الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والزهد والعلم والإنصاف رحمه الله تبارك وتعالى وهو أحد خلفاء بني أمية التي قامت دولتهم بقيام الخليفة أيضًا الراشد العادل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه- وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعاوية من الصحب الكرام يجب علينا أن نثني عليه.
وإن كان عمر بن عبد العزيز عادلًا إلا أنه لا يصل مبلغ معاوية رضي الله عنه لأنه لا يصل أحد من هذه الأمة مبلغ صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أقول هذا حتى لا يفهم إنسان حينما نشيد بعمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- أننا لا نذكر هذا في خلفاء بني أمية الآخرين، وعلى رأسهم مؤسس هذه الدولة الخليفة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه- وهو صحابي جليل من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ولعلنا بعد هذا نكون قد أخذنا فقها من سيرة هذا الخليفة الزاهد الراشد رحمه الله تبارك وتعالى فندعو علماءنا وحكامنا إلى التبحر في العلم، وإلى العدل والإنصاف، وإلى طلب الحق وأن يحكموا بين الناس بالقسط.
وعلى كل عبد أن يتذكر دائما الوقوف بين يدي الله عز وجل لتستقيم أعماله بذلك، وهذا كان عمل هذا الخليفة الراشد الزاهد رحمه الله تبارك وتعالى حتى عد مجددًا للمائة الأولى في الإسلام، وأكتفي بهذا القدر.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
2 -
ترجمة الإمام أحمد -رحمه الله تعالى
سيرة الإمام أحمد الذاتية
الحمد لله الكبير المتعال، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:
قال الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله تبارك وتعالى في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل: هو الإمام حقًّا، وشيخ الإسلام صدقًا، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس، وكان محمد والد أبي عبد الله من "أجناد مرو" مات شابًا له نحو من ثلاثين سنة، ورُبِي أحمد يتيمًا، وقيل: إن أمه تحولت من "مرو" وهي حامل به.
قال صالح بن أحمد: قال لي أبي: وُلِدت في ربيع الأول سنة أربعة وستين ومائة ومات أبوه شابًا فوليته أمه.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: طلبت الحديث سنة تسع وسبعين فسمعت بموت حماد بن زيد وأنا في مجلس هشيم.
قال صالح: قال أبي -يعني أحمد بن حنبل-: ثقبت أمي أذني، فكانت تصير فيهما لؤلؤتين، فلما ترعرعت نزعتهما، فكانت عندها، ثم دفعتها إلي فبعتهما بنحو من ثلاثين درهمًا.
قال أبو داود رحمه الله تبارك تعالى-: سمعت يعقوب الدورقي سمعت أحمد يقول: وُلِدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وبهذا يتبين أن تاريخ ولادته رحمه الله تبارك وتعالى متفق عليه لا خلاف فيه، وقدم به أبوه من "مرو" وهو حمل فوضعته أمه ببغداد، وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين -رحمه الله تعالى.
وعن محمد بن عباس النحوي قال: رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه ربعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظًا بيضًا ورأيته معتمًّا وعليه إزار، وقال المروزي: رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت عامة جلوسه متربعًا خاشعًا، فإذا كان خارج بيته لم يتبين منه شدة خشوع، وكنت أدخل والجزء في يده يقرأ رحمه الله تبارك وتعالى.
كان أيضًا للإمام أحمد شيوخ كثيرون، وقد ذكر منهم الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- الكثير والكثير، كما ذكر غيره، وقد قال الإمام الذهبي في هذا عن الإمام أحمد رحمه الله قال: بأنه طلب العلم وهو ابن خمسة عشر سنة في العام الذي مات فيه مالك وحماد بن زيد، فسمع من إبراهيم بن سعد قليلًا، ومن هشيم بن بشير فأكثر وجوّد، ومن عباد بن عباد المهلبي، ومعتمر بن
سليمان التيمي، وسفيان بن عيينة الهلالي، وأيوب بن النجار، ويحيى بن أبي زائدة، وعلي بن هاشم البريد
…
وعد أناسًا كثيرين رحمه الله تبارك وتعالى إلى أن قال: وخلائق إلى أن ينزل في الرواية عن قتيبة بن سعيد، وعلي بن المديني، وأبي بكر بن أبي شيبة، وهارون بن معروف، وجماعة من أقرانه، ثم قال: فعدة شيوخه الذين روى عنهم في (المسند) مائتان وثمانون ونيف، وحدّث عنه البخاري حديثًا، وعن أحمد بن الحسن حديثًا آخر في (المغازي) وحدث عنه مسلم وأبو داود بجملة وافرة، وروى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة عن رجل عنه، وحدث عنه أيضًا ولداه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق.
وشيوخه عبد الرزاق، والحسن بن موسى الأشيب، وأبو عبد الله الشافعي، لكن الشافعي رحمه الله لم يسمه، بل قال: حدثني الثقة، وحدث عنه علي بن المديني، ويحيى بن معين، ودحي، وأحمد بن صالح، وأحمد بن أبي حواري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن الفرات، والحسن بن الصباح البزار، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني.
وقال الإمام الحافظ بن كثير رحمه الله تبارك وتعالى عن شيوخ الإمام أحمد بن حنبل، وأيضا عن تلاميذه وطلبه للعلم، قال: وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك، وأقبل على سماع الحديث، فكان أول طلبه وأول سماعه من مشايخه في سنة سبع وثمانين ومائة، وقد بلغ من العلم ستة عشر سنة، وهذا يدل على أن الإمام أحمد رحمه الله تبارك وتعالى بدأ في الطلب وهو صغير السن.
وأول حجة حجها في سنة سبع وثمانين ومائة، ثم سنة إحدى وتسعين فيها حج الوليد بن مسلم، ثم سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج
في سنة ثمانٍ وتسعين، والغرض من ذكر ذلك: أنه أيضًا كان رحمه الله تبارك وتعالى يطلب العلم، ويأخذ عن الشيوخ أثناء هذه الحجات، وجاور إلى سنة تسع وتسعين، وقد سافر أيضًا في هذه السنة إلى عبد الرزاق إلى اليمن، فكتب عنه هو ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه، قال الإمام أحمد حججت خمس حجج منها ثلاث راجلة، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا رحمه الله.
وقال ابن أبي حاتم: عن أبيه عن حرملة سمعت الشافعي قال: وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم علي مصر فلم يقدم، قال ابن أبي حاتم: يشبه أن تكون خفة ذات اليد منعته أن يفي بالعدة، وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم.
قال البيهقي رحمه الله بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد، وقد ذكر أحمد بن حنبل في (المسند) وغيره عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور.
وحين توفي أحمد وجدوا في تركته (رسالتي الشافعي الجديدة والقديمة) وهذا يدل على أن الإمام أحمد أخذ عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ولذلك قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى قلت: قد أفرد ما رواه أحمد عن الشافعي، وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثًا، ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد عن الشافعي عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم البعث)).
وقد قال الشافعي لأحمد لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين ومائة -وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثين سنة- قال له: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم
الحديث فأعلمني به، أذهب إليه حجازيًّا كان أو شاميًّا أو عراقيًّا أو يمنيًّا، وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد وإجلال له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحح أو ضعف يرجع إليه، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء -كما سيأتي- ثناء الأئمة عليه واعترافهم له بعلو المكانة في العلم والحديث، وقد بعد صيته في زمانه، واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق رحمه الله تبارك وتعالى.
جاءت كلمات كثيرة تبين ورع وزهد وتقلل الإمام أحمد رحمه الله تبارك وتعالى من هذه الدنيا، ومن ذلك ما قاله ابنه صالح رحمه الله قال: دخلت على أبي يومًا أيام الواثق -والله يعلم على أي حال نحن- وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه، قد أتى عليه سنون كثيرة حتى بلي، يعني: فراش وإذا تحته كتاب كاغد فيه -يعني: كتاب في قرطاس- فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يد فلان، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته عن أبي.
قال فقرأت الكتاب، -يعني: صالح- قرأ هذا الكتاب الذي كان مكتوبًا في الكاغد قال: ووضعته، فلما دخل قلت: يا أبت ما هذا الكتاب؟ فاحمرّ وجهه، وقال: رفعته منك، ثم قال: تذهب لجوابه؟ فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إلي، ونحن في عافية، فأما الدين فإنه لرجل يرهقنا، وأما عيالنا ففي نعمة الله، قال: فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان قد أوصل كتاب الرجل، ولما كان بعد حين، ورد كتاب الرجل مثل ذلك، فرد عليه بمثل ما رد، فلما مضت سنة أو نحوها ذكرناها فقال أبي: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت، وهذا يدل على تعففه رغم أنه بحاجة رحمه الله تبارك وتعالى.-
وقال أيضًا الحافظ الذهبي -نقلًا عن صالح بن الإمام أحمد يقول: وشهدت ابن الجروي، وقد جاء بعد المغرب، فقال لأبي: أنا رجل مشهور، وقد أتيتك في هذا الوقت، وعندي شيء قد أعددته لك، وهو ميراث، فأحب أن تقبله، فلم يزل به، فلما أكثر عليه قام فدخل، قال صالح: فأخبرت عن ابن الجروي أنه قال: قلت له: يا أبا عبد الله هي ثلاثة آلاف دينار، قال: فقام وتركني، قال صالح: ووجه رجل من الصين بكاغد صيني إلى جماعة من المحدثين، ووجه بقمطر إلى أبي -والقمطر: شيء تصان الكتب- والكاغد: هو القرطاس الذي يكتب فيه، وولد لي مولود فأهدى صديق لي شيئًا -وهذا القمطر أولًا الذي أهدي للإمام أحمد رحمه الله رده كما ذكر ابنه صالح- وقال صالح: ثم ولد لي مولود فأهدى صديق لي شيئًا، ثم أتى على ذلك أشهر، وأراد الخروج إلى البصرة -يعني: هذا الصديق، فقال لي: تُكلم أبا عبد الله يكتب لي إلى بعض المشايخ بالبصرة فكلمته، فقال لولا أنه أهدى إليك كنت أكتب إليه أو أكتب له، وهذا يدل على ورع الإمام رحمه الله تبارك وتعالى.
وقال أحمد بن سنان بلغني: أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز باليمن، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه، وعرض عليه عبد الرزاق اليماني الصنعاني دراهم صالحة فلم يقبلها، وبعث ابن طاهر حين مات أحمد بأكفان وحنوط، فأبى صالح أن يقبلها، وقال: إن أبي قد أعد كفنه وحنوطه ورده، فراجعه، وقال: إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد الله مما يكره، وهذا مما يكره، فلست أقبله، وهذا يدل على غاية في الورع والزهد والعفة، وأن ولده رحمه الله تبارك وتعالى كان يعلم عن أبيه: أنه لا يقبل ذلك من خلال سيرته مع أبنائه، ولذلك رد ما تقدم به ابن طاهر رحم الله تبارك وتعالى الجميع.
ثناء العلماء عليه:
ذكر الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى كثيرًا من أئمة أهل العلم الذين أثنوا على الإمام أحمد رحمه الله تبارك وتعالى، ومما ذكر في ذلك أنه قال: قال البخاري رحمه الله تبارك وتعالى: لما ضُرِب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة، فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل كان أحدوثة، وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبيًّا، وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من العراق فما تركت رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل، وقال شيخه أحمد يحيى بن سعيد القطان -وهو شيخ الإمام أحمد-: ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل.
وقال قتيبة: مات سفيان الثوري، ومات الورع، ومات الشافعي، ومات السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع، وقال: إن أحمد بن حنبل قام في الأمة مقام النبوة، الله أكبر .... ما أعظم هذه الكلمات! وهذا الثناء في شأن هذا الإمام العالم الجليل الورع رحمه الله تبارك وتعالى!!
وكل ذلك كان بسبب تمسكه بالسنة، وعنايته بعقيدة السلف الصالح رحمه الله تبارك وتعالى، ولذلك قال الإمام البيهقي رحمه الله عز وجل معقبا على القول: بأن الإمام أحمد قام في الأمة مقام النبوة، قال: يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله، وقال أبو عمر بن النحاس، وذكر أحمد يومًا فقال: رحمه الله في الدين ما كان أبصره!! وعن الدنيا ما كان أصبره!! وفي الزهد ما كان أخبره!! وبالصالحين ما كان ألحقه!! وبالماضين ما كان أشبهه!! عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.
وقال بشر الحافي: بعدما ضُرب أحمد بن حنبل: أُدخل أحمد الكير فخرج ذهبا أحمر، وقال الميموني، قال لي علي بن المديني بعدما امتحن أحمد، وقيل قبل
أن يمتحن: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام مقام أحمد بن حنبل، فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالة علي بن المديني، فقال: صدق. إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارًا وأعوانًا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان، ثم أخذ أبو عبيدة يطري أحمد، ويقول أبو عبيدة القاسم بن سلام يقول: لست أعلم في الإسلام مثله، وقال أبو إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبالِ إذا لقيت ربي كيف كان. وقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل. ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله.
وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا، وقال يحيى بن معين أيضًا: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقته.
هذا بعض كلمات مما قيل في هذا العالم الجليل، وقد أحببت أن أذكر أكثر من هذا، ولكني أكتفي بما ذكرت وقلت، وأردت بهذا أن أنوّه بشأن هذا الإمام العالم الجليل الذي امتحن في الله تبارك وتعالى كما سيأتي بيان ذلك، وأن أبين لعموم المستمعين ولطلبة العلم حتى يبلغوا ما وراءهم، بأن الإمام أحمد بن حنبل كان إمامًا في أهل السنة والجماعة يقتدى به، وأنه سلك طريقة سلف هذه الأمة الصالحين، وأن أعيان أئمة أهل العلم أثنوا عليه رحمه الله وعليه أقول: لا يلتفت إلى من غمز أو لمز على هذا الإمام الرباني، العالم الجليل رحمه الله تبارك وتعالى.
وصيته ووفاته: عن أبي بكر المروزي قال: نبهني أبو عبد الله ذات ليلة وكان قد واصل، ولا شك أنه كان يواصل، إما لمرضه أو لعدم طعام يأكله رحمه الله فقد كان زاهدًا متعففًا، قال: فإذا هو قاعد، فقال -يعني الإمام أحمد- هو الذي قال:
هو ذا يدار به من الجوع فأطعمني شيئًا، قال أبو بكر المروزي: فجئته بأقل من رغيف فأكله، وكان يقوم إلى الحاجة فيستريح، ويقعد من ضعفه؛ حتى إن كنت لأبل الخرقة، فيلقيها على وجهه لترجع إليه نفسه، بحيث إنه أوصى فسمعته يقول عند وصيته -ونحن بالعسكر، وأشهد على وصيته-: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
هكذا ذكر أبو بكر رحمه الله عن وصية الإمام أحمد، ولا شك أنه ذكر أعظم ما فيها، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: استكملت سبعًا وسبعين سنة، ودخلت في ثمانٍ، فحمَّ من ليلته، ومات اليوم العاشر.
وقال صالح بن أحمد أيضًا: لما كان أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم يتنفس تنفسًا شديدًا، وكنت قد عرفت علته، وكنت أمرضه إذا اعتل، فقلت له: يا أبت علام أفطرت البارحة؟ على ماء الباقلاء، ثم أراد القيام، فقال: خذ بيدي، فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعف، وتوكأ إليه، وكان يختلف إليه غير متطبب كلهم مسلمون، فوصف له مطبب قرعة تشوى، ويسقى ماءها، وجاء جار لنا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
وهنا أقف وقفة عند قول هذا الإمام رحمه الله لأبين وأذكر وأوضح أن الإمام أحمد كان معظمًا للسنن والآثار رحمه الله تبارك وتعالى وهذا شيء جميل من هذا الإمام، هو في مرض موته رحمه الله لما رأى جارًا له قد خضب شعره قد فرح بذلك، وقال: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
قال ابنه صالح -رحم الله الجميع-: واجتمعت عليه أوجاع ولم يزل عقله ثابتًا، وهذه نعمة من نعم الله على مثل هؤلاء الأئمة رحمهم الله تبارك وتعالى أن الله يحفظ
عليهم عقولهم لما كانوا عليه في الدنيا من تتبع للأثر والحديث واتباع لكتاب الله، وهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما كان من يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار توفي رحمه الله تبارك وتعالى، وهذا يدل على أنه رحمه الله مات في ربيع الأول، وكان هذا في يوم جمعة.
وقال المروزي: مرض أحمد تسعة أيام، وكان ربما أُذِن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلمون ويرد بيده، وتسامع الناس، وجاءه حاجب بن طاهر فقال: إن الأمير يقرؤك السلام، وهو يشتهي أن يراك، وقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره.
قال أي المروزي: وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر -يعني إلى الناس- يعلمونهم بمرضه، وشأنه وحاله رحمه الله والبرد تختلف كل يوم، وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم، ودخل عليه شيخ، فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أبو عبد الله، وسالت دموعه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادع لي الصبيان بلسان ثقيل، قال: فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع، وأدخلت تحته الطست هكذا، يقول ابنه رحمه الله فرأيت بوله دمًا عبيطًا، يعني: طريًّا، فقلت للطبيب: هذا الأمر ما هذا؟ فقال: هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه.
واشتدت علته يوم الخميس، ووضأته فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثَقُل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع.