الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالآثام، وخامل في طريق الالتزام، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم «1» ، وفي كل الأحوال.
*
الإسلام وطن وقومية:
وتشير الهجرة إلى أن الإسلام لا يعرف وطنا ولا قوما بعينهم، يكون حكرا عليهم، فالقوم في الإسلام هم المسلمون، والوطن فيه الذي ترتفع على قممه شامخات: راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، يعمل المسلم على امتدادها حيث استطاع.
ويوم كان الجيش الإسلامي يتجه نحو القسطنطينيّة سنة خمسين للهجرة، وحضرت الوفاة أبا أيوب الأنصاري «2» كان من وصاته: طلب من
(1) معنى حديث شريف.
(2)
أبو أيوب الأنصاري: خالد بن زيد (51 هـ 671 م) ، من المسلمين السابقين، ومن نجباء الصحابة، ومن أحبّهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الذي حرسه- متطوّعا- ليلة بنى بصفية بنت حييّ بن أخطب- رضي الله عنها (7 هـ) بعد خيبر (الإصابة، 4/ 346، رقم 650. السيرة النبوية، أبو شهبة، 2/ 383. حياة الصحابة، 2/ 663) ، بعد أن أسلمت، وطهرت، فأعتقها صلى الله عليه وسلم وتزوجها، رضي الله عنها. (الإصابة، نفسه. مغازي الواقدي، 2/ 707. الطبقات الكبرى، 8/ 120) . وكان أبو أيوب عقبيّا كثير المناقب، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد الفتوح. وسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام. وضيّف رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره لما هاجر إلى المدينة، نزل في داره وأقام عنده سبعة أشهر (زاد المعاد، 1/ 102) ، حتى بنى صلى الله عليه وسلم حجره ومسجده في نفس السنة. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في الطابق الأرضي وأبو أيوب في العلوي، ووجد في ذلك حرجا شديدا. ويوم أهريق ماء في الغرفة، فأخذ أبو أيوب وزوجته ينشّفونه بقطيفة يتبعونه، كيلا يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجاه أن ينتقل إلى فوق. وكان صلى الله عليه وسلم يرسل له الطعام، فيضع أصابعه حيث يرى أثر أصابع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (فكنا نصنع طعاما فإذا رد ما بقي منه تيممنا موضع أصابعه، فأكلنا منها نريد البركة) . (حياة الصحابة، 2/ 329) . وآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين مصعب بن عمير. وكان أبو أيوب شجاعا صابرا تقيا قويا أبيا محبا للغزو والجهاد، ولزم الجهاد حتى
المسلمين، وقائدهم حمل جثته- بعد الوفاة- إلى داخل أرض الروم ما استطاعوا، ليدفنوه هناك، ثم ليعملوا على فتح تلك الأرض، ففعلوا.
فدفنوه عند القسطنطينية «1» . ولشدة عشقه للجهاد، وخدمة الإسلام أراد أن يحيا مجاهدا، ويموت شهيدا، ويستمرّ أثره في الجهاد، لا سيما حين أحسّ بالموت خارج المعركة.
وفاته. ومما يتردد ذكر أبي أيوب حول تصحيح فهم هذه الآية الكريمة وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] . وتفسيره بأن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو بترك الجهاد (حياة الصحابة، 1/ 470- 471. زاد المعاد، 3/ 87- 88) . وذلك في إحدى غزواته إلى الروم. والظاهر أنها في غزوة بحرية إلى أرض الروم، غير التي توفي فيها (حياة الصحابة، 1/ 471) . روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه العديد من الصحابة والتابعين، وله مئة وخمسة وخمسين حديثا (الأعلام، 2/ 295) . ولزم الجهاد، وحرص عليه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبقي مجاهدا حتى مات في غزاة القسطنطينية (51 هـ) التي قادها يزيد بن معاوية في خلافة أبيه. ومرض أبو أيوب فعاده يزيد، وسأله حاجته، فقال: حاجتي إذا أنا متّ فأركب واحملوني، فإذا صاففتم العدو (والمسلمون معه) ، ثم سغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغا، فإذا لم تجد مساغا فادفني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو. (حياة الصحابة، 1/ 458- 459)، ففعلوا. (انظر: الإصابة، 1/ 405، رقم 2163. الاستيعاب، 1/ 403) . ودفنوه عند سورها، ليعمل المسلمون على فتح ذلك المكان. وتم هذا أيام العثمانيين (857 هـ 1453 م) ، حيث فتحت القسطنطينية- عاصمة الدولة البيزنطية- في خلافة محمد (الثاني) الفاتح، وسميت إسطنبول (إسلام بول مدينة الإسلام) ، وهي من أهم مدن تركيا الحالية، حيث بنى الفاتح في ذلك الموضع مسجدا عند قبره، وهو اليوم من مساجد تركيا الشهيرة بتاريخها ومعمارها، حيث يرقد الصحابيّ الجليل- رضي الله عنه وأرضاه-. وحتى اليوم يعتبر مسجد أبي أيوب الأنصاري من معالم إسطنبول المعمارية الجميلة، فرضي الله عن أبي أيوب الأنصاري، وأرضاه.
(1)
انظر: حياة الصحابة (1/ 458) . كأنه يريد حثّ المسلمين على الوصول إلى مكان قبره، وفتح تلك المنطقة، والحمد لله قد تم ذلك، وغدت بلدا مسلما، وتلك المدينة عاصمة لقرون.
ولتربية المسلمين على هذا المعنى كان كل ذلك بينهم معروفا، وبه تأسّى سميّ أبي أيوب: خالد بن الوليد «1» ، حين مات على فراشه، واعتبر ذلك موتة الجبناء «2» .
فالمسلم معناه أن يسعى حثيثا لخدمة الإسلام- وهو كل حياته- حتى لو اقتضى أن يموت شهيدا، يا بني الأحداث، وينيرها بهذا الدين، لا يتخلف عنه بل يعشقه، ويسعى إليه. والمسلم يقيم أموره كلها على الإسلام، باتّساق وانسجام. وهذا ما كان في التربية التي قادت إلى الهجرة، قامت بالانقياد إلى شرع الله سبحانه وتعالى.
أيها المؤمنون! فلنمض في الطريق إلى الله، مهاجرين إليه بشرعه، هاجرين لكل فكرة وخلقية وزعامة غير الإسلام ومنهجه وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) خالد بن الوليد (21 هـ 642 م)، أسلم سنة (7 هـ) فسرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمّاه: سيف الله. وهو فارس الإسلام الشهير، وقائد المجاهدين. (انظر: البخاري، فضائل الصحابة، باب: مناقب خالد بن الوليد رضي الله عنه، رقم 3547. الإصابة (1/ 403) رقم (2201) . الاستيعاب (1/ 405) . سير أعلام النبلاء (1/ 366) . الوافي بالوفيات (13/ 264) . البداية والنهاية (7/ 113) . شذرات الذهب (1/ 174) . حياة الصحابة (1/ 455) . الأعلام (2/ 300) وأعلاه، ص 179- 181.
(2)
وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه دائم الرغبة في الجهاد (حياة الصحابة، 1/ 455. البداية والنهاية، 7/ 113. سير أعلام النبلاء، 1/ 382) . وهذا تمام قوله المذكور أعلاه الذي يبيّن هذا الحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وحب نصرة دينه. وقد تربّوا على مائدة القرآن الكريم وعلى يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك المجتمع الإسلامي الرصين البناء. (ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة، قال: لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ثم ها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء) . (الاستيعاب، 1/ 409. سير أعلام النبلاء، 1/ 382. حياة الصحابة، 1/ 565) . ويقول: (وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتّها وأنا متترس والسماء تهلني، وننتظر الصبح حتى نغير على الكفار، إذا أنا متّ فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدّة في سبيل الله) . (البداية والنهاية، 7/ 116، سير أعلام النبلاء، 1/ 381) . وانظر أعلاه، ص 179- 181.