنها الآخرون الذين ارتضوها وتابعوها وساروا في ركابها. وما يجري لنا مما ترتكبه فينا وفيما حولنا، لا يحتاج إلى مزيد من الأدلة.
انظر إليها كيف تجمعت بكل شقاواتها وشقائها وضغائنها على المسلمين وكل عالمهم هذا وذاك وهنا وهناك واليوم وغدا. وهذا يؤكد تماما أن الضلال عن طريق الله تعالى وهديه المنير لا يقود إلا إلى الهلاك في الدنيا والآخرة سواء، ولا بديل. وهو واضح مؤكد في القرآن الكريم. رأيناه
ونراه في تاريخ الأمم والشعوب، قديما وحديثا ودواما، خلال الأحداث وعلى تتابع الأجيال.
ولا يغير من الواقع شيئا، أن تفعل كل ذلك وتستثيره باسم العناوين التي تبنتها والشعارات والأسماء التي تزيّت بها وقبعت وراءها لتسوق كل أنواع الأنانيات إلينا ولغيرنا- وكان ذلك شأنها- بمراكبها التي صنعتها أو التي استأجرتها ومولتها، أطلقتها علينا حمما حارقة وألسنة نزقة وسهاما خارقة، مهما ادعت وتظاهرت وتباكت، فذلك ستار لا بد لها، نفاقا وإغراقا وإغداقا.
فإلى متى نبقى نسير معهم- أو خلفهم- ونستدلهم على أمورنا، بل نتعرف طريقنا بهم؟ وهم الذين يريدون لنا الضّياع. فهل نبقى نستنصحهم حتى يوصلونا إلى الهاوية؟ عندها نجلس نولول ونندب وننتحب نادمين، ولات ساعة مندم.
فما ينفعنا حتى لو عضضنا حتى العظم أو القضم أصابعنا، حسرة وألما وندما، كما جرى لنا في الحربين العالميتين، من خدعهم، أفرادا أو جماعات أو من دولهم. ولقد جربنا وعودهم المخادعة التي صدقناهم بها وغدراتهم البارعة. وكم ركنا إلى رباياهم (جمع: ربيئة طليعة) ، أمثال: لورنس العرب «1» والحاج عبد الله فيلبي «2» الذي كان مثل آخرين
(1) هو) (الشهير: لورنس العرب (1888- 1935 م) . ضابط وكاتب بريطاني، قاتل في صفوف العرب (المسلمين) في الحرب العالمية الأولى، مشاركا في قيادة الثورة العربية الكبرى (1916- 1918 م) ضد الدولة العثمانية المسلمة (الأتراك) في الحجاز وفلسطين.
(2)
هو: هـ. سنت جون فيلبي 1960 -1885) (PHILBY (H.ST.JOHN) م) الشهير: الحاج عبد الله فيلبي!!؟ الذي ادعى الإسلام وعاش يخدم بريطانيا منذ أيام الحرب العالمية الأولى في العراق والبلاد العربية لا سيما الجزيرة العربية. وقد توزع هو ولورنس وغيرهم الأدوار لخدمة بريطانيا، وكل بأسلوب. قارن: المستشرقون، (2/ 116) .
تظاهروا بالإسلام، ابتداء من ابن السوداء حبر يهود عبد الله بن سبأ إلى كثير من المعاصرين من الغربيين. وقل مثل ذلك في تجمعاتهم ودول حلفائهم.
وهذه معاهدة سايكس- بيكو «1» السرية شاهدة.
ولقد بلغت سياسة الغافلة أو التغرير ليس فقط أننا صادقناهم وتابعناهم، بل رضينا أن نقف معهم أو بل دونهم- وهم الأعداء- ضد إخوتنا المسلمين (العثمانيين)، كي يعطونا حقوقنا!! كيف ذلك؟ وهُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: 4] «2» . واليوم منا من يقوم لهم بما يريدون ويتمنون وزيادة، بل وأكثر مما يرغبون!!؟
وكل مرة نجرب ونعود نجرب. وهكذا وهكذا، حتى يظهر المستور وينكشف المخبوء وينجلي المضمور. ومع ذلك ترانا حولهم ندور! فما يمكن أن نسمي ذلك؟ أهو
…
أم هو
…
أم ماذا؟
إن مقتضى الأخذ بالإسلام أن يكون الولاء له صافيا وكاملا وخالصا، وينبذ كل صلة أخرى، ونعرف هؤلاء. ولا يعني ذلك أننا نعلن الحرب عليهم، دون سبب بين، بل الواجب ألّا نثق بنواياهم، ولا نواليهم أو نعتمد عليهم في أمورنا، وإن تعاملنا معهم، فهذه المعرفة لا تفارقنا. والسيرة
ولقد ذكر لي والدي- رحمة الله عليه- أنه رأى- وهو يافع- قبيل أو خلال (أثناء) الحرب العالمية الأولى، أكثر من واحد من الإنجليز قدموا إلى مدينتنا- المقدادية (شهربان) ، ديالى- على أنهم مسلمون. وأحدهم أقام في مسجد المدينة وأقبل الناس عليه فرحين بإسلامه، وكان يعرف العربية. ولما وصل الإنجليز- وكان لهم ربيئة (مقدمة لقومه للهجوم) - ترك المكان فجأة، فما عرفوا عنه شيئا واختفى سريعا. والظاهر أنه كان ضابطا، مقدمة لقومه.
(1)
وهي المعاهدة السرية التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا عام (1916 م) على توزيع البلاد العربية وجعلها مناطق نفوذ لهم، مكافأة (أو معاقبة) على وقوف العرب (المسلمين) مع الحلفاء (الأعداء المشركين) ضد الدولة العثمانية المسلمة.
(2)
أَنَّى يُؤْفَكُونَ: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل.