الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا لله على هذا الدين العظيم ومنهجه الكريم وهذا النبي الذي أعده الله وهيأه ورباه ليكون قدوة القدوات، الذي ربّى بمنهج الله تعالى وكتابه الكريم ذلك الجيل القرآني الفريد. وكان صلى الله عليه وسلم قدوة متميزة وأسوة حسنة وقمة في كل شيء، واقفا على القمم كلها يرنو إليه الجميع ليسيروا خلفه مقتدين به صلى الله عليه وسلم.
وسيبقى قدوة لكل الأجيال، والتي به فقط تفلح وليس بغيره مهما ادعت، إلا بالاقتداء به، ليكونوا قدوة للآخرين. وهذا ما يحتاجه كل جيل وجيلنا الحاضر هو أحوج ما يكون إليه.
وهكذا كان جيل الصحابة الذي يبقى هو الآخر مثالا للأتباع الأبرار والجنود الأخيار والأمة الأطهار، بحسن اقتدائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي تمثل بأحسن صيغة وأرقى صبغة وأبهر مثال، لكتاب الله وأمره والأخذ بمنهجه.
فكانوا خير القرون ونعم من أخذ بمنهج الله تعالى، وأجود من تابع خطوات هذا النبي صلى الله عليه وسلم. جزاه الله خير ما يجزي نبيا عن أمته، وجعلنا من خيرة الأتباع في هذا الجيل، إن شاء الله تعالى.
*
رهافة الثمرة الإيمانية:
وهذه الرهافة المؤمنة الربانية بلغت من الدقة والرقة والعمق إلى أنهم كانوا يتهمون أنفسهم لأدنى تقصير أو بدون تقصير، والشواهد كثيرة جدا.
خذ مثلا ما رواه الصحابي الجليل عن نفسه حنظلة بن الربيع الأسيدي (50 هـ) المعروف بحنظلة الكاتب- وكان من كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم «1» - قال:
لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكّرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضّيعات، فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فو الله إنا لنلقى
(1) زاد المعاد، (1/ 117) . ولقد سبقت الإشارة إليه قريبا باختصار. أعلاه، ص 98.
مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت:
نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذاك؟» قلت:
يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة» «1» .
وحين أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2] ، تحرّج بعض الصحابة في حالهم، خوفا من أن يكونوا مشمولين بذلك. كان منهم أبو بكر وعمر «2» .
(1) سبق ذكره أعلاه، ص 97- 99. أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر، رقم (2750) . والترمذي: كتاب صفة القيامة، باب (59)، رقم (2514) . وانظر كذلك: أسد الغابة، (2/ 65) ، رقم (1280) . الاستيعاب، (1/ 379) ، رقم (548) . حياة الصحابة، (3/ 50) ، (320) . الوافي بالوفيات، (13/ 209) . ومثله ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه. حياة الصحابة، (3/ 320) . حتى كأنا رأي عين (بالرفع) : كأنا بحال من يراها بعينه، (وبالنصب) : نراها رأي عين. عافسنا: عالجنا أمورنا واشتغلنا بمعاشنا وتابعنا أعمالنا. والضيعات: جمع ضيعة، وهي المعاش من مال أو حرفة أو صناعة. وكان حنظلة معتزلا الفتنة حتى مات سنة (50 هـ) ولما توفي حنظلة جزعت عليه امرأته فنهاها جاراتها وقلن لها: إن هذا يحبط أجرك، فقالت:
تعجبت دعد لمحزونة
…
تبكي على ذي شيبة شاحب
إن تسأليني اليوم ما شفني
…
أخبرك قولا ليس بالكاذب
إنّ سواد العين أودى به
…
حزن على حنظلة الكاتب
وهذا يعبر عن مدى حب هذه المرأة المسلمة لزوجها وحسن العلاقة بينهما وعمق المحبة التي قامت في بيت بني على تقوى الله تعالى ومنهجه وطاعته.
(2)
البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحجرات، رقم (4564) .
أما ثابت بن قيس بن شمّاس، خطيب الأنصار «1» ، فقد اتهم نفسه واعتبر أنه من أهل النار وقعد في بيته حزينا، ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم افتقده، فسأل عنه وعرف أمره، فطمأنه وأخبره أنه من أهل الجنة.
هؤلاء الصحابة الكرام- وهم خير القرون- رباهم الإسلام هذه التربية الفذة، نقلهم وأدخل الإيمان عليهم من جميع المنافذ، سكب معانيه في نفوسهم، فظهرت شاهدة شاهرة شاخصة، سلوكا رفيعا يعبر عن المعاني الإسلامية. وهذا واضح في الأسلوب القرآني وطريقة تعبيره ومنهجه التربوي الفريد، الذي به ربى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأصحاب، نساء ورجالا وأطفالا.
وكثيرا ما نجد القرآن الكريم يقارن ويقابل ويواجه حالات هذا المستوى أمام ما تؤدي إليه مباعدة منهجه ومصير الضلال الذي ينتظر أهله من الخسران في الدنيا والآخرة، مجلّلا بالخزي والعذاب في نار جهنم، بشكل يكون التقابل متزاحما. فكلما ارتفع المؤمنون إلى مستوى التربية العجيب يظهر في الجانب الآخر المستوى المتدني التعيس البئيس، لمن جافى شرع الله تعالى وجانب الأخذ به والبعد عنه مهما كانوا وبلغوا. ويجعل ذلك طبيعيا- وتلك سنة الله تعالى في الفلاح والخسران- مثلما مقابل خسارة الدارين للكفر- والعياذ بالله- طبيعته الدنسة المركسة المفلسة، بعيدة عن الله تعالى، وهو غاية التردي والشقوة والمرارة. فإن الإيمان بالله تعالى ودينه يأخذ أصحابه إلى قمة فريدة من الرقة والرقي والقرب من الله تعالى والأنس بشرعه في الدنيا
(1) البخاري، نفسه، رقم (4565) . مسند الإمام أحمد، (3/ 137) . سير أعلام النبلاء، (1/ 309) . كان ثابت بن قيس من نجباء الصحابة، شهد أحدا وبيعة الرضوان، وكان جهير الصوت خطيبا بليغا. وهو الذي خطب مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: رضينا. سير أعلام النبلاء، (1/ 309) . وكانت له مواقف في الرهافة، ذكرتها مصادر ترجمته.
والآخرة، والتنعم بجواره يوم القيامة. وبه ربحوا الدنيا والآخرة، مقابل خسارة الدارين للكافرين. وإننا دوما لنحمد الله تعالى على نعمة هذا الدين.
تلمس هذا واضحا في مواقع متعددة من القرآن الكريم، فالكافرون لا يكادون يحسون بذلك بما جنوه، فهم لا يريدونه، وغرتهم دنياهم بطرا وكبرا ووهما، مهما بلغ فعلهم وعنادهم واستكبارهم، ظنوا السراب ماء.
أما المؤمنون فقد ارتقوا بهذا الدين وحده في سلم الإنسانية، حين ارتقوا في سلم الإيمان بالله تعالى والعمل بشرعه، إيمانا واحتسابا، وأحسوا ببرد هذا الإيمان الذي ملأ نفوسهم وحياتهم، وملك تصرفاتهم، فلا عيش لهم بدونه.
وهذا يعني أن تفوق هذه المعاني الإيمانية وظهورها- لمن فاته أن يدركها في نصوصها- أن يراها ماثلة في حياة أهلها، وهو من واجباتهم، لا يتكلفونها أو يفتعلونها أو يدّعونها. والمؤمنون دوما تظهر عليهم معاني الإيمان بالله تعالى ودعوته، وهو طبيعتهم وواجبهم ومهمتهم، فإن حياتهم باستمرار تكون ترجمة قوية لها.
وهؤلاء المؤمنون بالإسلام ودعوته الكريمة، أصبحت هي كل حياتهم، وعاشوا بها ولها وفيها، حتى إنهم رغم طاعتهم المعهودة والتزامهم وإقبالهم يحسون بالتقصير، ويجدون المتعة الحقة والأنس الحبيب والسعادة الكبرى بالقرب منه، يرجون رحمة الله تعالى وعفوه، تقربا إليه وحده. ويتطلعون إلى الكمال أو استكمال المؤهلات ليستحقوا تمام العبودية لله تعالى، ساعين إلى جنة عرضها السموات والأرض متنعمين بثواب من الله على تقواهم وحسن اتباعهم وطاعتهم إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 54- 55] «1» .
لكنهم مع كل هذه الاستجابة والإقبال والاتّباع تراهم- لهذا البناء الكريم خائفين، رغم هذا التوجه، مقابل الآخرين المعرضين، لاهين مع ما هم
(1)«نهر» : السعة والضياء، والنّهر:(نهر الماء) .
فيه من غضب الله تعالى، ببعدهم عن شرعه المبين الذي تراهم فرحين بتقلبهم وتقبلهم الانحدار في هذا التّيه المنكود المشقي المزري.
وهذا التقابل يرسم مشهدا حيا ماثلا يبين الفرق الهائل المتقابل بين الذين آثروا رضا الله تعالى والجنة، وبين الذين عمدوا، فأخذوا طريق عصيان الله تعالى، فحازوا غضبه والنار.
فبينما أنت تقرأ عن الضالين: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: 53- 56] . إذا بك تقرأ بعدها مباشرة عن المؤمنين السعداء: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون:
57-
61] . فهؤلاء متعلقون أشد التعلق وبشوق عميق ورغبة جامحة جدّ شديدة وإقبال عجيب على الله تعالى. وهم- ومع كل ما يقومون به ويؤدونه ويسارعون فيه- تراهم خائفين وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون: 60] .
فهؤلاء المؤمنون بالله وحده لا شريك له الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا لا شبيه له ولا نظير ولا كفء، ويؤمنون بكتبه، وآخرها القرآن الكريم، المكلفون بالعمل بما فيه، وبرسله وخاتمهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله سبحانه وتعالى بهذا الدين، وهم مأمورون بمحبته واتباعه والاقتداء به. وهم قائمون بكل ذلك، ومع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من عذاب الله تعالى خائفون وجلون، فجمعوا مع الإحسان الشفقة. فعن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: «لا يا بنت الصّديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم