الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حديث وفد عبد القيس، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم:((أمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)) قال شارح (الطحاوية) رحمه الله تبارك وتعالى بعد سوقه لهذا الحديث: ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله، بدون إيمان بالقلب، بما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب؛ فعلم أن هذه مع إيمان القلب، هو الإيمان.
وأي: دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فوق هذا الدليل، فإنه فسَّر صلى الله عليه وسلم الإيمان بالأعمال، ولم يذكر التصديق، للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود، وبهذا يتضح أن الإيمان عند السلف، أو حقيقة الإيمان عند السلف اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. وقد أيدت ذلك خاصة فيما يتعلق بالعمل، وأنه من الإيمان، بأدلة من كتاب الله، وأدلة من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أركان الإيمان ستة: وقد جاءت مجتمعة في حديث جبريل عليه السلام لما سأل جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)) هذه هي أركان الإيمان، كما صح بها الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الركن الأول من أركان الإيمان؛ الإيمان بالله
العنصر الثاني بعد ذلك في هذا اللقاء بعنوان: الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله تبارك وتعالى ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- الإيمان بربوبية الله تبارك وتعالى الإيمان بربوبية الله معناه: أن نعتقد أن الله وحده الخالق البارئ المصور الملك المدبر المصرف المحيي المميت، والرب في لغة العرب: هو المربي، المنشأ الموجد، والآيات التي تتحدث عن خلق الله، وبديع صنعه، وتصريفه لأمور الكون كثيرة جدًّا في كتاب الله، يذكر الله بها عباده ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويوجه أنظار المشركين إليه وحده؛ لأنه المستحق لعبادته
دون سواه، ويفتح أبصار الجاحدين، وبصائرهم، وقد استخدم الأنبياء هذا الأسلوب في دعوة أقوامهم.
فنوح عليه السلام يُذكِّرُ قومه قائلًا: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} (نوح: 15 - 20) وإبراهيم يقول لقومه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَاّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} (الشعراء: 75 - 82) فهذه الآيات التي جاءت في كتاب الله عز وجل وقد ذكرها بعض الأنبياء لأممهم؛ يذكرونهم فيها بربوبية الله عز وجل وأنه المصرف المدبر الخالق، المحيي المميت، وأن كل ما في هذا الكون، إنما هو بتقدير الله عز وجل وإرادته، وهذا إثبات لتوحيد الربوبية.
وقد أطال القرآن في الحديث عن ربوبية الله، والاحتجاج على أهل الجاهلية، المعترفين بالربوبية، المشركين في الألوهية، يعني: أن الله عز وجل كان يسوق لمشركي مكة الآيات الدالة على ربوبيته، والتي يؤمنون بها كي يلفت أنظارهم إلى أن هذا الرب المالك، المصرف المحيي المميت، هو الذي يجب أن تصرف له العبادة وحده، دون سواه. ومن هنا قال -جل ذكره-:{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (النمل: 59 - 60).
ولم تزل بعض الأمم تشرك بالله في ربوبيته، مع وضوح الآيات الدالة على ربوبية الله وعظمته، فالمجوس قالوا: بربوبية النور والظلام، والصابئة قالوا: بربوبية الكواكب، وتأثيرها في العوالم، ومثل هؤلاء أولئك الذين اعتقدوا بأن الأموات يتصرفون في قبورهم في الكون، والحياة، وكل ذلك من الشرك.
النقطة الثانية في هذا العنصر، وهي "ب" بعنوان: الإيمان بألوهية الله تعالى، أي: بإفراده بالعبادة؛ لأن الله عز وجل وحده هو المعبود، ولا يستحق العبادة غيره، وقد جاءت الرسل؛ لدعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25) ذلك أن الشرك في العبادة، هو جريمة البشر الكبرى، التي لم تسلم منها أمة من الأمم، وقد كانت بعض الأمم يسلمون لله بالربوبية، كالأمة العربية في الجاهلية، ولكنهم كانوا يجادلون أشد الجدال في استحقاق الله للعبادة دون سواه، ويتعجبون من دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لهم إلى عبادة الله دون غيره، وكانوا يقولون -كما ذكر القرآن الكريم عنهم-:{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (ص: 5).
والعبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله كثيرة، فدائرة العبادة واسعة رحبة، والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة.
والعبادات أنواع: فمنها عبادة القلب، ومنها عبادة اللسان، ومنها عبادة الجوارح، ومنها العبادات المالية.
فعبادة القلب: تكون بقصد الله وحده، وقصد النية له، والخوف منه تبارك وتعالى وخشيته، وحبه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا بحكمه.
وعبادة اللسان: تكون بذكر الله، وتسبيحه وحمده والثناء عليه، وتمجيده، وقراءة القرآن.
وعبادة الجوارح: تكون بالصلاة، والصيام والحج، ونحر الذبائح تقربًا إلى الله، والجهاد في سبيل الله
…
وما إلى ذلك.
والعبادات المالية: تكون بالزكاة والصدقات، ولها أعني العبادات المالية مدخل كبير في الحج، والأضاحي، والنذور.
والشرك في ألوهية الله تبارك وتعالى يكون بالتوجه بهذه العبادات، أو بشيء منها لغير الله عز وجل كالاستعانة بغير الله، أو الذبح لغير الله، أو دعاء غير الله، أو طلب المدد من غير الله تبارك وتعالى أو ما يجري عند الناس في مثل هذه الأمور، الباطلة المخالفة لهذا القرآن الكريم، وهذه السنة النبوية المطهرة.
ولا شك أن صرف أي لون من ألوان العبادة لغير الله تبارك وتعالى شرك بالله عز وجل وهناك شرك أصغر، وهو ما يكون في الألفاظ، وكيسير الرياء، هذا أيضًا شرك يناقض كمال توحيد الإلوهية، الذي هو إفراد الله تبارك وتعالى بجميع ألوان العبادة.
النقطة التالية في هذا العنصر، وهي نقطة "ج" بعنوان: الإيمان بأسماء الله وصفاته:
الإيمان الصادق: هو الذي يقوم على المعرفة التامة بالله تبارك وتعالى وطريق ذلك الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فمعرفة صفاته، والتأمل في معانيها، وإثبات الأسماء الدالة عليها، كل ذلك يعمق الإيمان بالله ويؤكده، ويثبته.
وقد أخبرنا ربنا في كتابه، بأن له الأسماء الحسنى، وأمرنا أن ندعوه بها فقال:{وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: من الآية: 180) وحث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على إحصائها؛ فقال في حديثه الصحيح من رواية أبي هريرة وغيره: ((إن لله تسعةً وتسعين اسمًا مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة)) والمراد بالإحصاء:
حفظها، وفهم معانيها، والعمل بمقتضاها، ويهمنا هنا أن أبين في عجالة سريعة مذهب السلف الصالح رحمهم الله تبارك وتعالى في أسماء الله، وصفاته، فأقول: إن مذهب السلف الصالح في أسماء الله وصفاته، يقوم على ثلاثة أصول:
الأصل الأول: الإيمان بكل الأسماء والصفات التي أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفي كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا أمر بدهي، فالمسلم يعلم أن الحق ما قرره العليم الخبير سبحانه، وليس بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله عنه:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3 - 4).
وقبيح بالمرء أن يقول له الرب لي سمع، وبصر ورحمة، ويد؛ فيقول: ليس لك سمع، ولا بصر، ولا رحمة، ولا يد، والسلف يثبتون هذه الصفات إثباتًا من غير تحريف، ولا تمثيل ولا تكييف، ولا تعطيل.
الأصل الثاني: تنزيهه -جل وعلا- عن مشابهة صفاته بصفات خلقه، فالله تعالى لا تشبه ذاته ذوات المخلوقين، وكذلك صفاته، كما قال تعالى:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وقال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى: 11) وهذه الآية دلت على الأصل الأول، والثاني؛ لأن قوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يدل على أن صفاته لا تشبه صفات خلقه، وقوله تبارك وتعالى:{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} يدل على أن له سمعًا وبصرًا.
وينبغي أن أنبه هنا إلى الذين نفوا صفات الخالق، أو أولوها، وأقول: إنهم في الحقيقة ما عرفوا قدر الله وعظمته، فالله عز وجل عندما يحدثنا عن صفاته، يجب أن يتبادر إلى ذهن المسلم، أن هذه الصفات هي فوق ما يتصور الواصفون، وأنها كمال لا يعروه نقص.
أما هؤلاء: فإنهم قالوا: المتبادر منها التشبيه؛ ولذلك نؤولها، ونحرفها حتى ننزه الله تبارك وتعالى ولو أصنفوا لقالوا: المتبادر منها الكمال، وعدم التشبيه، ثم هم يعتمدون في مقابل النصوص، على المقاييس العقلية فيقولون: نحن ننفي اليد، والوجه؛ لأننا لا نعرف اليد، إلا هذه الجارحة، ولا نعرف إلا هذه الوجوه، والله منزه عن الجارحة، وما يشبهه صفات الخلق، وتحكيم العقل، بتصوراته الخاطئة بنصوص الشرع؛ لا يجوز، ومقاييسهم العقلية هذه ضالة؛ فالله منزه عن مشابهة الخلق، وصفاته كمال يخصّه، ولا يجوز إجراء مقاييس عقلية على رب العزة والجلالة.
الأصل الثالث -من أصول مذهب السلف في أسماء الله وصفاته، وهو أيضًا مهم-: عدم التطلع إلى معرفة كيفية صفات الله:
ومعرفة الكيف غيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى:{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} (البقرة: من الآية: 255)، وبما أن الله لا يشبه أحدًا من خلقه، وصفاته لا يشبهها شيء من صفات الخلق؛ فلا يمكن أن تعرف كيفية ذاته، ولا يمكن أن تعرف كيفية صفاته.
والذين انحرفوا في باب الصفات أصل ضلالهم: أنهم بحثوا في الكيفية، فمرة مثلوا صفات الخالق بصفات الخلق، ومرة نفوها وأولوها.
والواجب هو التفويض في كيفية الصفات، وكما أننا لا نعلم كيف ذات الله تبارك وتعالى كذلك لا نعلم كيفية صفاته، ولا ما هي عليه، فنحن نؤمن بها، وإن لم نعرف كيف، أو كيفية صفاته -تبارك تعالى.
وهنا أمر يجب بيانه، وهو أن معنى الصفة معروفة في لغة العرب، ويجب أن نعرف معاني صفات الله تبارك وتعالى من الرحمة، والغضب، والسمع والعلم، والبصر.