المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة - أصول الدعوة وطرقها ٤ - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع

- ‌الأَحْوَالُ السياسيةُ قَبْلَ الإسْلامِ

- ‌أَبْرَزُ المَعالِمِ السياسيةِ الداخليَّةِ والخارجيةِ للدَّولةِ الإسلامِيةِ

- ‌خَصَائِصُ النِّظامِ السياسيِّ في الإسْلامِ

- ‌نِظامُ المجتمَعِ في الإسلامِ

- ‌خَصائِصُ النِّظامِ الاجتماعيِّ في الإسلامِ

- ‌وُجُوبُ الاجتماعِ على الكِتابِ والسُّنَّةِ، ونبذُ الاختلافِ والفُرْقَةِ

- ‌الدرس: 2 أثر الإسلام على الاقتصاد وكون الإسلام عقيدة وشريعة

- ‌تعريف الاقتصاد وأساسه

- ‌خصائص النظام الاقتصادي

- ‌دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي

- ‌تعريف العقيدة، وأهميتها، والمناهج في إثباتها

- ‌معنى الشريعة والأسس التي بنيت عليها

- ‌التشريع حق لله وحده دون سواه

- ‌الدرس: 3 إلمامة بأركان الإيمان

- ‌مذهب السلف في الإيمان مع ذكر أركانه

- ‌الركن الأول من أركان الإيمان؛ الإيمان بالله

- ‌الركن الثاني من أركان الإيمان؛ الإيمان بالملائكة

- ‌الركن الثالث من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب

- ‌الركن الرابع من أركان الإيمان؛ الإيمان بالرسل عليهم السلام

- ‌الركن الخامس من أركان الإيمان؛ الإيمان باليوم الآخر

- ‌الركن السادس من أركان الإيمان؛ الإيمان بالقدر

- ‌الدرس: 4 إلمامة تحليلية بأركان الإسلام

- ‌تعريف الإسلام، وذكر أركانه، وما يتعلق به

- ‌الركن الأول من أركان الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌شهادة أن محمدًا رسول الله

- ‌الركن الثاني من أركان الإسلام؛ الصلاة

- ‌الركن الثالث من أركان الإسلام؛ الزكاة

- ‌الركن الرابع من أركان الإسلام؛ الصيام

- ‌الركن الخامس من أركان الإسلام؛ الحج

- ‌أثر الإيمان والعقيدة في تكوين الفرد والمجتمع

- ‌الدرس: 5 الإعجاز في القرآن الكريم طريق من طرق أصول الدعوة

- ‌المعجزة في زمانها ومكانها

- ‌المعجزة الخالدة القرآن الكريم

- ‌الدرس: 6 موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان

- ‌العلاقة بين الإسلام والعلم

- ‌الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

- ‌الدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان

- ‌الدرس: 7 المسجد والمدرسة ودورهما في الدعوة

- ‌المسجد، ورسالته بين المسلمين

- ‌دور المسجد في المجتمع المسلم

- ‌بعض وظائف المسجد

- ‌دعوة الطلاب إلى الله في المدارس والجامعات:

- ‌الدعوة إلى الله بين المدرسين، وأساتذة الجامعات

- ‌دور المدرسة في تحقيق أهداف التربية الإسلامية

- ‌الدرس: 8 أهم ميادين الدعوة والإعلام الإسلامي

- ‌مقدمات في الإعلام

- ‌الأجهزة الإعلامية الإسلامية المتخصصة

- ‌الإسلام في مواجهة الإعلام الكاذب

- ‌الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة

- ‌الدرس: 9 الجهاد في سبيل الله تعالى

- ‌تعريف الجهاد وذكر أنواعه

- ‌مشروعية الجهاد وسببه ومراحله وفضله

- ‌فضل الجهاد، وثمراته

- ‌مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله

- ‌الدرس: 10 بعض مواقف الخلفاء الراشدين والصحابة وأثرها في الدعوة

- ‌أبو بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌عثمان بن عفان رضي الله عنه

- ‌علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه

- ‌حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

- ‌الدرس: 11 دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة

- ‌ جماعة أهل الحديث بالهند

- ‌جماعة أنصار السنة المحمدية

- ‌تابع الحديث عن جماعة أنصار السنة المحمدية

- ‌نشأة جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان والبلاد الإسلامية الأخرى

- ‌الدرس: 12 تابع دراسة بعض الدعوات ومناهجها

- ‌حركة " الإخوان المسلمون

- ‌الحزب الإسلامي الكردستاني

- ‌الدرس: 13 ترجمتا الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل

- ‌سِيرَةُ الإمام عمر بن عبد العزيز الذاتية

- ‌في سيرة عمر بن عبد العزيز العلمية، وولايته

- ‌سيرة الإمام أحمد الذاتية

- ‌عقيدة الإمام أحمد ومحنته

- ‌الدرس: 14 ترجمتا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌سيرته

- ‌منهج ابن تيمية وعقيدته

- ‌تابع منهج ابن تيمية وعقيدته

- ‌ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌سِيرُتُه الذَّاتِيَّةِ

- ‌مُؤلفَاتُ الشيخِ، وعقيدتُه، وأثرُ دعوتِهِ في العَالَمِ الإسلَامِيِّ

الفصل: ‌الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة

الكلمة، وجعل العودة إلى جهاد الكلمة هو العودة إلى الدين، فهل يقدر دعاة الإسلام اليوم جهاد الكلمة؟! وهل يعلم المسلمون أن الدعوة واجبة على كل فرد فيهم؟! وهل يعلم الذين يكتمون العلم ويشترون به الدنيا أن الله تبارك وتعالى قال فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَاّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ؟!

‌الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة

"الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة": ويشتمل على النقاط التالية:

أ- صلاة الجمعة والجماعة:

إن الشارع الحكيم قد فرض علينا صلاة الجمعة، وحض عليها لحكم منها: اجتماع كلمة المسلمين ووجود التآلف بينهم؛ حيث في هذا اليوم المبارك يتركون أشغالهم عند حلول وقت الصلاة، ويجتمعون في مسجد واحد، أو مساجد متعددة.

كما أن في صلاة الجمعة والجماعة معنى الاتحاد واتفاق الكلمة، وفيها معنى المساواة التي تترنم بها الأمم الأخرى، وهي تتحقق في صلاة الجمعة والجماعة، وفي سائر فرائض الإسلام الأخرى أيضًا؛ لأن المسلم الفقير يقف بجانب المسلم الغني بلا فارق ولا تمييز بينهما، ويقف الخادم بجانب السيد؛ ليعرفوا أنهم عند الله سواء، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أرسى هذه القاعدة:((لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)).

ص: 285

وفي الجمعة أيضًا يسمعون من الخطيب الحكم والمواعظ والنصائح، التي تدعوهم إلى إصلاح أمورهم وأمور دينهم ودنياهم، ومن فوائد الجمعة أيضًا: أن الحاضرين يسمعون من الخطيب الحكم والمواعظ ويتعلمون تعليمًا ربما لا يتيسر لكثير منهم -خاصة أهل البوادي والقرى- ربما لا يتيسر لهم التعليم إلا في هذه الخطب واللقاءات، فإذا حضروا الجامع، سمعوا من الخطيب من العقائد الدينية والإرشادات السنية في شتى النواحي، من العبادات والأخلاق، كما يسمعون النهي والزواجر عن المنكرات والفواحش، وعن البدع والضلالات والعادات السيئة والأمراض الاجتماعية، وما عليه المسلمون اليوم من سائر الأقطار من عزة ورفعة، أو تفرق وتخاذل، إنما هو في الحقيقة بسبب عدم التعلم والإهمال في هذه الاجتماعات.

ولذلك على الخطيب أن يشخص الداء في خطبته، وأن يرشد إلى الدواء النافع بأسلوب حكيم وعبارات أخاذة جذابة؛ يستفيد منها المستمعون.

وصلاة الجمعة والجماعة من أكبر الشعائر الإسلامية، التي تعطي قوة التبشير بالإسلام للأمم الأخرى، وبيان ذلك كالتالي: إذا شاهد غير المسلم صلاة الجماعة والجمعة بهذا الاجتماع، وشاهد المسلمين حالة كونهم خاشعين ضارعين مستقبلين قبلة واحدة، مظهرين المساواة التامة، تاركين الفوارق العنصرية واللغوية والوطنية، ومتوجهين إلى رب البرية مستمعين إلى الإمام الخطيب، الذي يوجههم إلى الحق والخير- قد يدفعه ذلك إلى أن يدخل في دين الله تبارك وتعالى أو أن يتطلع إلى معرفة المحاسن التي اشتمل عليها الدين، وكيف أنه يفوق جميع الأديان من خلال هذه الشعائر.

وهذا يبين لنا شيئًا من أهمية الجمعة والجماعة، وقد يجيب على سؤال: لماذا شرع الشارع الحكيم وفرض علينا هذه الصلاة في الجماعة؟

ص: 286

وطالما أنني أتحدث عن الجمعة لا بد أن أتحدث عن خطبة الجمعة، حيث كانت الخطابة -ولا تزال- تؤدي دورها الفعال في حقل الاتصال بالناس دون أن تستطيع وسائل الاتصال الجماهيرية التي أتت بها المدنية الحديثة أن تقضي عليها، أو أن تنال من قوتها المؤثرة في الإعلام والإقناع وذلك لما يلي:

أولًا: تتميز الرسالة الإسلامية التي تحملها الخطبة الدينية الناجحة بقدرتها على إحداث تأثير خاص لدى الرأي العام المتلقي لهذه الخطبة، بحكم ما ترتبط به الخطبة الدينية في أذهان الناس من مفهوم خاص، فهي تنهل من لغة القرآن الكريم والأحاديث النبوية في أغلب الأحيان.

ثانيًا: إن الإسلام يضع الخطبة في مكانة سامية، ويقدرها حق قدرها، وخطبة الجمعة هي واحدة من أبرز وسائل الإعلام الديني، وليس من قبيل المبالغة إذا اعتبرناها من أهم عوامل نجاح هذا النوع من العمل الإعلامي، الذي مارس دوره على مر العصور منذ انبثاق نور الدعوة الإسلامية، في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، فلم تستطع ولن تستطيع عوامل الزمن وتعاقب الدول والحكومات أن تنال من قدرتها الفائقة على الإقناع والمواجهة.

وترجع أهمية خطبة الجمعة إلى أنها مرتبطة بفريضة صلاة الجماعة ذاتها، بل أن خطبة الجمعة هي التي تميز صلاة الجمعة عن بقية الصلوات الخمس اليومية على مدار الأسبوع؛ فأصبح لزامًا على كل مسلم أن يشهد هذه الخطبة؛ انطلاقًا من قوله تعالى في سورة الجمعة:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (الجمعة: من الآية: 9) والنداء أي: الآذان يسبق الخطبة كما يسبق الصلاة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك، وحث ورغب في الحضور المبكر إلى المسجد في يوم الجمعة، وأخبر أن هناك ملائكة

ص: 287

يكتبون الداخل على حسب الوقت الذي جاء فيه، فإذا صعد الخطيب على المنبر؛ طوت الملائكة الصحف التي يسجلون فيها الأسماء وانصرفوا يستمعون إلى خطبة الجمعة.

ويتوقف نجاح الخطبة الدينية على ما يلي:

1 -

حسن اختيار موضوع الخطبة، بما يجعلها تمس بشكل مباشر مشاكل الجماهير، وتعالج قضاياهم الحاضرة، وتخوض في أحوالهم وشئونهم المعاصرة، وتحديد وقت زمني ملائم لكل خطبة أمر مهم وضروري؛ لأنه يبعد عن الملل، كذلك أيضًا الابتعاد قدر الإمكان عن الخوض في حوادث وقضايا قديمة لم يعد لها وجود بين الناس، في حين أن عصرنا الحاضر يعج بمشاكل أو يفجر قضايا تهز المجتمعات هزًّا عنيفًا، ولا يجد الناس تبريرًا لها في انتظار أن يقول الدين كلمته الحاسمة، لشفاء أمراض قلوبهم، والقضاء على الحيرة والشك المسيطريْن على عقولهم.

على أن يدعم الخطيب أقواله بالآيات البينات والأحاديث النبوية الصادقة، والمواقف الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي تتلاءم مع موضوع الخطبة، دون إقحام آيات لا تربطها علاقة مباشرة بموضوع الخطبة؛ ذلك أن الآية القرآنية، والحديث الشريف الصحيح، والموقف الخالد للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو لأحد صحابته، إذا أحسن الخطيب اختياره، وتم وضعه في مكانه المناسب؛ سوف يدعم وجه نظر الخطيب، ويعطي خطبته قوة وتأثيرًا يسري كالسحر في النفوس.

2 -

البعد عن السجع المتكلف والمحسنات المرذولة، والألفاظ المبتذلة الجوفاء، وعدم الإكثار من المجازات والاستعارات، التي كثيرًا ما تخفي المعاني وتطمس

ص: 288

الأغراض، وتأخذ بصاحبها عن سواء القصد، وتبعده عن الهدف؛ بل يجب أن تتميز الرسالة الإعلامية التي تحملها خطبة الجمعة بالبساطة والوضوح؛ حتى يفهمها جميع الحاضرين، ومن المعلوم أن المستويات العلمية للناس متفاوتة، وأن يستبعد الخطيب العبارات والألفاظ الغامضة، واستعراض الخطيب قدراته اللغوية، والتعالي على الجماهير؛ بهدف كسب احترامهم -في الحقيقة- يضيع كثيرًا من الفوائد، التي يجب أن تحويها الخطبة، وأن يحويها أسلوبها من بساطة ويسر.

3 -

أن تكون الخطبة متنوعة الأساليب متعددة الأغراض، كثيرة المعاني، جامعة شاملة، صادرة عن قلوب مؤمنة بما تقول، تعرف ماذا وكيف ومتى تقول، وعلى الخطيب ألا يطيل في خطبته؛ بما يسبب مللًا أو نومًا للناس، فقد كانت خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم معقولة متوسطة، وهو الذي أخبر بأن من مئنة فقه الرجل: قصر الخطبة وطول الصلاة.

4 -

يجب أن تتضمن خطبة الجمعة ما يفهم منه: أن الناس سوف يحصدون في الحياة الدنيا -أيضًا- ثمار أعمالهم الطيبة وليس في الآخرة وحسب؛ لأن في إبراز هذا المعنى ما يشرح الصدور، ويجدد الآمال، ويشحذ العزائم، وهو منطق الحياة وقانون الوجود، فلكل شيء ثمن ولكل عمل أجر، وهذا من سنن الله التي لا تتخلف في حياة الأفراد أو الجماعات أو الأمم.

أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية:

ب- الحج والدعوة إلى الله فيه:

لا شك أنه لا يوجد تجمع كبير للمسلمين كما يوجد في الحج، ومن مقاصد الحج، تنمية الترابط بين المسلمين: فالإحرام يستهدف إعلان المساواة بين

ص: 289

العابدين، ولهذه الفريضة أثر مباشر آخر، هو: إيجاد الترابط بين هؤلاء المؤمنين على أساس من الصفاء والنقاء، بعد أن ارتفع من بينهم التمايز في الاعتبارات البشرية، ويتجلى هذا الترابط بطوافهم حول الكعبة؛ بل إن هذا الترابط غير قاصر على أولئك الطائفين المؤدين للفريضة في عام من الأعوام، وإنما هو تواصل بما كان منذ نبي الله إبراهيم عليه السلام إلى رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ممتدًا هذا التواصل والترابط بين أجيال المؤمنين، الذين يفدون إلى هذا البيت، الذي جعله الله مثابة للناس وآمنًا، وقبلة يتجهون إليها في الصلاة.

فاستمرار الطواف -كواحد من شعائر الحج- يسهم في تذكير المؤمنين بالله، بالصلة القوية التي تربط بين أجيالهم ألا وهي: صلة الإيمان بالله، وهي صلة تاريخية تبرزها عبادة الحج، وتضيفها إلى صلة الترابط بين المؤمنين؛ اتباعًا لرسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت بهذه العبادة.

وصلة الإيمان بالله التي تربط بين قلوب المؤمنين في الأجيال المتتابعة، ينبغي أن تشدهم دائمًا إلى أن يكونوا قوة في مواجهة الإلحاد، الذي يعمل دائمًا على تمييع العقيدة؛ بل ومحاولة حجبها وربما سحبها من القلوب، فهل لنا أن نحرص نحن المسلمين على أن يمتد هذا الترابط بيننا ويشتد؟! وأن نتواصى بالحق؛ حتى يتوافر لهذه الأمة الأمن والأمان؟!

ومن مقاصد الحج أيضًا: تنمية فضيلتي الصبر والمثابرة؛ بل والمبادرة وسرعة الاستجابة على هذا النمط الملحوظ في أداء السعي بين الصفا والمروة، باعتبار أن الاستجابة السريعة هنا، عبادة وقربى إلى الله الذي شرعها.

ولا شك أن حيوية الأمة تقاس بصبرها وجلدها في المحن والأزمات، ومواجهات الشدائد برباطة الجأش وحسن التدبير؛ وذلك يكون بالمثابرة على دقة الفكر ونقاء

ص: 290

الإيمان، وسرعة الحركة لمواجهة الخطر مع الحذر، ذلك الصبر مع البدار إلى المواجهة، هو ما يوحي به السعي بين الصفا والمروة؛ طلبًا لفضل الله ورحمته وهدايته، فقد كان سعي هاجر أم إسماعيل عليها السلام في هذا المكان، سعيًا مبرورًا مشكورًا ما أتمته؛ طلبًا للنجدة وارتقابًا للإغاثة، حتى كانت رحمة الله وثوابه استجابة لدعوة إبراهيم.

وذلك ما ينبغي أن يكون عليه الحجاج؛ استجابة لما يطلبه الله سبحانه من المؤمنين: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (البقرة: من الآية: 158).

وفي الحج ينعقد المؤتمر العام للمسلمين؛ ذلك أن هذا اللقاء الجماعي لأمة الإسلام على اختلاف أوطانهم وألسنتهم وألوانهم لا يقوي فحسب الشعور بالقوة وبالعزة وبترابط المؤمنين برسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا يذكرهم بالمؤمنين السابقين منذ رسالة إبراهيم عليه السلام في محاربة الشرك فحسب؛ وإنما يذكرهم بأبي البشرية آدم عليه السلام ورسالته الأولى؛ تعزيزًا لروابط الإخوة بين المؤمنين على اختلاف الأزمنة وتعاقب الرسالات السماوية.

ولعل ارتباط الحج بأمكنة وأزمنة معينة؛ كان لأن هذه الأمكنة تحدد ذكريات من شأنها أن تطهر النفوس وتزكيها، وتقوي الصلات وتنميها، فهذه الأمكنة لا تقصد لذاتها؛ بل لما يتصل بها من ذكريات العمل والرحمة من أجل الإنسانية ووحدتها، بل وتوحدها بالإيمان والعمل الصالح.

وفي الوقوف بعرفات إشارة إلى اجتماع قوى الحق والإيمان، وثباتهم في وجه الباطل، وتجديد عزائمهم المتحدية لصروف الإفك والإثم والعدوان، فالوقوف بعرفات في واقعه، مؤتمر عام تتجمع فيه قوى الخير وتتضامن وتتواصى بالحق والصبر، ولقد كانت خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع، في مؤتمر عام للمؤمنين، تقرر وتعلن على الملأ حقوق الإنسان وكل الحقوق المتنوعة، وقد أبان

ص: 291

فيها الحلال والحرام، وحذر من الاختلاف، ودعا إلى التآخي بين المؤمنين والتضامن والتعاون؛ حتى ينتصر الحق ويزهق الباطل.

وبهذه المناسبة لا أنسى أن أشير وأن أنوه وأن أشيد بجهود المملكة العربية السعودية الدعوية وغير ذلك في الحج، ويطول الحديث عن ذكر ما تقوم به المملكة خدمة لحجاج بيت الله في جميع المجالات، ولكنني -هنا- أشير إلى جهودهم في الدعوة إلى الله عز وجل فدار الإفتاء وما تقوم به، ووزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، والجامعة والرابطة، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، كل هذه الأجهزة تعمل في الدعوة إلى الله عز وجل وتعلن على الملأ؛ مبينة لهم الدين القويم الذي بعث به سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم فتنتشر وسائل الدعوة إلى الله عز وجل في كل مكان في المشاعر والمنافذ التي يدخل إليها الحجاج.

فهناك إذاعات داخلية وإرشادات ومكاتب وأماكن للفتوى ومطبوعات توزع، وأثناء منى وعرفات تقام السرادقات والأماكن التي تجمع المسلمين؛ لتلقيهم والترحيب بهم، وعقد ندوات ومحاضرات لهم، كل ذلك في الحقيقة استغلال جميل لهذه التجمعات؛ نشرًا لدين الله تبارك وتعالى وهذه إشارة يسيرة أشكر بها القائمين على الدعوة في هذا البلد الطيب المبارك، الذي يحمل -بحق وصدق- لواء الدعوة إلى الله على بصيرة من دين الله عز وجل حيث يعرف هؤلاء الرجال هناك العقيدة الصحيحة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويرفعون راية سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

جـ- النوادي والمحافل:

والنوادي والمحافل: أماكن يتجمع فيها الناس بعضوية أو لمناسبات بعينها، وما دامت أماكن يتجمع فيها الناس؛ فإن على الدعاة أن يغشوها، وأن يكون لهم حضور فيها، وتأثير في جمهورها، وذلك بالدعوة إلى الإسلام وقيمه وآدابه وسلوكياته الراشدة الهادفة.

ولست هنا بصدد مناقشة كيف يصل الدعاة إلى الله إلى هذه النوادي والمحافل؛ لأن أنظمة النوادي أيًّا كان اتجاهها، فلن تعجز الداعية المتفتح عن الوصول إليها، بما أوتيه من لباقة وشخصية وقدرة على تخطي العقبات.

وأود أن أشير هنا ببعض المسائل والأمور، أو أن اقترح بعض الأعمال التي يجب أن يقوم بها الدعاة إلى الله عز وجل مع المدعوين في النوادي والمحافل، وأشير بما يلي:

ص: 292

أولًا: على الدعاة إلى الله عز وجل أن يعقدوا في هذه النوادي محاضرات جيدة، ويعدونها إعدادًا مناسبًا؛ يتناسب مع رواد النوادي، وأن يعقدوا أيضًا الدروس الأخلاقية المعدة إعدادًا جيدًا كذلك، وأن يشاركوا في بعض أنشطة النادي الرياضية التي تلائم الداعية وتحفظ عليه احترامه وهيبته.

وعلى الدعاة أيضًا أن يشاركوا في الرحلات التي يعدها النادي؛ ليكونوا على مقربة من كل نشاط يمارس في هذه النوادي وأن يوجهوا وأن ينصحوا الذين يمارسون هذه الأنشطة ويقومون بهذه الرحلات.

وعلى الدعاة إلى الله أن يوثقوا الصلات ببعض أعضاء النادي الذين يتمتعون بتأثير في عضوية النادي، أو تأثير في الرأي العام؛ لاستثمار هذه الصلة في صالح الدعوة إلى الله عز وجل.

وعلى الدعاة أن يشجعوا رواد النوادي على ارتياد مسجد النادي، وإذا لم يكن فيه مسجد؛ عليهم أن يسعوا في إيجاد مكان للصلاة فيه. وهذه مسائل مهمة أود من الدعاة إلى الله تبارك وتعالى أن يستفيدوا منها لأنها أماكن يتجمع فيها الناس وقد تكون فيها الاتجاهات متوجهة وجهة غير سليمة.

أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى وهي المؤتمرات:

وأعني بالمؤتمرات: الدعوة إلى الله عز وجل من خلال المؤتمرات التي تعقد؛ لأن المؤتمر تجميع يدعى إليه أكبر عدد ممكن من مختلف المناطق المهتمة بالعمل الإسلامي، ويغلب على المدعوين في هذه المؤتمرات الثقافة كما يغلب عليهم الاهتمام بقضايا المسلمين إن كانوا مسلمين.

ويستهدف المؤتمر التقريب بين أرجاء العالم الإسلامي المترامي الأطراف، وعلى الدعاة أن يهتموا بالدعوة إلى الله عز وجل في هذه المؤتمرات ليس في قطر بعينة، ولكن

ص: 293

في أي قطر يمكن أن يعقد فيه مؤتمر؛ توثيقًا للأخوة الإسلامية، ودعمًا لفكرة أن المؤمنين إخوة؛ وذلك يساعد على وحدة المسلمين ويحي فكرة الأمة الإسلامية الواحدة بينهم، ويوصل دين الله تبارك وتعالى إلى هذه الجموع الموجودة، فعلى الدعاة إذًا، الاستفادة من هذه التجمعات التي يلتقي فيها أرباب الثقافة ورموز الأمة، وأن يساهموا في توجيه برامج هذه المؤتمرات بما يعود على المسلمين بالفوائد العاجلة والآجلة.

أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى أخيرة وهي التجمعات النسائية:

للمرأة دورًا كبير ومكانة عالية في المجتمع؛ فهي الأم، والزوجة، والبنت، وعليه: فيجب الاهتمام بهن والدعوة بينهن، كما يجب الاهتمام بالتجمعات النسائية، ومهما تنوعت الاجتهادات وتغيرت الاتجاهات؛ فإن ذلك لا يخفي حقيقة أن المرأة كان لها وجود مكثف في الأسرة وفي المجتمع، وكان النساء في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقمن بدور فعال في الدعوة إلى الله عز وجل.

وبالتالي: على الدعاة أن يوجهوا قسطًا كبيرًا من الدعوة إلى الله في وسط النساء، وأن يهتم الدعاة بهن؛ حتى يخرجن من بين هؤلاء النسوة فضليات يدعون إلى الله تبارك وتعالى ولقد كانت أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- عالمة فقيهة تدعو إلى الله عز وجل بنور من كتاب الله وهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي هذا الإطار أود أن أشير إلى ضرورة إيجاد داعيات إلى الله عز وجل ينتشرن بين النساء وفي التجمعات النسائية؛ ليقمن بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

وختامًا أصلي وأسلم على خير الورى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ص: 294