المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مقدمات في الإعلام - أصول الدعوة وطرقها ٤ - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع

- ‌الأَحْوَالُ السياسيةُ قَبْلَ الإسْلامِ

- ‌أَبْرَزُ المَعالِمِ السياسيةِ الداخليَّةِ والخارجيةِ للدَّولةِ الإسلامِيةِ

- ‌خَصَائِصُ النِّظامِ السياسيِّ في الإسْلامِ

- ‌نِظامُ المجتمَعِ في الإسلامِ

- ‌خَصائِصُ النِّظامِ الاجتماعيِّ في الإسلامِ

- ‌وُجُوبُ الاجتماعِ على الكِتابِ والسُّنَّةِ، ونبذُ الاختلافِ والفُرْقَةِ

- ‌الدرس: 2 أثر الإسلام على الاقتصاد وكون الإسلام عقيدة وشريعة

- ‌تعريف الاقتصاد وأساسه

- ‌خصائص النظام الاقتصادي

- ‌دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي

- ‌تعريف العقيدة، وأهميتها، والمناهج في إثباتها

- ‌معنى الشريعة والأسس التي بنيت عليها

- ‌التشريع حق لله وحده دون سواه

- ‌الدرس: 3 إلمامة بأركان الإيمان

- ‌مذهب السلف في الإيمان مع ذكر أركانه

- ‌الركن الأول من أركان الإيمان؛ الإيمان بالله

- ‌الركن الثاني من أركان الإيمان؛ الإيمان بالملائكة

- ‌الركن الثالث من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب

- ‌الركن الرابع من أركان الإيمان؛ الإيمان بالرسل عليهم السلام

- ‌الركن الخامس من أركان الإيمان؛ الإيمان باليوم الآخر

- ‌الركن السادس من أركان الإيمان؛ الإيمان بالقدر

- ‌الدرس: 4 إلمامة تحليلية بأركان الإسلام

- ‌تعريف الإسلام، وذكر أركانه، وما يتعلق به

- ‌الركن الأول من أركان الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌شهادة أن محمدًا رسول الله

- ‌الركن الثاني من أركان الإسلام؛ الصلاة

- ‌الركن الثالث من أركان الإسلام؛ الزكاة

- ‌الركن الرابع من أركان الإسلام؛ الصيام

- ‌الركن الخامس من أركان الإسلام؛ الحج

- ‌أثر الإيمان والعقيدة في تكوين الفرد والمجتمع

- ‌الدرس: 5 الإعجاز في القرآن الكريم طريق من طرق أصول الدعوة

- ‌المعجزة في زمانها ومكانها

- ‌المعجزة الخالدة القرآن الكريم

- ‌الدرس: 6 موقف الإسلام من العلم الكوني، والدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان

- ‌العلاقة بين الإسلام والعلم

- ‌الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

- ‌الدلالة على أن خالق الإنسان هو مكون الأكوان

- ‌الدرس: 7 المسجد والمدرسة ودورهما في الدعوة

- ‌المسجد، ورسالته بين المسلمين

- ‌دور المسجد في المجتمع المسلم

- ‌بعض وظائف المسجد

- ‌دعوة الطلاب إلى الله في المدارس والجامعات:

- ‌الدعوة إلى الله بين المدرسين، وأساتذة الجامعات

- ‌دور المدرسة في تحقيق أهداف التربية الإسلامية

- ‌الدرس: 8 أهم ميادين الدعوة والإعلام الإسلامي

- ‌مقدمات في الإعلام

- ‌الأجهزة الإعلامية الإسلامية المتخصصة

- ‌الإسلام في مواجهة الإعلام الكاذب

- ‌الدعوة إلى الله في التجمعات الإسلامية والمناسبات المختلفة

- ‌الدرس: 9 الجهاد في سبيل الله تعالى

- ‌تعريف الجهاد وذكر أنواعه

- ‌مشروعية الجهاد وسببه ومراحله وفضله

- ‌فضل الجهاد، وثمراته

- ‌مسائل هامة تتعلق بالجهاد في سبيل الله

- ‌الدرس: 10 بعض مواقف الخلفاء الراشدين والصحابة وأثرها في الدعوة

- ‌أبو بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌عثمان بن عفان رضي الله عنه

- ‌علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه

- ‌حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

- ‌الدرس: 11 دراسة بعض الدعوات ومناهجها في الدعوة

- ‌ جماعة أهل الحديث بالهند

- ‌جماعة أنصار السنة المحمدية

- ‌تابع الحديث عن جماعة أنصار السنة المحمدية

- ‌نشأة جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان والبلاد الإسلامية الأخرى

- ‌الدرس: 12 تابع دراسة بعض الدعوات ومناهجها

- ‌حركة " الإخوان المسلمون

- ‌الحزب الإسلامي الكردستاني

- ‌الدرس: 13 ترجمتا الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل

- ‌سِيرَةُ الإمام عمر بن عبد العزيز الذاتية

- ‌في سيرة عمر بن عبد العزيز العلمية، وولايته

- ‌سيرة الإمام أحمد الذاتية

- ‌عقيدة الإمام أحمد ومحنته

- ‌الدرس: 14 ترجمتا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌سيرته

- ‌منهج ابن تيمية وعقيدته

- ‌تابع منهج ابن تيمية وعقيدته

- ‌ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌سِيرُتُه الذَّاتِيَّةِ

- ‌مُؤلفَاتُ الشيخِ، وعقيدتُه، وأثرُ دعوتِهِ في العَالَمِ الإسلَامِيِّ

الفصل: ‌مقدمات في الإعلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثامن

(أهم ميادين الدعوة والإعلام الإسلامي)

1 -

من أهم ميادين الدعوة إلى الله "وسائل الإعلام"

‌مقدمات في الإعلام

الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:

فأرحب بكم أيها الأخوة الكرام، في بداية المحاضرة الخامسة عشرة في سلسلة محاضرات مادة: أصول الدعوة وطرقها، وعنوان هذه المحاضرة من أهم ميادين الدعوة إلى الله: وسائل الإعلام.

وتشتمل على عدة عناصر؛ العنصر الأول: بعنوان مقدمات في الإعلام ويشتمل على النقاط التالية:

أ- تعريف الإعلام الإسلامي:

الإعلام الإسلامي: هو تزويد الجماهير بصفة عامة بحقائق الدين الإسلامي، المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، من خلال وسيلة إعلامية دينية متخصصة، أو عامة، وبواسطة قائم بالاتصال لديه خلفية واسعة ومتعمقة في موضوع الرسالة التي يتناولها؛ وذلك بغية تكوين رأي عامٍّ صائبٍّ، يعي الحقائق الدينية، ويدركها، ويتأثر بها في معتقداته وعباداته ومعاملاته.

والمفروض أن الإعلام يقوم على الوضوح والصراحة، ودقة الأخبار مع ذكر مصادرها، كما أنه يشترط الالتزام بمعايير الصدق والأمانة، فالإعلام: هو تزويد الجماهير بأكبر قدر ممكن من المعلومات الصحيحة، والحقائق الواضحة، التي يمكن التثبت من صحتها أو دقتها بالنسبة للمصدر الذي تنبع منه، أو تنتسب إليه.

وبقدر ما في الإعلام من حقائق صحيحة، ومعلومات دقيقة، منبثقة من مصادر أمينة؛ بقدر ما يكون هذا الإعلام سليمًا وقويًّا؛ لذلك نجد أن الصحف والإذاعاتِ، وغيرها من أجهزة الإعلام، تحرص دائمًا على ذكر المصادر التي استقت منها الأخبار، مثل وكالات الأنباء أو غيرها من المصادر؛ حتى يكون الجمهور على بينة من الأمر.

ص: 261

ب- الإعلام قديم قدم الإنسان:

لقد عرف الإعلام إلى كل البيئات، واحتل مكانه في كل العصور، ذلك أن مطالب الإنسان لا تقتصر على تزويده بالحاجات المادية: كالطعام والشراب والمأوى، ولكنها تتعدى ذلك إلى رغبته في الاتصال بأمثاله من ذوي البشر، وتعتبر هذه الرغبة في الاتصال، من المطالب الأساسية التي أصبحت ضرورة حيوية للحفاظ على الجنس البشري.

والإعلام لم يكن وليد عصر من العصور أو حضارة من الحضارات؛ فلا يوجد مجتمع من المجتمعات مهما تفاوتت درجة تقدُّمه أو تخلُّفه، كما لا يوجد زمن من الأزمنة قديمًا كان أو حديثًا أو وسيطًا، إلا واحتل الإعلام مكانة فيه ذلك لأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع الاكتفاء بأخباره الشخصية فقط، أو أخبار المجتمع المحدود الذي يحيا بداخله: كمجتمع القرية أو القبيلة أو الأسرة؛ ذلك أنه من الصعب أن تسير الحياة دون أن يتصل الناس بعضهم ببعض.

وقد كان الإنسان في المناطق النائية -كما كان العربي في الصحراء على سبيل المثال- يعرف بخبرته وتجاربه الضيقة مواضع الكلأِ، ومنابع المياه، ومطالع النجوم الذي يهتدي بها السائرون في البر والبحر، كما يعرف -بطريقة بدائية أيضًا- أخبار القبائل المجاورة من قبيلته، وطبيعة هذه القبائل، وعاداتها وتقاليدها، ونوع العلاقات التي بينها وبين القبائل المجاورة، وكانت لديه معلومات حصل عليها بهذه الوسيلة، وتركزت أهم وظائف الإعلام في ذلك الوقت، في تبليغ المنشورات والأوامر التي كانت يصدرها الحاكم أو السلطان، كما كانت الدعوة العامة إلى الجهاد إحدى الوظائف الأساسية للإعلام في ذلك الحين.

وهكذا عرفت المجتمعات البدائية الإعلام بأساليبه البسيطة الأولى، وكان الإنسان يمارس الإعلام بطرق فطرية لم يبذل فيها مجهودًا كبيرًا: كالحفر على الأحجار

ص: 262

والأشجار، والمناداة في الطرق أو من أعلى الجبال والتلال، وعلى ظهر الدواب أو من أعلى المآذن والمنابر.

والفرق بين الإعلام في العصور التي أشرت إليها الآن، والإعلام في العصر الحديث: هو ما استحدثته المدنية من مخترعات غيرت شكل العمل الإعلامي، وجعلت الحكومات توليه من الاهتمام ما لا يقل عن اهتمامها بأهم المرافق الأخرى في الدولة: كمرفق الصحة، أو المواصلات، أو الجيش، أو غير ذلك، ووضعت من الخطط ورصدت له من الإمكانيات ما يتناسب مع أهميته، وأصبح الإعلام علمًا له نظريات ونظمه، وارتقى إلى مستوى العلوم الحديثة: كالطب، والهندسة؛ بل إن الإعلام في العصر الحاضر أصبح ملزَمًا بأن يسبق ويواكب ويلحق بأي مشروع تنوي الدولة القيام به؛ يهدف إقناع المواطنين بجدوى هذا المشروع؛ حتى يتم له النجاح المأمول.

وأصبحت كلمة "إعلام" في هذه الأيام كلمة شائعة ومألوفة يرددها الكثيرون.

وهكذا أصبح للإعلام قوة تأثير في العصر الحديث، وغدت مختلف الحكومات تضعه في اعتبارها دائمًا، وأصبح الإنسان في كل يوم وفي كل مكان: سواء في العمل أو في المنزل أو في الشارع أو في النادي، يعتمد على وسائل الإعلام كمصادر رئيسية للحصول على معلوماته.

جـ- أهداف الإعلام:

: إن الهدف من الإعلام، هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة، التي تساعدهم على تكوين رأيٍ صائب في واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات؛ بحيث يعبر هذا الرأي تعبيرًا موضوعيًّا عن عقلية الجماهير وميولهم واتجاهاتهم.

ص: 263

وهذا يعني: أن الغاية الوحيدة من الإعلام هي توسيع مدارك الجماهير، عن طريق تزويدهم بالمعارف، وإقناعهم بأن يسلكوا سلوكًا معينًا، ولا يتم إقناع الجمهور بالرسالة الإعلامية إلا بتزويده بالمعلومات والحقائق والأرقام والإحصاءات وغير ذلك.

ويشترط لتقديم الأرقام والإحصاءات أن تكون كاملة غير منقوصة، أي أن التحريف أو العبث في الأرقام والإحصاءات والحقائق والمعلومات لا يخدم أهداف الإعلام، ولكنه يحقق أهداف المغرضين، الذين يقومون بهذا الزيف أو العبث؛ لغاية في نفوسهم، على حين أن رجل الإعلام -بالمعنى الصحيح- يجب أن يقدم الأرقام الصحيحة والإحصاءات الدقيقة في الموضوع الذي يريد أن ينقله إلى الآخرين.

فالهدف من الإعلام إذًا: هو توصيل فكرة معينة إلى المرسل إليه، وهو إما فرد أو جماعة أو شعب، وهذا -أعتقد أنه- واضح غاية الوضوح، ولا بد من التأكيد على ذكر هذه الأهداف في الإعلام؛ حتى يتنبه المشتغلون بالإعلام إليها، وحتى يكون الإعلام سليمًا صادقًا صحيحًا دقيقًا، لا يقدم معلومات كاذبة ولا يقدم أهواء عند بعض الناس يريدون أن ينشروها، وما إلى ذلك مما نشاهد بعضه في العصر الحاضر.

د- مكانة الإعلام في الإسلام:

وهذه نقطة مهمة؛ لأن حديثنا يدور ويتعلق بالإسلام، ونحن نتحدث عن ميادين الدعوة الإسلامية، وعن الإعلام كوسيلة من وسائل تبليغ دعوة الله تبارك وتعالى إلى الناس، وما ذكرته آنفًا من مقدمات، يخدم ما أود أن أشير إليه في هذه النقطة؛ فمكانة الإعلام في الإسلام مهمة للغاية، فعلى الرغم من أن الإعلام

ص: 264

بأجهزته ووسائله ونظرياته وتقنياته الحديثة كان غير معروف وقت نزول الوحي على صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه بتطبيق المقاييس العلمية الحالية على الدور الملقى على عاتق الدعوة الإسلامية.

نستطيع أن نقول: إن الإعلام كان -ولا يزال- أداة هذا الدين ودعامته الرئيسية، ولم نتجاوز الحقيقة -إذا سمينا الأشياء بمسمياتها الصحيحة- حين أقول: إن الدين الإسلامي دين دعوة، والدعوة عمل إعلامي، بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى في أذهان أساتذة وخبراء الإعلام والاتصال بالجماهير؛ ذلك أن الدعوة ما هي إلا عمل إعلامي، يخاطب العقل ويستند إلى المنطق والبرهان، ويعمل على الكشف عن الحقيقة.

وإذا استعرضنا التعريف العلمي للإعلام؛ نجد أنه يكاد يكون متطابقًا مع مفهوم الدعوة بمعناها الأصيل: فالإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة؛ بهدف تكوين رأي عام صائب في واقعة من الوقائع، أو حادثة من الحوادث، أو مشكلة من المشكلات.

ولكي تتضح لنا مكانة الإعلام في الدين الإسلامي؛ فإننا لن نذهب بعيدًا لنؤكد هذه الحقيقة، ولكنها ستبرز لنا من خلال استعراضنا للحقائق الإعلامية الحديثة والحقائق الدينية الثابتة، التي تؤكد المكانة المرموقة والأهمية البارزة للعمل الإعلامي في الإسلام، وذلك بشيء من التفصيل ويمكن ذكر ذلك والإشارة إليه في الحقائق التالية:

أولًا: الحياة الإعلامية الحافلة، التي عاشها رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم والداعي الأول لهذا الدين، قد حقق منجزات مذهلة في حقل الدعوة الإسلامية؛ وذلك استجابة لنداء ربه، وتحقيقًا للمهمة التي كلفه به، وقد أنجز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في عشرين عامًا من حياته، ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود غيره.

ص: 265

وعلى الرغم من أنه كان أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تراث أجيال من الوثنية، والجهل والخرافات، واضطهاد الضعفاء، وكثرة الحروب بين القبائل، ومئات من الشرور الأخرى، إلا أنه استطاع عليه الصلاة والسلام بحياته الدعوية والإعلامية، أن يوصل دين الله تبارك وتعالى إلى عدد كبير من الناس، وأن يحمل أتباعه هذا الدين؛ كي يبلغوه إلى الناس ولم يُقْبَضْ صلى الله عليه وآله وسلم إلا وقد وصل صوته إلى آفاق بعيدة من العالم، وقد أرسل في ذلك رسلًا وكتبًا، ووقف في مواقف متعددة يدعو الناس إلى رب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف أنجز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كل هذا في هذا الزمن القياسي؟!

ويجيبنا القرآن الكريم على هذا السؤال من واقع المهمة التي كلفه الله بها -وهي مهمة إعلامية بالدرجة الأولى- فقد حدد الله له هذه المهمة في كلمات دقيقة واضحة لا تحتمل لبسًا أو غموضًا وذلك في عديدٍ من الآيات الكريمة، كما قال تعالى -مثلًا- في سور الأحزاب:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب: من الآية: 45 - 46) وتؤكد هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان داعيًا للإسلام؛ فالدعوة إلى دين الله كانت مهمته الرئيسية التي كلفه ربه بها.

ويحدد الله عز وجل مهمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سورة المائدة، في قوله:{فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} (المائدة: من الآية: 92) والبلاغ هنا: هو الأخبار أو الإعلام برسالة الحق -جل وعلا- وقد قال الله عز وجل في نفس السورة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: من الآية: 67).

ويتضح لنا من هذه الآيات، أن مهمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هنا، قاصرة على إعلام الناس بالرسالة التي كلفه بها ربه، ثم هو -بعد ذلك- غير مكلف بشيء أكثر من

ص: 266

هذا، وغير مسئول عن هدايتهم، ولم يطلب منه ربه فرض دعوته على الغير، ويؤكد ذلك قول الحق تبارك وتعالى:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص: من الآية: 56).

أي أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مركزة في التبليغ والدعوة فقط، قال الله له:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (البقرة: من الآية: 272) وقال -جل وعلا- في سورة الرعد: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (الرعد: من الآية: 40) وفي سورة: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَاّ الْبَلاغُ} (الشورى: من الآية: 272).

فهل بعد استعراضنا للآيات الكريمة، نستطيع أن نجادل في أن المهمة التي حملها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على عاتقه، كانت مهمة إعلامية بالدرجة الأولى، تقوم على الإقناع وليس على الإكراه، تعتمد على الكلمة الطيبة والدعوة بالحسنى.

ثانيًا: تتأكد لنا المكانة السامية التي يتبوؤها العمل الإعلامي في الإسلام أيضًا؛ إذا أدركنا أن المهمة الإعلامية لم تكن قاصرة على صاحب الرسالة وحده صلى الله عليه وآله وسلم أو على الدعاة المتخصصين والمتفرغين لشئون الدعوة الإسلامية فقط؛ ولكن هذه المهمة تمتد لتشمل المسلمين جميعًا؛ ذلك: أن الله سبحانه وتعالى قد كلف بها كل مسلم عاقل؛ والمقصود بالدعوة إلى الله: الدعوة إلى دينه وإبلاغ رسالته إلى الناس.

إن المهمة الإعلامية هي التي ميز الله بها أمة الإسلام على سائر الأمم الأخرى، وذلك انطلاقًا من قول الله عز وجل في سورة آل عمران:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (آل عمران: من الآية: 110) ولن يتأتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا حينما يأخذ كل مسلم على عاتقه أداء المهمة الإعلامية التي كلفه بها ربه، والتي تتمثل في الدعوة إلى الله، والتي فضل الله بها الذين يتصدرون لها وميزهم وقربهم إليه عمن سواهم، وفي ذلك يقول سبحانه

ص: 267

في سورة فصلت: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت: من الآية: 33 - 35).

الأمر الثالث -الذي يبين مكانة الإعلام في الإسلام- هو: أن التقصير في الدعوة إلى الله من قبل أي مسلم عاقل، أو بعبارة أخرى: إن التقصير في تحمل المسئولية الإعلامية الإسلامية؛ يعني عدم الامتثال لأوامر الله تبارك وتعالى وهذا ينذر بغضب من الله عز وجل وبسوء العاقبة لأصحابه: قال تعالى في سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: من الآية: 159، 160).

ويظهر من هذا أن المسئولية الإعلامية في الإسلام تلقي على كاهل كل مسلم ضرورة أن يتفقه في أمر دينه، وتدفعه إلى البحث والدرس؛ لمعرفة ما لم يكن يعرفه، فإذا كان مطلوبًا منه أن يدعو إلى دين ربه؛ فإن عليه أن يسعى إلى معرفة أصول وأحكام هذا الدين، بقدر ما تسمح له بذلك قدراته وإمكاناته؛ حتى لا يقع في ما لا يحمد عقباه.

رابعًا: وهي الحقيقة الرابعة، التي تؤكد مكانة الإعلام في الإسلام وأهميته وهي تتمثل في تكريم الله سبحانه وتعالى للعلماء، والتأكيد على أنهم يتمتعون بمنزلة أرفع من منزلة غيرهم من المسلمين العاديين ذلك أن الله -جل شأنه- قد كرم العلماء ورفع منزلتهم؛ لأنهم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى دينه وهداية الناس إلى طريق الخير.

ص: 268

هـ- من أبرز خصائص الإعلام الإسلامي ومميزاته:

للإعلام الإسلامي خصائص كثيرة، من أبرزها: أن الإعلام الإسلامي يعمل في مجال العقيدة بالدرجة الأولى، وهذا يختلف عن مجال الأخبار والمعلومات، التي قد تتفوق فيه وسائل الاتصال الجماهيرية، ذلك: أن هذا المجال يتطلب المواجهة المباشرة بين المرسل والمستقبل؛ بما لا يسمح للمستقبل بتجاهل هذا المرسل الذي أمامه، وقد مارس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الاتصال الشخصي، بل إن الاتصال الشخصي هو أول خطوة من خطوات العمل الإعلامي الكبير، الذي قام به والتزم به رسول الهدى والرحمة صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن توفاه الله تبارك وتعالى.

وكان في ممارسته لهذه الوسيلة لا يفرق بين غني وفقير، أو أبيض وأسود، أو قوي وضعيف، ومن أبرز الشواهد على اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الوسيلة واعتماده عليها واهتمامه بها ما يلي:

الاتصالات التي كان يجريها مع أصدقاءه وخلصائه وأفراد أسرته، في مراحل الدعوة الأولى، والرسل الذين بعث بهم إلى الملوك والأباطرة، في الممالك المجاورة بعد عودتهم من صلح الحديبية في العام السادس الهجري، حاملين معهم رسائله وتعليماته إلى هؤلاء الملوك؛ يدعونهم فيها للإسلام، وأيضًا لقاءاته الشخصية صلى الله عليه وآله وسلم مع أفراد القبائل التي تفد إلى مكة في مختلف المواسم، وأشهرها لقاءه مع طائفة من أهل الخزرج في يثرب، حيث تمت على إثر هذه المقابلة البيعة الأولى، والتي كانت مقدمة لهجرته إلى المدينة فيما بعد.

ولا أنسى هنا أن أشير إلى رحلته الشهيرة إلى الطائف، لعله يجد هناك من يستجيب لدعوته من أهل ثقيف -سادة القوم هناك- ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم عانى من عنت هؤلاء

ص: 269

القوم، وصدهم عن دعوته، واضطهادهم له، معاناة شديدة، وكان الهدف من وراء كل ما فعل صلى الله عليه وآله وسلم هو نشر العقيدة الصحيحة.

الخاصية الثانية من خصائص الإعلام الإسلامي: القدوة الحسنة:

القدوة الحسنة طريق يجب أن يسلكه من يتصدى للإعلام الإسلامي في أي موقع؛ حتى لا تأتي أفعاله متناقضة مع أقواله، قال الله تبارك وتعالى محذرًا من ذلك:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} (البقرة: من الآية: 44) وإذا تعود وتزود دعاة الإسلام بهذه الصفة؛ فإنهم سيحققون الكثير ويختصرون الطريق ويوفرون على أنفسهم جهودًا كبيرة يمكن أن تضيع إذا فقد الداعي المسلم هذه الصفة، ذلك أن رجل الإعلام الديني أو الداعي المسلم في نظر الجماهير يمثل الدين، وعلى دعاة الإسلام أن يدركوا هذه الحقيقة.

فإلى جانب المواصفات اللازمة لخلق رجل الإعلام بصفة عامة، فإنه لابد أن يتصف رجل الإعلام الإسلامي -إضافة إلى ذلك- بصفات خاصة تجعله قدوة حسنة لجماهيره، وقد قال رب العزة والجلال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف: من الآية: 2 - 3) وهذا يشير إلى أهمية هذه الخاصية، مما يؤكد أن القدوة الحسنة في حد ذاتها تعتبر واحدة من أهم الوسائل الإعلامية، وقد كانت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مضرب الأمثال في هذا الصدد، وكان به من الصفات النبيلة ما تفيض به كتب السيرة، ولسنا في مجال تعداد صفات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت سببًا مباشرًا في دخول الكثيرين دين الإسلام، وهو الذي اشتهر بين قومه قبل نزول الوحي والرسالة بأنه الصادق الأمين، وهما صفتان يجب توافرهما في رجل الإعلام الإسلامي؛ حتى يكون موضع ثقة جماهيره واحترامهم له.

ص: 270