الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضيلة الأهلية لذلك، فسمّوا أنفسهم الحمس «1» - أن يتبصّروا في حكمتها، ويدركوا أبعادها، بأي مقدار، ففيها التنبيه الذي يجعلهم- لو عقلوه- أقرب إلى دين الله الواحد، وأسهل في التخلي عن تلك الأصنام، وأقبل وأميل إلى الخروج من حياة الجاهلية للدخول في دين الله، وليكونوا في إحساس من نعمة الله عليهم، تجعلهم أسرع استجابة إلى الله سبحانه وتعالى، وما أنزل جلّت قدرته من دين، وأرسل من رسول صلى الله عليه وسلم، لا أن يواجهوه ويكونوا من ألدّ أعدائه، فلا أقلّ من أن يدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخلّوا بينه وبين الناس.
*
تفكر وتفكر:
ولكن للأسف لقد كان الأمر على غير هذا السبيل؛ الذي كان التفكير فيه أن يكون أصيلا بعيدا عن التنكّر، وبذلك الشكل العنيد.
وحين قام فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم بكتاب الله سبحانه وتعالى، وكان فيهم معروفا وبينهم موصوفا، تنكروا له، وحاربوه وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن: 19] .
فكانت لهم- ولكل أحد بعدهم- عبرة، من أن أيّ قوم، وأهل أيّ دين، إذا تنكروا وتمردوا وجهلوا وضلوا ورفضوا أو أعرضوا عن نصرته أو حاربوه، فإن الله ناصره، يهيّئ من ينصره أو ما ينصره.
وإن إقرارهم- بأيّ مقدار- بأحقيقته وواقعيته وتخلّفهم عن نصرته، لن ولا ولم تغن عنهم من الله شيئا، وقد تضعهم في صفّ أعداء الله، فليس في دين الله أنصاف، ولا في حياة المسلم مساومة ولا متاركة ولا إجازة، وإننا
(1)«الحمس» : جمع أحمس، وهو الصّلب المتشدّد في الدين والقتال. وهو لقب أطلقته قريش في الجاهلية على نفسها، وانضمت فيه إليهم قبائل أخرى؛ لزعمهم أنهم أهل الحرم، فخصّوا أنفسهم بشعائر ومشاعر، أخذا وتركا أو حلّا وحرمة. فأباحوا لأنفسهم- ومن التحق بهم- ترك الوقوف في عرفة والإفاضة فيها. راجع السيرة النبوية، ابن هشام (1/ 199) وبعدها. أدناه، ص 390.
لا نجد في دين الله موطنا للمبرقعين والمرقّعين والأدعياء والمدّعين.
إن الله تعالى لا يقبل من المسلم إلا الإسلام الخالص والتوجّه الكامل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً «1» [البقرة: 208] .
والذين يعدون أنفسهم مسلمين لا بد أن تكون كلّ حياتهم على نهج هذا الدين، لا يرضون به بديلا ولا عنه تحويلا، ولا في جزء من جزئياته، وذلك شأن كلّ من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا «2» .
ولا يظن أحد أنه إذا ما تخلى عن دين الله- كائنا من كانت مكانته أو مقداره أو قوته- أنه يؤخّر ولادة الحياة الإسلامية، وإقامة دولة القرآن. فأن فعل أو بدا له، فقد توهّم السّراب ماء وأضلّ نفسه وخسر. إن نور الله لا يحجبه الضالون، ولا يوقفه التائهون، ولكن لله سننا ماضية، ولكل شيء عنده أجل مقدور ومعلوم، ويأتي نصره بتقدير منه سبحانه وتعالى.
ولله تعالى في كونه وخلقه ودعوته وجنده سنن. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد: 38] وعند الله الحساب وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: 38] فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ [المؤمنون: 41- 42] .
فلو أعرض أهل الأرض جميعا عن دين الله- وهم عند ذلك الخاسرون، في الدنيا والآخرة- فإن الله تعالى سيسخّر كلّ شيء، وسيشقّق الأرض لتخرج الأبطال، من النساء والرجال والولدان والأطفال- لو اقتضى الأمر ذلك، وأراده الله سبحانه وتعالى يحملون الراية في كتيبة خضراء، يفتدون هذا
(1)«السلم» : يعني الإسلام.
(2)
من حديث شريف رواه: مسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد في المسند (4/ 337، 5/ 367) . ونص الحديث عنده: «ما من عبد مسلم يقول ثلاث مرات حين يمسي أو يصبح: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، إلا كان حقا على الله عز وجل أن يرضيه يوم القيامة» .