الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورسم النماذج الفذة للحياة الكريمة السعيدة- دنيا وأخرى- تبقى مثالا للأجيال.
وهي تبين كذلك هذا السلوك العملي- المشارك من الجميع- في هذه الحادثة وغيرها، هو مقتضى الأخذ بهذا الدين. وهكذا يتم بناؤه ويكون إعلاؤه وتثبيت شواهده وأعلامه وأفهامه في الحياة لتكون القدوة والمثال والدليل على الطريق، وليس غيره طريق، وهي من معالم الطريق، الطريق الوحيد المنير. ولكن هل يمكن إدراك أي شيء من ذلك إلا بهذا الدين؟ ذلك هو ما على مسلمة اليوم إدراكه والأخذ بأسبابه والعض عليها بالنواجذ. وهذا ما تهدف إليه كتابة هذه السيرة الشريفة.
*
تفقد الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وحبّهم له:
كان صلى الله عليه وسلم يتفقد أصحابه الكرام دوما- رضي الله عنهم بعد الصلوات وغيرها ولا سيما بعد صلاة الصبح، «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّى الصبح انصرف، فيتصفح وجوه أصحابه ينظر إليهم» «1» . كما جرى لعبد الله ذي البجادين المزني، الذي أسلم بعد فتح مكة، والذي جرّده عمه- وكان في حجره- من كل شيء، حتى جرده من ثوبه، بسبب إسلامه، فلم يأبه لذلك. فأتى أمه فقطعت بجادا لها باثنين، فاتّزر نصفا وارتدى نصفا، ثم أصبح فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح. فلما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم تصفح الناس ينظر من أتاه- كان صلى الله عليه وسلم يفعله دوما- فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«من أنت؟» قال: أنا عبد العزى، فقال:«أنت عبد الله ذو البجادين، فالزم بابي» ، فلزم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» . فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش
(1) مغازي الواقدي، (3/ 1013، 1028) . كذلك: 3/ 228) .
(2)
أسد الغابة، (3/ 228) . «والبجاد» : الكساء الغليظ الجافي. سيرة ابن هشام، (3/ 527- 528) .
العسرة. ولعله كان دليلا في هذه الغزوة، فتوفي في تبوك «1» (رجب- أو بعده- السنة التاسعة للهجرة) ، بعد إسلامه بقليل!
أما الصحابة الكرام- رضي الله عنهم فكان حبهم للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتجاوز كل أنواع الحب ودوافعه وتعبيراته. وكل حياتهم على ذلك دليل.
علما أن هذا الوضع الشرعي الذي يستدعيه الانتماء لهذا الدين لا بد أن يتجاوز مقداره ومستواه ونوعيته حب النفس والأهل والولد، كما مر بيانه.
ولكن هذا كان في نفوسهم حاضرا ومتدفقا وفعالا في واقع الحياة العملية لا يفتعلونه ولا ينبع من شعور إجباري أو دنيوي أو مشوب، بل هو حب مشبوب كانت نفوسهم متوازية متلازمة مع هذا، وهو ثمرة الصدق في الاتّباع لهذا الدين الإلهي ومنهجه الفريد الوحيد.
كان أحدهم يتمنى أن يفدي نفسه له صلى الله عليه وسلم، ويجد في ذلك حلاوة ومتعة لا تعدلها متعة ولا تقدّم عليها، بل إن أحدهم ليستقل نفسه في هذا.
وكل أحداث السيرة الشريفة كذلك، في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وفي السلم والحرب تعبر عن ذلك أقوى تعبير. وخذ في ذلك مثلا ما جرى في غزوة أحد المشهودة.
وهذا الاستعداد المتقابل والتهيؤ المتواصل والتنامي المتماثل يجري في كل الأمور، وجرى لدى هؤلاء الأصحاب. وأقصد من ذلك أن تربية هؤلاء الأخيار على دين الله تعالى جعل نفوسهم مستعدة للامتثال، إلى حد أنها تمارس هذا المستوى ربما قبل نزول الأمر به من الله تعالى والكف عن المناهي قبل النهي بذلك فيها. حتى لتكاد نفوس هؤلاء الصحابة الكرام تطلب ذلك وتستشرفه وتتوق إليه قبل نزول الأمر فيه أو النهي عنه من الله تعالى، ويتولاه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وهذا يمثل أحد معالم وميزات ومتفردات التربية القرآنية التي قد أرادها الله تعالى لأهل هذه الدعوة الربانية الكريمة التي لا تصلح
(1) سبل الهدى، (5/ 661) .