الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متكاملين، يجب على المسلم أن يتعلمهما معًا في وقت واحد، فالعلم في الإسلام علم مطلق، ينطبق على علوم الدين وعلوم الدنيا النافعة في وقت واحد.
لقد أصبحت المدارس في مختلف مراحل التعليم في البلاد العربية وكذلك الجامعات العربية، تضم أعدادًا هائلة من الطلاب، وهذه الأعداد الهائلة من المتعلمين في المدارس والمعاهد والجامعات، وهم في ازدياد مطرد عامًا بعد عام، إذا ما وجدت التوجيه الإسلامي الرشيد في التعليم الذي يتلقونه حسب روح المسجد، فإنه يكون منهم مجتهدون في الدين، والمبدعون في علوم الدنيا، والدعاة إلى الله تبارك وتعالى على هدًى وبصيرة.
إذن، فالدعوة إلى إعادة الاعتبار لدور المسجد التربوي في الإسلام، ليس معناه إغلاق الجامعات والمدارس، ولا إغلاق ثانويات التعليم العام أو الفني، والاستعاضة عنها بالتعليم المسجدي وحده؛ إذ لا يمكن أن يفكر في هذا أحد، وإنما المقصود هو نقل روح المسجد ورسالته التربوية والأخلاقية والتوجيهية إلى المعاهد المذكورة؛ حتى تستطيع أداء رسالتها في التربية والتكوين والإعداد لأبناء المسلمين على الوجه الأفضل.
دور المسجد في المجتمع المسلم
"دور المسجد في المجتمع المسلم" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- دور المسجد في الدعوة إلى الله -تبارك تعالى-:
عمّار المساجد هم -بفضل الله ورحمته- خيرة المسلمين، وأحرصهم على إرضاء الله تبارك وتعالى وارتيادهم لبيوت الله دليل خير وصلاح، والله تعالى يقول:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (التوبة: 18).
فهؤلاء صفوة المسلمين، فماذا يجب على الدعاة نحوهم؟
يجب أن يذهب إليهم الدعاة في بيوت الله، وأن يخالطوهم ويصادقوهم ويتحببوا إليهم، ويشجعوهم على الاستزادة من هذا الخير، وللدعاة مع عمار المساجد جهود وأعمال تتنوع إلى ما يلي:
إ لقاء دروس عليهم في تجويد القرآن وأدب تلاوته وتفسيره، وإلقاء دروس عليهم في السنة النبوية، وتحفيظهم ما أمكن من الأحاديث النبوية، مع شرح مبسط لها؛ ليستفيدوا من ذلك، وأيضًا إعطاؤهم دروسًا في السيرة النبوية المطهرة، وفي تاريخ الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم- وفي تاريخ الإسلام، وإعطاؤهم دروسًا وتوعيةً في خدمة البيئة التي تحيط بالمسجد، ومعاونتهم وتشجيعهم على تكوين مكتبة للمسجد، أو تزويد مكتبته إن كانت فيه مكتبة بالكتب النافعة.
كما عليهم عقد محاضرات وندوات على فترات مناسبة، وعليهم أن يصطحبوا رواد المسجد إلى زيارات العلماء والمستقيمين من سكان الحي الذي فيه المسجد؛ حتى يعودوهم على تفقد أحوال الناس، وأحوال رواد المساجد، وعليهم أن يتعاونوا في أن يكون المسجد دائمًا على أحسن صورة، من حيث نظافته ونظامه وأساسه وإنارته ومكتبته ومرافقه.
كل ذلك يتعاون رواد المسجد على القيام به؛ حسبةً لوجه الله تبارك وتعالى وتقربًا إليه، وكل ذلك داخل في إعمار المسجد وتعهده، وهو واجب كل مسلم يتردد عليه، وإن فعل الدعاة ذلك، أصبح للمسجد دور عظيم في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى واستفاد الذين يترددون على المسجد فائدة عظيمة من هؤلاء الدعاة إلى الله تبارك وتعالى وكان بحق المسجد منارة إشعاع في المكان الذي يوجد فيه.
ب- دور المسجد في التوجيه الاجتماعي للمجتمع المسلم:
المسجد يؤدي في المجال الاجتماعي دورًا هامًّا بالنسبة للمجتمع الإسلامي، حيث كان -ولا يزال- يعمل على المحافظة على تماسك الأسرة الإسلامية، والأمة الإسلامية كذلك، عن طريق ما يلقى فيه من محاضرات وخطب تتناول اهتمامات الشعوب الإسلامية في كل شأن من شئون الحياة، ولعل من أبرز المجالات التي ينبغي أن يقوم بها المسجد في العصر الحديث، هو أن يكون محورًا لمجموعة من الخدمات الخيرية؛ لحاجة الناس إلى ذلك، خاصة في البلاد الفقيرة أو التي يوجد فيها قوم دخولهم محدودة.
وعليه يجب على الدعاة أن يحاولوا أن يُوجِدوا إلى جوار المسجد خدمات اجتماعية خيرية، كأن يوجِدوا -مثلًا- مستوصفًا طبيًّا؛ لمعالجة المرضى أو يوجدوا ناديًا للشباب، يمارسون فيه الرياضة البدنية الخفيفة، والنشاطات الثقافية والترفيهية البريئة من المنكرات، وقد أشرت إلى ضرورة وجود مكتبة في المسجد، وعليهم أيضًا أن يحاولوا إيجاد مكان يجتمع فيه رواد المسجد؛ ليعرضوا عليهم الأفلام العلمية والاجتماعية والتربوية الهادفة، حتى نستفيد من التقنية الحديثة الموجودة، وإلى غير ذلك من النشاطات الأخرى.
وبذلك يَسترجع المسجد دوره التوجيهي الهام في المجتمع، حسب متطلبات العصر الحديث.
ولذلك ينبغي إعادة النظر في هندسة بناء المساجد في وقتنا الحاضر؛ حتى تكون وافية بالأغراض الاجتماعية النافعة للجماعة الإسلامية، بالإضافة إلى وظيفتها الأساسية وهى العبادة والتوجيه الديني.
وأود أن ألفت النظر هنا إلى أمر آخر، وهو: أنه قد انتشر في عصرنا ظاهرة الدروس الخصوصية للطلاب في مختلف المراحل التعليمية، وأولى بالمسجد أن ينشط إلى
مساعدة الطلاب، باستقطاب الأساتذة والمدرسين في كافة المراحل حتى الجامعية؛ تيسيرًا على الطلاب، وجمعًا لهم في مكان آمن، يستظهرون فيه دروسهم، ويجدون فيه المرجع من الكتاب في المكتبة، وكذلك الأستاذ المتخصص.
ويرتبط هؤلاء الطلاب أيضًا بالمسجد، وإذا حان وقت الصلاة صلوا جماعة فيه، فكان في هذا خير وبركة.
ولقد كان المسجد في صدر الإسلام هو المكان الذي يتخرج منه العلماء والفقهاء والقادة الصالحون، كان المسجد هو المركز الذي تُدار فيه حياة المجتمع، وعلى نور رسالته تسير خطى حياة الناس، وقد أجمل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى وظائف المساجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
"وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر والتعليم والخطب، وفيه السياسة، وعقد الألوية، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون لِمَا أهمهم من أمر دينهم ودنياهم".
ولذلك أقول لأبنائي الطلاب: إن أداء الصلوات في جماعة وظيفة من وظائف المسجد، تنمي في الإنسان المسلم صفات وخصائص تقربه من الله -تبارك تعالى- وتقيه ارتكاب المعاصي، وتحي الوازع الديني لديه، وتعينه على أن يصلح نفسه، وأن يصلح ما بينه وبين الناس، والصلاة في جماعة تحقق التآلف والتراحم والمساواة بين المسلمين.
وفي السنة الشريفة الأحاديث الصحيحة الوفيرة، التي تحث على صلاة الجماعة، حيث تفضل صلاة الفرد في بيته وسوقه بسبع وعشرين درجة، وفي المساجد الجامعة تقام صلاةُ الجُمَعِ بما فيها من خطبة يتعلم منها المسلمون ما ينفعهم في
دينهم ودنياهم، ويتداولون فيما يهمهم من الأمور، وتتواصل المجتمعات الصغيرة، ويتعاطفون ويتآزرون، وفي المساجد ذكر الله عز وجل الذي يدخل فيه تلقي العلم، وتعليمه، والدعوة إلى البر، ومزاولته من أجل رضا الله، والتماس رحمته ومغفرته.
لقد تلقى الصحابة -رضوان الله عليهم- في المسجد القرآن وعلومه، والسنة الشريفة قولًَا وتقريرًا وأفعالًا، فكان المسجد بهذا ميزانًا لشخصية المسلم الكامل والمجتمع الفاضل، الذي وصفه الله تبارك وتعالى في وقوله:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران: 164).
إنه صلى الله عليه وآله وسلم معلم يقرأ القرآن على المسلمين، ويشرح آياته، ويعمل على تطهير نفوسهم، ويعلمهم الحكمة، ويعلمهم -صلوات الله وسلامه عليه- أمورًا شتى لم يكونوا على علم بها، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرف وظيفته، ويستشعر مهمته ومسئوليته التي حملها إياه ربه تبارك وتعالى فيقول:((إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني)).
وفي كتب السنة الشريفة الأحاديث الصحيحة الوفيرة في الحث على طلب العلم والتعليم، وعلى حضور مجالس العلم في المسجد، من هذا ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك تعالى، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده)).
جـ- بعنوان: دور المسجد في القيادة:
كان المسجد في صدر الإسلام -أيضًا- مركز القيادة، تصدر عنه الوصايا والعطايا والأوامر والتعليمات، وتنطلق منه السرايا والغزوات، وكان الإمامُ إمامًا في
الصلاة والإدارة والقيادة والسياسة، وكان من وظائف المسجد الهامة تنمية المجتمع، وهي وظيفة عامة شاملة، وهو بهذه الوظيفة قائدُ التغيير والتطوير والتقدم، والداعي إلى الصلاح والإصلاح للأحوال الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية والسياسية، فهو بهذا ضرورة دينية اجتماعية ودنيوية، وهو منتدى طاهر وظاهر وضاء، لا إثم فيه ولا فجور، ويسمو بكل هذا على نوادي أو منتديات العصر الحاضر.
وهذه الوظيفة -تنمية المجتمع- متنوعة المسالك، لها مثيل من عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم تعرف في عهده الشريف بهذا العنوان السائد الآن في علم الاجتماع، ففي المسجد كانت الأموال توزع على المستحقين من الفقراء، وفي المسجد كان يوجد مكان أهل الصفة، أي: أولئك الفقراء الذين لا مأوى لهم ولا مورد.
ولقد امتدت مكانة المسجد ووظائفه منذ كان الإسلام، وتتابعت حاجات المسلمين، فاشتهرت بعض المساجد في أقطار مختلفة بأن صارت جامعات الإسلام، فآوى إليها الطلاب؛ رغبةً في العلوم المختلفة في الدين والشريعة واللغة والطب، وغير هذا مما علمه الله الإنسان.
وعلى تعاقب الأجيال، وانعقدت حلقات العلم، ورصد المحسنون من المسلمين الأوقاف على طلاب العلم، فكانت المساجد أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامية؛ بل في العالم أجمع.
فهذا الحرم المكي، وهذا الحرم المدني، وهؤلاء شيوخ الحرمَين الذين فاقت شهرتهم في العلم وذاعت، وهذا مسجد عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط بمصر، وفيه جلس الإمام للشافعي للعلم، وهذا جامع قرطبة الذي توافد إليه طلاب أوربا وإفريقيا، مسلمون وغير مسلمين.