المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فضل الجهاد، وثمراته - أصول الدعوة وطرقها ٤ - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع

- ‌الأَحْوَالُ السياسيةُ قَبْلَ الإسْلامِ

- ‌أَبْرَزُ المَعالِمِ السياسيةِ الداخليَّةِ والخارجيةِ للدَّولةِ الإسلامِيةِ

- ‌خَصَائِصُ النِّظامِ السياسيِّ في الإسْلامِ

- ‌نِظامُ المجتمَعِ في الإسلامِ

- ‌خَصائِصُ النِّظامِ الاجتماعيِّ في الإسلامِ

- ‌وُجُوبُ الاجتماعِ على الكِتابِ والسُّنَّةِ، ونبذُ الاختلافِ والفُرْقَةِ

- ‌الدرس: 2 أثر الإسلام على الاقتصاد وكون الإسلام عقيدة وشريعة

- ‌تعريف الاقتصاد وأساسه

- ‌خصائص النظام الاقتصادي

- ‌دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي

- ‌تعريف العقيدة، وأهميتها، والمناهج في إثباتها

- ‌معنى الشريعة والأسس التي بنيت عليها

- ‌التشريع حق لله وحده دون سواه

- ‌الدرس: 3 إلمامة بأركان الإيمان

- ‌مذهب السلف في الإيمان مع ذكر أركانه

- ‌الركن الأول من أركان الإيمان؛ الإيمان بالله

- ‌الركن الثاني من أركان الإيمان؛ الإيمان بالملائكة

- ‌الركن الثالث من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب

- ‌الركن الرابع من أركان الإيمان؛ الإيمان بالرسل عليهم السلام

- ‌الركن الخامس من أركان الإيمان؛ الإيمان باليوم الآخر

- ‌الركن السادس من أركان الإيمان؛ الإيمان بالقدر

- ‌الدرس: 4 إلمامة تحليلية بأركان الإسلام

- ‌تعريف الإسلام، وذكر أركانه، وما يتعلق به

- ‌الركن الأول من أركان الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌شهادة أن محمدًا رسول الله

- ‌الركن الثاني من أركان الإسلام؛ الصلاة

- ‌الركن الثالث من أركان الإسلام؛ الزكاة

- ‌الركن الرابع من أركان الإسلام؛ الصيام

- ‌الركن الخامس من أركان الإسلام؛ الحج

- ‌أثر الإيمان والعقيدة في تكوين الفرد والمجتمع

- ‌الدرس: 5 الإعجاز في القرآن الكريم طريق من طرق أصول الدعوة

- ‌المعجزة في زمانها ومكانها

- ‌المعجزة الخالدة القرآن الكريم

- ‌الدرس: 6 موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان

- ‌العلاقة بين الإسلام والعلم

- ‌الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

- ‌الدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان

- ‌الدرس: 7 المسجد والمدرسة ودورهما في الدعوة

- ‌المسجد، ورسالته بين المسلمين

- ‌دور المسجد في المجتمع المسلم

- ‌بعض وظائف المسجد

- ‌دعوة الطلاب إلى الله في المدارس والجامعات:

- ‌الدعوة إلى الله بين المدرسين، وأساتذة الجامعات

- ‌دور المدرسة في تحقيق أهداف التربية الإسلامية

- ‌الدرس: 8 أهم ميادين الدعوة والإعلام الإسلامي

- ‌مقدمات في الإعلام

- ‌الأجهزة الإعلامية الإسلامية المتخصصة

- ‌الإسلام في مواجهة الإعلام الكاذب

- ‌الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة

- ‌الدرس: 9 الجهاد في سبيل الله تعالى

- ‌تعريف الجهاد وذكر أنواعه

- ‌مشروعية الجهاد وسببه ومراحله وفضله

- ‌فضل الجهاد، وثمراته

- ‌مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله

- ‌الدرس: 10 بعض مواقف الخلفاء الراشدين والصحابة وأثرها في الدعوة

- ‌أبو بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌عثمان بن عفان رضي الله عنه

- ‌علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه

- ‌حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

- ‌الدرس: 11 دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة

- ‌ جماعة أهل الحديث بالهند

- ‌جماعة أنصار السنة المحمدية

- ‌تابع الحديث عن جماعة أنصار السنة المحمدية

- ‌نشأة جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان والبلاد الإسلامية الأخرى

- ‌الدرس: 12 تابع دراسة بعض الدعوات ومناهجها

- ‌حركة " الإخوان المسلمون

- ‌الحزب الإسلامي الكردستاني

- ‌الدرس: 13 ترجمتا الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل

- ‌سِيرَةُ الإمام عمر بن عبد العزيز الذاتية

- ‌في سيرة عمر بن عبد العزيز العلمية، وولايته

- ‌سيرة الإمام أحمد الذاتية

- ‌عقيدة الإمام أحمد ومحنته

- ‌الدرس: 14 ترجمتا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌سيرته

- ‌منهج ابن تيمية وعقيدته

- ‌تابع منهج ابن تيمية وعقيدته

- ‌ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌سِيرُتُه الذَّاتِيَّةِ

- ‌مُؤلفَاتُ الشيخِ، وعقيدتُه، وأثرُ دعوتِهِ في العَالَمِ الإسلَامِيِّ

الفصل: ‌فضل الجهاد، وثمراته

وقد ذكرت هذه المراحل السابقة لأبين أن هناك تنويع جاء في كتاب الله تبارك وتعالى للقتال في سبيل الله عز وجل يتمثل في التهيئة، والإعداد، والسماح بالاعتداء على من يعتدي عليك، والإذن بقتال اليهود والنصارى خاصة، وقوى الشر، ثم بعد ذلك يأتي الإذن بصورة عامة للقتال في سبيل الله تبارك وتعالى لكل- الوثنيين والمشركين والمنافقين واليهود والنصارى وغير ذلك، وفي هذه المرحلة الأخرى أصبح الجهاد عامًّا غير مقيد بزمن، ولا بوقت، ولا بفئة من الكافرين.

يقول الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى في تفسيره: ثم أمر الله بقتال الكفار حتى لا يكون فتنة -أي: شرك- ويكون الدين لله -أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان.

وبهذه الكلمات أنهي هذا اللقاء، وأصلي وأسلم على النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

2 -

تابع الحديث عن الجهاد في سبيل الله

‌فضل الجهاد، وثمراته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين. وبعد:

نتابع الحديث عن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى. والعنصر الأول: فضل الجهاد وثمراته، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:

أ- فضل الجهاد:

الجهاد في سبيل الله عز وجل عزة وكرامة، وهو من أفضل الأعمال على الإطلاق عند الله تبارك وتعالى وثوابه يربو عن ثواب الحج والعمرة والصيام والقيام، ويكفيه فضيلة أن الله تبارك وتعالى قد تكفل للمجاهدين إما بالنصر والظفر، أو بالجنة والعاقبة الحسنى، وقد فاز الجهاد بالعديد من الآيات التي تشهد له بالفضل، والتي تَعدُ المجاهدين بالمثوبة التي لا تعادلها مثوبة، وإن الجهاد تجارة رابحة مع الله الديان الكريم الغني المعطي الرحيم قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

ص: 313

وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (الصف: 10: 12).

وقال -جل من قائل-: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} (النساء: 95).

وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} (التوبة: 111).

كما حظي الجهاد بالجم الكثير من الأحاديث الشريفة التي تشيد بفضل الجهاد، وتجعله في مقدمة ركب صالح الأعمال ثوابًا وأجرًا وفضيلة، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه بابًا قال فيه:"الجنة تحت بارقة السيوف"، وهو نص حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه:((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)).

وقد ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: دلني على عمل يعدلُ الجهاد؟ قال: لا أجده، هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومَنْ يستطيع ذلك؟!)).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَثَلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة)).

وعلى هذا، فإن الجهاد يعتبر أفضل الأعمال الصالحة المطلقة، وفضيلته أعظم الفضائل باعتباره وسيله إلى إعلان الدين ونصره ونشره، وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك.

قال الإمام ابن تميمة رحمه الله تبارك وتعالى في كتابه (السياسة الشرعية): لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد في الجهاد، فهو ظاهرٌ عند الاعتبار، فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أعمال

ص: 314

العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد وذكر الله، وسائر أنواع الأعمال على ما يشتمل عليه عمل آخر، والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.

وقد جعل الله للمجاهد منزلة رفيعة في مقياس الناس، وفي ميزان العدالة الإلهية، وإن الشهيد في مقامٍ كريمٍ عند رب العزة والجلال سبحانه، والشهداء في حواصل طيور خضر عند جنة المأوى، وليس أحدًا من أهل الجنة يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يود أن يقاتل ويُقتل مرة ثانية، لماذا؟ ليحظى بما حظي به في المرة الأولى من روعة الاستقبال وبهجة اللقاء.

يقول رسول الهدى والرحمة صلى الله عليه وآله وسلم: ((طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث أغبر إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَعَ لم يُشفّع)).

وقد شهدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالحياة المنعمة التي لا موت فيها لمن قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، قال رب العزة والجلال سبحانه:{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله)).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن في الجنة لمائة درجة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله)).

وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أغبر قدماه في سبيل الله حرّمه الله على النار)).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((رباط يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات أُجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمِنَ الفتان)).

وعن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه-:

ص: 315

((أن أم الربيع بنت البراء، وهي أم حارثة بن سراقة -رضي الله عن الجميع- أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتِلَ يوم بدر أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنكِ أصاب الفردوس الأعلى)).

وللإمام ابن القيم رحمه الله له كلمات جليلة عن الجهاد في سبيل الله ومنزلته يقول فيها: لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كان لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الذروة العليا منه، واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجَنان والدعوة والبنان والسيف والسنان -صلوات الله وسلامه عليه- وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده؛ ولهذا كان أرفع العالمين ذِكرًا، وأعظمهم عند الله قدرًا، وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، فقال له:{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} (الفرقان: 51، 52) وهذه صورة مكية أُمِرَ فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن.

وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر الإسلام قال الله تبارك وتعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التوبة: 73) فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا.

ص: 316

ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل: أن تتكلم به عند مَنْ تخاف سطوته وأذاه، كان للرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا -صلوات الله وسلامه عليه- من ذلك أكمل الجهاد وأتمه، ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الجهاد 13:17 ((المجاهد مَنْ جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر مَنْ هجر ما نهى الله عنه)).

ولهذا كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج، فهذان عدوان قد امتحنا العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذله ويرجف به، ولا يزال يُخيل له ما في جهادهما من المشاق، وترك الحظوظ، وفوت اللذات والشهوات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان.

قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (فاطر: من الآية: 6) والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر، ولا يقصر على محاربة العبد على عدد الأنفاس، فهذه ثلاثة أعداء أُمِرَ العبد بمحاربته وجهادها، وقد بُلي بمحاربتها في هذه الدار، وسُلطت عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، فأعطى الله العبد مددًا وعُدة وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مددًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا، وبلى أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم

ص: 317

لبعض فتنة ليبلو أخبارهم، ويمتحن مَنْ يتولاه، ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه، كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} (الفرقان: من الآية: 20).

وقال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} (محمد: من الآية: 4).

وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد: 31).

وقال الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين: {أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} (الأنفال: من الآية: 12).

وكل هذا يدل على فضل الجهاد في سبيل الله، وأن الله تبارك وتعالى مع المجاهدين في سبيله.

والخلاصة: أن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى له فضلٌ عظيمٌ، ومكانة عالية رفيعة، والمسلم لا ينفك عن الجهاد في سبيل الله أبدًا، فهو في جهادٍ دائمٍ، وأقول هذه الكلمة لأنني ما ذكرته من كلمات عن الإمام ابن القيم سابقًا تدعو الحاجة إلى أن أذكر ذلك، وقد ذكرت ما ذكرته لأشير إلى هذه المسألة، وهي: أن العبد في جهادٍ دائمٍ مع نفسه، ومع الشيطان، ومع عدوه المتربص به من الكفار والمنافقين، يجاهد نفسه ليحملها على الطاعة، وعلى بذل المال، والنفس في سبيل مرضاة الله تبارك وتعالى ويجاهد بلسانه وقلمه؛ ليبين معاني الإسلام ويرد على افتراءات المبطلين، ويجاهد في جميع أحواله في الرخاء والشدة، وفي حالة الضعف والقوة، وفي حالة الفقر والغنى، كما قال تعالى:{انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة: 41).

وإذا فعل العبد ذلك كان له عند الله العاقبة الحسنى، وقد تلوت فيما مضى بعضًا من آيات كتاب الله، وبعضًا من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي تشير إلى ذلك، وقد توسعت شيئًا ما في ذِكر فضل الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى لأدفع المؤمنين إليه، ولأبين لهم أنهم إن أرادوا الخير، ونشر الإسلام والدعوة إليه، أن يجاهد في سبيل الله بجميع أنواع الجهاد المشروعة والمطلوبة،

ص: 318

ولهم إن فعلوا ذلك عند الله تبارك وتعالى عظيم الخير والفضل.

ب- ثمرات الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى:

إن ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله كثيرة أذكر منها هنا ما يلي:

أولًا: إعزاز المسلمين وإذلال الكافرين، وهذه ثمرة مهمة للغاية، إن الجهاد في سبيل الله يُعد قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصف المولى عز وجل هذه الأمة بصفات القيادة الرشيدة في قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110).

قال الإمام القرطبي رحمه الله: قوله: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم.

وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أُخرجت لتكون طليعة وتكون لها القيادة بما أنها هي خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، إن هذه الأمة تعمل على نشر الخير، وعلى صيانة المجتمعات من عناصر الفساد، وهي تسعى جاهدة كي تبني مجتمعات صالحة على أسس من القيم والمبادئ، والاعتقادات، والنظم، والأخلاق، والمعارف، والعلوم المستمدة من المنهج الرباني الحكيم، وهذه الأهداف النبيلة تجعل قيادة الأمة تنازل قوى البغي في ميادين الجهاد؛ لأن القوى الكافرة دائمًا وأبدًا تُعد العدة وتبذل جهدها للقضاء على الإسلام والمسلمين؛ ولهذا تركب الأمة صهوات المجد، وتسل سيفها ضد أعداء البشرية مما يعتقدون الكفر والضلال والفساد، فتكون ثمرة هذا الجهاد المبارك هي القضاء على شوكة الكفار وإذلالهم، وإنزال الرعب في قلوبهم، وتطهير الأرض من سيطرتهم.

ص: 319

إن المشركين والكفار لا يراعون في المسلمين إذا قدروا عليهم عهدًا ولا قرابة، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه:{كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًًا وَلا ذِمَّةً} (التوبة: من الآية: 8).

وقال سبحانه: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًًا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} (التوبة: 10).

وقال -جل مَنْ قائل-: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة: من الآية: 120).

لهذا كان الجهاد في سبيل الله هو الفيصل بين المسلمين وأعدائهم؛ لأنه يثمر بإذن الله تبارك وتعالى القضاء على قوة الكفر وإذلال طغاته، وإذلال حزبه، وخزيهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، كما قال تبارك وتعالى:{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} (الأحزاب: 25: 27).

إن الله تبارك وتعالى قد رتب على الجهاد قتال الكافرين، وتعذيب أعداء الله وخزيهم، ونصر المجاهدين عليهم، وشفاء صدور المؤمنين الذي أوغر أعداء الله صدورهم، وإذهاب غيظ قلوبهم بما يدخل عليهم من السرور بكسر شوكة أعداء الله والقضاء على قوتهم، كما قال تعالى:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 14، 15).

لقد قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحركة الجهاد، واستطاع أن يقضي على شوكة الكفر في الجزيرة، وأن يرد كيد اليهود، ووجه ضربات موفقة للنصارى، وسار الصديق -رضي الله تعالى عنه- على نفس المنهج، وخاض حروب الرِّدة، وقضى على مُسيلمة الكذاب، فكانت

ص: 320

معاركه -رضي الله تعالى عنه- ضد المرتدين من أكبر الأسباب على نصر الإسلام وأهله، وبعد انتهاء حروب الرِّدة قام بحركة الجهاد ضد الفرس والروم، واستمر الخلفاء من بعده على نفس المنوال، وامتدت رقعة الإسلام من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، وأخذت جيوش الإسلام تدق معاقل النصرانية في أوروبا، وبسطت نفوذها على بلدان كثيرة، وهذا إعزازٌ للمسلمين وإذلال للكافرين، وهذه هي الثمرة الأولى من ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله.

الثمرة الثانية: دخول الناس في دين الله أفواجًا، إن أهل الباطل يستهينون بأهل الحق ويستضعفونهم ما لم يكونوا أعزة، والتاريخ يشهد على أن الناس يحترمون الحق الذي تحرسه القوة، وعندما يكونوا أهل الحق أعزة يدخل الناس في دين الله أفواجًا، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أسس دولة للإسلام، واكتملت لها المقومات اللازمة، وشرعت في بعث السرايا والقيام بالغزوات ضد أعداء الإسلام، ووقعت بينهم وبين المسلمين معارك كان الانتصار في الغالب للمسلمين على المشركين، وبلغت قوة المسلمين ذروتها عندما وقع الصلح بينهم وبين المشركين في الحديبية؛ حيث اعترف أهل الكفر بدولة تعقد المعاهدات وتفاوض وتصالح، وكثر الداخلون في الإسلام، وعندما نقضت قريش الصلح غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ففتحها، ودخلها منتصرًا مظفرًا، فماذا كان بعد هذا الفتح المبين؟

قال محمد بن إسحاق رحمه الله تبارك وتعالى: ولما افتتح رسول صلى الله عليه وآله وسلم مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تُسمى الوفود، وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش؛ لأن قريشًا كانوا إمام الناس وهاديتهم، وأهل البيت والحرم، وقادة العرب لا ينكرون

ص: 321

ذلك، وكانت قريش هي التي نصرت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة، ودانت لهم قريش ودخلت في الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا على عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال الله -جل ذكره-:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (النصر: 1: 3).

فكان دخول الناس في دين الله أفواجًا بسبب هذا الفتح المبين، وهذا النصر العظيم، والجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى واستمر الأمر كذلك بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرفيق الأعلى، فكان الجهاد هو الذي يقضي على حركات التمرد والشقاق، ويجبر المتمردين على الخضوع للإسلام والانقياد لشرعه، واحترام أهله، وقد أدرك ذلك أبو بكر الصديق -رضي الله تبارك وتعالى عنه- حينما قام بمواجهة المرتدين.

الثمرة الثالثة من ثمرات إقامة الجهاد في سبيل الله: إسعاد الناس بنور الإسلام وعدله ورحمته:

إن الجهاد في سبيل الله يحقق الرحمة للبشرية في الأرض، ويدفع الظلم والاعتداء، ويسعد الناس بهذا الدين الذي هو نور كله، ويُخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور العلم والهداية والتوحيد، كما قال تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 257).

وما أروع جهاد ذي القرنين في القرآن الكريم؛ حيث تحرك بجيوشه لدعوة الله الخالدة، ووظف كل إمكاناته من أجل نشر التوحيد وتعريف الناس بخالقهم، ولقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بأمة أو شعب دعاهم الحق والإيمان بالله تعالى قبل العقاب أو الثواب، وكان حريصًا على الأعمال الإصلاحية في كافة الأقاليم

ص: 322

والبلدان التي فتحها، ولقد وجد في إحدى رحلاته الجهادية للدعوة قومًا لا يكادون يفقهون قولًا، وقد وقع عليهم ظلم عظيم، وتخوفوا من قدوم يأجوج ومأجوج عليهم، فعرضوا عليه المال من أجل أن يبني لهم سدًّا؛ فقام بمدافعة الظلم المتوقع، واعتذر عن أخذ الخراج، وشرع في نقلهم من الجهل إلى العلم، والتخلف إلى التقدم، والكسل إلى العمل، والضعف إلى القوة، ومصداق ذلك في قول الله:{قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} (الكهف: 95: 97).

كان ذو القرنين حريصًا على مصلحة الناس ناصحًا لهم فيما يعود عليهم بالنفع؛ ولهذا طلب منهم المعونة الجسدية بما في ذلك تنشيط لهم، ورفع لمعنوياتهم، ومن نصحه وإخلاصه لهم: أنه بذل ما في الوسع والخدمة أكثر مما كانوا يطلبون، فهم طلبوا منه أن يجعل بينهم وبين القوم المفسدين سدًّا، أما هو فقد وعد بأن يجعل بينهم ردمًا، والردم هو الحاجز الحصين، والحجاب المتين، وهو أكبر من السد وأوثق، فوعدهم بفوق ما يرجون، إن قول الله تعالى:{فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} فيه مَعْلَمٌ بارز في تضافر الجهود وتوحيد الطاقات والقدرات والقوى؛ لأن الأمة التي تنام ولا تتحرك، ولا تعمل على دفع الذل والمهانة وتسلط أعدائها عليها هذه الأمة تُعد أمة ضائعة، لقد استطاع ذو القرنين أن يفجر طاقات المستضعفين، ووجههم نحو التكامل؛ لتحقيق الخير والغايات المنشودة.

إن المجتمعات البشرية غنية بالطاقات المتعددة في المجالات المتنوعة، ويأتي دور القيادة الربانية في الأمة لتربط بين كل الخيوط والخطوط، والتنسيق بين المواهب والطاقات، وتتجه بها نحو خير الأمة ورفعتها، إن أمتنا الإسلامية مليئة بالمواهب

ص: 323