الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع
(المسجد والمدرسة ودورهما في الدعوة)
1 -
المسجد؛ مكانته في الإسلام، ودوره في تبليغ الدعوة
المسجد، ورسالته بين المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
وعنوان هذا اللقاء: "المسجد؛ مكانته في الإسلام، ودوره في تبليغ الدعوة" وتشتمل هذه المحاضرة على العناصر التالية:
العنصر الأول: بعنوان: "المسجد، ورسالته بين المسلمين" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- التعريف بالمسجد، وفضل بنائه:
إن المسجد في الإسلام: هو كل موضع يُتعبد فيه رب العزة والجلال سبحانه وتعالى وذلك لقول رسول الهدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه-: ((وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)) والمسجد في لغة العرب: اسم لمكان السجود، وعرفًا: اسم للمكان الذي أعد للصلاة، وعندما تقام صلاة الجمعة أو الجماعة في المسجد، يطلق عليه المسجد الجامع، وقد اختصر في الصدر الأول للإسلام على إطلاق كلمة المسجد أو المسجد الجامع عليها، وأرض المسجد لا بد وأن تكون أرض طيبة طاهرة من النجاسات، ومما ينفر من القرار فيه، وألا تكون مغتصبة، ولا يجوز بناء المساجد على القبور.
ويجوز أن تكون أرض المسجد متبرعًا بها من مالك ملكًا صحيحًا شرعيًّا، أو موهوبة أو موقوفة لإقامة المسجد عليها، أو مشتراة كذلك بمال مكتسب من حلال؛ لأنه آنَ إِذْ إنفاقٌ في سبيل الله، وقد حث القرآن الكريم على الإنفاق من طيب الكسب، وذلك في قول الله تبارك وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (البقرة: من الآية: 267).
وكان المسجد أول ما بادر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بنائه، حتى تظهر فيه شعائرُ الإسلام، وتقام الصلوات التي تجمع المسلمين وتربطهم برب العالمين، وتألف بين قلوبهم.
ففي كتب السيرة وفي الصحيحين وغيرهما: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنى مسجده الجامع بالمدينة، حيث بركت ناقته عليه الصلاة والسلام في مكان مملوك لغلامين، يكفلهما
أسعد بن زرارة رضي الله عنه ورغب الغلامان في النزول على المكان لله تعالى، فأبَى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ابتياعه بثمنه، وكان في هذا الموضع نخيل وشجر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقطع النخيل والشجر، وبُني باللبن وجذوع النخل والشجر، وشارك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابَه في حمل اللبنات والأحجار.
وأقيم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته اللبنات والأحجار، وأقيم المسجد بهذه الهيئة -كما ذكرت- إلا أنه خرج رجالًا، ألا وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلى كلٍّ، فما ذكرته يفيد بعد تعريف المسجد في اللغة والعرف، أن المسجد ينبغي أن يقام على أرض مكتسبة أعدت لهذا الغرض بطريق مشروع، وذلك عن طريق الشراء أو الكراء أو الهبة أو التبرع، وأن يكون الإنفاق عليه من أطيب الكسوب، ولقد ظل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه البساطة مدة حياته، وأيضًا في خلافة أبو بكر رضي الله عنه.
وزاد في بنائه عمر رضي الله عنه ثم زاد فيه زيادة كبيرة وغيره عثمان رضي الله عنه وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجير، وجعل أعمدته من حجارة منقوشة، وكان -رضي الله تعالى عنه- يحرص على أن يكون أيضًا بناء المسجد بناءً غير متوسع فيه ولا متكلف، وليس في نصوص الإسلام -القرآن والسنة- شروط محددة لبناء المسجد، ولكن البيان العملي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم يفيد أنه لا بد من أرض طاهرة غير مغتصبة على نحو ما سبق من بيان لمصدرها بتصرف شرعي، وأن تكون الأموال التي أنفقت كسوبًا حلالًا مبرأة من المحرمات، ومن أي شبهة.
أما نموذج المسجد، فإنه غير محدد، فقد يكون مسجدًا صغيرًا للقبيلة أو للقرية الصغيرة، وقد يكون مسجدًا جامعًا لقرى أو لقبائل عديدة، ومواد بنائه تختلف
من عصر إلى عصر، ومن مصر إلى مصر، أو إلى قرية أو إقليم أو قارة، وما إلى ذلك.
وقد ثبت أن عمر وعثمان رضي الله عنهما أعادَا بناءَ مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وزادَا فيه كل حسبما وسعته القدرة، مع مراعاة ما استحدث من فنون العمارة، وفِقه هذا التطور للسعة في المسجد، وفي تغير مواد البناء في عهد عثمان رضي الله عنه يفيد أنه ينبغي للمسلمين ألا يتخلفوا في عمارة المساجد ومنشآتها، ع ما اتخذه المسلمون في بيوتهم ومنازلهم من مواد البناء، وفنون إقامتها، ووفائها بمهامها، واستحداث ما استحدث من أنواع الفرش دون سرف أو ترف، فإذا كانت المساجد اليوم تحتاج إلى فراش نظيف فلا بد منه، وإلى دورات مختلفة معدة مهيئة نظيفة، فهو أمر ضروري ومطلوب، وإن كان الناس اليوم يحرصون على أن يكيفوا بيوتهم، فبيوت الله عز وجل أولى بذلك.
والشاهد من كل هذا: أنه لا ينبغي على المسلمين أن يتخلفوا في إنشاء المساجد والاهتمام والعناية بها، عما يقيمونه لأنفسهم في حياتهم الدنيوية.
ويشير إلى تجميل المسجد وتنظيفه وتطهيره وتطيبه، قول الحق تبارك وتعالى:{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الأعراف: من الآية: 31) إذ في أمر هذا النص بأخذ الزينة عند الذهاب إلى المسجد، إشارة إلى تزيين المساجد وتنظيفها وتطيبها كذلك بما يتعارفه الناس.
ولقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الفتوحات الإسلامية في خلافته إلى كل من أبي موسى الأشعري والي البصرة، وسعد بن أبي وقاص والي الكوفة، وعمرو بن العاص والي مصر رضي الله عنهم، يأمرهم أن يتخذوا مسجدًا للجماعة، كما يتخذوا مسجدًا للقبائل، فإذا كان يوم الجمعة انضم أهل مساجد القبائل إلى مسجد الجماعة، وكان صلاة الجمعة تُؤدى في المسجد الجامع.
ومن المعلوم: أن المسجد بُني ليعبد الله تبارك وتعالى فيه، وأن يعبد وحده دون سواه، وقد نص الله على ذلك فقال:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجن: 18).
وقد ورد في بناء المساجد وفضل بنائها أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها:
ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من بنى مسجدًا لله تعالى، بنَى الله له بيتًا في الجنة)).
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي:
ب- بعنوان: المسجد المدرسة الأولى في الإسلام:
المسجد أول مدرسة في الإسلام، تبني الأجيال وتصنع الأبطال، وتعدهم خير إعداد، وعن طريقهم يقوم كيان الأمة الروحي، كما أنه الأساس لدعم وجودها المادي، وقد أخبر الله عز وجل أن المسجد يقوم فيه الرجال، قال تعالى:{لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} (التوبة: 108، 109).
والمسلم من سماته الطهارة الحسية والمعنوية، فهو مطالب في صلاته بأن يكون طاهرَ الثوب والبدن والمكان، كما أن الله يحبه طاهرًا على كل حال، وفي كل شيء، ونعني بذلك: النظافة، وحسب المصلي أن يتطهر لكل صلاة، بحيث لا تقبل صلاته إلا إذا كان طاهر الثوب والبدن والمكان، إلي جانب طهارته من الحدث الأصغر للوضوء والأكبر بالغسل، كما يندب الإسلام إلى احترام شعور الغير في المجتمعات، فلا تقع حواسهم على ما يسوؤهم، وذلك بالاغتسال في يوم الجمعة، والتجميل بالثياب الحسنة للمساجد، إلى غير ذلك من الآداب الإسلامية العظيمة.
وإلى جانب ذلك: الطهارة المعنوية التي تتعلق بالجوارح؛ كيلا يقترف المسلم إثمًا، أو يرتكب منكرًا، أو يدنس نفسه بمعصية، كما تتعلق أيضًا بالقلوب، بحيث لا يحمل المسلم المؤمن المصلي لربه غِلًّا ولا حقدًا ولا حسدًا لأحد من خلق الله تعالى.
وفي المسجد يتدارس المسلمون كتاب الله، ويتلونه، ويؤدون الشعائر الدينية بإقامة الصلاة، وذكر الله عز وجل وتبصير المترددين على المسجد في شئون الدين والدنيا، وصبغتهم بالصبغة الإسلامية؛ لتكون لهم سلوكًا في حياتهم، وحتى لا يجرفهم تيار الرزيلة، فيقضي عليهم.
فرسالة المسجد إذن -على كل حال- تعليمية، تخلص الإنسان من عار الجهل، وتخلع عليه لباس الفضيلة، وتنقيه من الرزيلة، وهنا ندرك معنى قول الله تبارك وتعالى:{إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (العنكبوت: من الآية: 45) فالصلاة تطهر الإنسان الذي يعتادها، ويحب التشرف بأداء هذه الصلاة في المسجد، تطهره من الأنانية وحب الذات، وهذا أيضًا أثر بالغ الخطورة في حياة المجتمع، حين يتخلص من هاتين الرزيلتين.
وقد سبق أن ذكرت لكم أن رب العزة والجلال سبحانه أخبر في كتابه: أن الذين يقومون في المساجد في بيوت الله تبارك وتعالى إنما هم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تبارك وتعالى فهم يذكرون جلال الله وعظمته في كل شأنهم، ويراقبونه في جميع أعمالهم، وذلك مدعاة الإحسان والإتقان، كما أن ذلك أثر على الإنتاج ونجاح الأعمال وانتشار ألوية الحب، التي تظلل المجتمع، لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد.
وكان للمسجد رسالته وله دوره، الذي يَصِلَ المسلمَ بربه أيضًا، كما كان له دوره الاجتماعي الذي يحقق له حياة عزيزة كريمة، ويصله بكل الحب والود ببني جنسه؛ بل وبالحياة كلها من حوله.
أنتقل إلى النقطة الثالثة في هذا العنصر، وهي:
جـ- بعنوان: دور المسجد لا يتعارض مع المؤسسات التربوية الأخرى:
وأقول هذا؛ حتى لا يظن ظان عندما تحدثت عن دور المسجد، وأنه هو المدرسة الأولى في الإسلام، أن هناك تعارضًا وتناقضًا أو انتقاصًا من دور الجامعات ومعاهد العلم والتعليم الأخرى، عندما تحدثت عن دور المسجد ومكانته، أو يظن ظان أن الدعوة إلى التعليم المسجدي الذي كان سائدًا في بعض المساجد الإسلامية ولا يزال سائدًا في بعضها الآخر حتى الآن، يتعارض أيضًا مع المؤسسات التربوية الأخرى، وتوضيح ذلك في كلمات أقول فيها:
إن المسجد رُوح قبل كل شيء، ومتى وجدت هذه الروح في الجامعات والمعاهد والمدارس في العالم الإسلامي، فهي قادرة - بحول الله وقوته- على أداء دورها في إحداث النهضة، وبث اليقظة، ومحاربة الانحراف الديني والخلقي والسياسي والتربوي، وغيرها من الانحرافات الأخرى في أوساط المسلمين، وعندما يصبح معلمو المدارس ومديروها والمشرفون عليها على درجة عليا من الخلق والاستقامة والكفاءة، فإنها سوف تؤدي رسالة المسجد على أفضل وجه، مهما كان نوع العلوم التي تدرس بها، سواء كانت هي من علوم الدين أو من علوم الدنيا.
فالعلم على كلٍّ هو أساس العملية التربوية، وفي حديث طويل عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله تعالى لم يبعثنِ معنتًا ولا متعنتًا)) ((معنتا)): يعني: شقاءً على العباد. ((ولا متعنتا)): يعني: طالبًا العنت والمشقة عليهم، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا.
والجامعات هي الأخرى مشتقة من الجامع؛ لأن الجامع في الإسلام هو المؤسسة الأولى للتربية والتعليم بعد دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفيما سبق أشرت إلى دور المساجد الجامعة في الإسلام، في التربية والتعليم والتوجيه الديني والخلقي، وكيف كانت تلك الجوامع هي محور الحياة المدنية الإسلامية.
إذن، فالفارق بين المدرسة وبين المسجد، وبين الجامعة وبين الجامع، هو فارق في الشكل فقط، وإلا فالمدرسة في الإسلام مسجد، والمسجد في الإسلام مدرسة،
حيث لم تظهر المدارس في تاريخ التربية الإسلامية إلا في حدود القرن الرابع الهجري، وكانت في البداية نشأتها فرعًا من فروع المسجد، ثم تطورت إلى أن أصبحت هي من الأصول، وأصبح في بعض الأحيان المسجد جزءًا منها.
وأقول -بناء على هذا الارتباط الوثيق بين المسجد وبين التعليم والعلم في الإسلام، ابتداءً من المدرسة الابتدائية، وانتهاء بالجامعة والمدارس والمعاهد العليا-: ينبغي علينا عند تكوين الأجيال الإسلامية وبناء شخصياتهم العلمية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، ألا نجعل مَن نعلمهم تفارقهم روح المسجد في هذا البناء وذلك التكوين، وأن يستحضر العاملون في التعليم أعمال المسجد التربوية، وأنشطته الثقافية؛ لأن الإسلام يدعو إلى العلم والعمل، وإلى معرفة ما ينفع من علوم الدين، وما يحتاج إليه المسلم من العلوم المادية الدنيوية، بما لا يتعارض في ذلك مع الإسلام؛ لأن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والدنيا، أو بين العبادة وبين التعليم، أو بين مطالب الروح ومطالب الجسم.
ومن هنا ينبغي علينا أن نعيد معاهدنا ومدارسنا وجامعتنا ما فقدته من روح المسجد في أعمالها العلمية والتربوية في وقتنا الحاضر، وقد تأثر بعض الناس بالحضارة الأوربية التي تجعل التعليم في مدارسها تعليمًا مدنيًّا خالصًا، ولا علاقة له بالدين لا من قريب ولا من بعيد، وتحصر تعليم الدين في مدارس خاصة، ومعاهد خاصة، لمن يشاء أو يريد.
أما العالم الإسلامي، فلم يمر بالترجمة التي مرت بها أوربا لسبب بسيط، وهو أنه لا رهبانية في الإسلام، أو أنه لا تعارض بين العلم وبين الدين، حتى ولو كانت هذه العلوم من العلوم المادية الدنيوية النافعة، كما أنه لا يوجد في الإسلام الفصل التام بين التعليم الديني والتعليم المدني؛ لأن الإسلام يعتبر التعليمين