الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صلى الله عليه وسلم: (اللهم موتة في سبيلك، أو في مدينة رسولك)«1» .
أو إن بعضهم كان يجلب له شيء منها، أو ثوب يأخذه بنفسه، أو يوصيه ويغسله بماء زمزم يدّخره، أو يجمع فيه تراب غبار الجهاد؛ ليكون كفنا يتبرك فيه.
وقيادة العلماء للحياة والمجتمعات، ورفع راية الجهاد والبذل والفداء، قضية معروفة في كل العصور، وكم في عصرنا الحاضر على ذلك من شاهد وشهيد!
*
من يكتب السيرة
؟
وكل هؤلاء العلماء الأفاضل، والفقهاء الأماثل، والمجاهدين البواسل؛ الذين كتبوا في السيرة كتبا مستقلة، أو فصولا فيها، أو تناولوا أي جانب منها، استقلالا أو اشتمالا، هم المرجوّة والمندوبة نتاجاتهم لهذا العمل وأمثاله من الأعمال؛ التي تليق بهم، ويليقون بها، بجدارة واستحقاق.
هؤلاء وأمثالهم، هم أقدر على كتابة السيرة، وأولى بها، وأحفظ لها، وأعمق فقها، وأروع تصوّرا. وهم الذين يجيدونها ويفهمونها ويحسنون روايتها ودرايتها، وهم مؤتمنون عليها، موثّقون فيها، متعمّقون في أغوارها، متفهمون ومتمثلون مراميها، يمكنهم أن يرسموها بكل سبيل، بعد ما نجحوا في رسمها سلوكا وبأكبر دليل.
ورسم السيرة النبوية بالسلوك هو المبتغى والهدف مما يتعلق بهذا الأمر وغيره من أمثاله، ولذلك فحين سئلت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه قالت:(كان خلقه القرآن) .
(1) الأمثلة كثيرة جدا ووفيرة حول هذا الموضوع. انظر مثلا: تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ابن الجوزي (236) . كذلك: التاريخ الأندلسي (128) .
أما الذين يعادون الإسلام، أو يوالونه اسما ومهنة، أو تخصّصا، أو تاريخا، أو جغرافية، وينحرفون عنه، تأويلا أو تبريرا، فهؤلاء يرمى نتاجهم؛ لأنه سموم، أو شموم تثقل، لا يعتمد عليها، ولا يؤخذ منها، أو يغدو غير ذي جدوى ولا جدير بالاعتبار.
ولا مانع من الاطلاع عليها ومتابعة تراكماتها؛ لمعرفة ما يقولون، لكفّ أذاهم، وردّ شبهاتهم، مثل كتابات المستشرقين، أساتذة هؤلاء؛ الذين كانوا تلاميذا أشدّ منهم على السّيرة الشريفة والتاريخ الإسلامي والقضايا الإسلامية. وأحيانا بجهل، ووقاحة، وادعاء أشد وأنكى؛ لذلك آن الأوان- وقبل الآن- لإحلال غيره من كلّ نتاج، نقيّ اليد والوجهة والسلوك.
بل حتى المخلصين الحريصين، وربما متفقهين، إن لم يكونوا كما وصفت المسألة وتبينت وثبتت، فليس لهم ولا بهم حاجة أن يكلّفوا أنفسهم هذا العناء؛ لأنهم لا يجيدون ذلك، ولا يمكن تقديم الصورة الكريمة اللازمة، وليس جديرا، إذ قد فاتتهم شروط أخرى لازمة ومهمة، لا تقلّ أهمية عن المعرفة والفقه فيها، بل قد تزيد عليها مرات.
حين يكون السلوك الإسلاميّ سطحيا، والاهتمام بالظواهر لا يتعداه، فسيجلب ذلك انحطاط الحقائق عمدا أو سهوا أو ضعفا أو عجزا وهزيمة.
وإغماض أو إغماط الوقائع مهما كانت جهيرة منيرة- ويكون بدون جهل- فهذا نفاق وخداع ودغدغة، رغم الصيحات يكون عند أهله وعند أصحابه أسلوبا عاما في تناول الأشياء. وهذا يخصّ- من السلف- الحكّام والمسؤولين، وممن حملوا العلم، وملؤوا مراكزه بغير حقّ، وهم جهلة مهما شغلوا من المناصب حتى العلمية وذات الأهمية، توجيها وتنفذا وتنفيذا.
والخلقية الإيمانية مسألة كلّية، كما أنّ الإنسان وإن تخصصت أجهزته البدنية فهي لا تنقطع، ومثله كذلك هذه الأمور: «ألا وإن في الجسد مضغة
إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» «1» .
فهؤلاء الذين حملوا العلم ولم يقدّروه قدره، وابتغوا به الدنيا، وخافوا لومة اللائمين من عباد الله، لا يصلحون للتوجيه والكتابة، والله تعالى محاسبهم ومجازيهم، وعلمهم وحذلقتهم وفيهقتهم لا تنفعهم شيئا، بل هي حجّة عليهم، ومجلبة لغضب الله تعالى وسخطه وعذابه الذي يستحقونه لهم، ولا تنفعهم أحبولات صيحات المدافعين بالانتفاع بعلمهم دون فعلهم، فعلمهم مثل فعلهم غير مقبول وحجّة عليهم، والله تعالى معذّبهم به، كما ورد في القرآن الكريم، والحديث الشريف.
فالله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: 2- 4] .
ولقد اعتبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المسلم مفلسا إذا لم يلتزم بالخلق الإسلامي، وإن صام وصلى، وجعلهم أبعد الناس عنه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
بينما جعل الملتزمين أحبّهم إليه، وأقربهم منه صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة «2» . وفي ذلك أيضا يقول الشاعر الفقيه:
وعالم بعلمه لم يعملن
…
معذّب من قبل عبّاد الوثن
إنّ الذين يمكن أن يكتبوا السيرة النبوية الشريفة، والتاريخ الإسلامي، ويؤلفوا في العلوم الإسلامية عامة- والتاريخ الإسلامي واحد منها- لا بدّ أن يكونوا ممن وصف الله بأنهم لا يخافون في الله لومة لائم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (رقم: 52) . ومسلم: كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (1599/ 3) .
(2)
رواه الترمذي: كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في معالي الأخلاق، رقم (2018) .
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:
54] . كما جعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الجهاد ذروة سنام الإسلام «1» ، وأقوى تضحية له.
وكان أحدهم يدعو الله- بتواضع- أن يوفّقه لخدمة هذا الدين، ويعتبر ما يكتبه يدّخر له به الأجر عند الله تعالى مدخرا، وأن يكون عمله لله خالصا، وأن مداد العلم الذي يكتب به بالقلم مثل نزيف جرح طاهر في ميدان الجهاد يجري منه الدم.
وهكذا كان العلماء في كلّ عصر، تتساوى عندهم الحياة والممات، ويقدّمون ما هو أنفع لدين الله، ويفضّلون الحياة أو الموت، أيهما أفضل لخدمة هذا الدين سواء بسواء. وإذا كان الموت كذلك، فهم يقبلون عليه، ويطلبونه، ويعتبرونه الفوز والطريق إلى الجنة (احرص على الموت توهب لك الحياة)«2» .
وهذا لا يمكن أن يكون إلا بتربية ومجاهدة وعيش مع القرآن الكريم وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنّته المطهرة، بإيمان، وحب يملؤه، وينعشه، ويحييه، ويحرّكه، ويطير به في الآفاق العليا، سامية كالسماء.
وهؤلاء العلماء عوّدونا أنهم كانوا يتبركون بالكتابة في الإسلام، ودراسة القرآن الكريم، والكتابة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنّته المطهرة.
ولذلك كان الإمام البخاري (256 هـ 870 م) رحمه الله، بعد ما يدوّن كل حديث، يصلي ركعتين لله تعالى شكرا «3» ، على أنه أنهى واجبا تعبديا، وأنجز مهمة إسلامية، يتقرّب بها إلى الله سبحانه وتعالى في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) رواه الترمذي: كتاب الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة، رقم (2616) .
(2)
حكمة قالها أبو بكر الصديق رضي الله عنه. أبو بكر الصديق، علي الطنطاوي (300) .
(3)
وفيات الأعيان، ابن خلكان (4/ 190) . وعبارة البخاري:(ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين) .
ولا فرق كبير- إن وجد ذلك- بينه وبين السيرة الشريفة؛ التي كانت جزآ من السنّة المطهّرة، وهي متداخلة معها، أو مستوعبة لها باعتبار.
إن كتابة السيرة الشريفة لا بد أن يتولاها الذين تمثّلوها؛ ليقدّموها للجيل، نقية حية متمثّلة، يتعلّمونها، وينقلونها صورا مسطرة وقائمة في الحياة، ابتداء من نفوسهم.
والذين فشلوا في تمثيلها، وتصويرها في حياتهم، بجانب عدم أمانتهم فيها، ولا شجاعتهم في التحدث بمواقفها، ويؤوّلون أحداثها، ويفسّرونها لتبرير مواقفهم؛ فإنهم سيلوون أعناق الأحداث والنصوص بعد ما لووا أعناقهم، وليلووا أعناق الآخرين. وهم بعد ذلك أو قبله لا يستطيعون الغور في معانيها، وفهم مضامينها، وتصوّر مراميها، والوصول إلى أعماق مدلولاتها القريبة، فضلا عن البعيدة.
ولا بدّ لكتابتها من استيعاب ذلك قولا وعملا، ثم كتابة وتدريسا وتحديثا تأليفا ومتابعة، أو تقديما وتعميقا. وحصول هذا اللون من الفهم الجدير أو الجديد- أحيانا- المنير من بركات الالتزام، وامتداد طبيعته، وقوة مرتكزاته، ومؤهّلات صدق الإقبال عليه.
وإنّ الله تعالى يقيّض في كلّ عصر من يتولى هذا الأمر بحقّه، بل قد كتب في ذلك غير المسلمين، من أمثال أحد المؤلفين الأمريكيين الذي ألف كتابا عن مئة من الأعلام في التاريخ أثّروا في الحياة، وما زال أثره في البشرية أكثر وأكبر، فاختار أولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذا فإنّ من غير المسلمين من يعينون أحيانا على بيان حقائق الإسلام وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعجبون بها، مما يعتبر ذلك للإسلام نصرة وعونا في نشر الإسلام، وإن لم يسلموا لأي سبب- أو هم أضمروا إسلامهم- ولعل ذلك باب لإسلامهم، فيما بعد.