الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: تعريف العقود
.
العقود لغةً جمع عقد، والعقد مصدر عَقَدَه يعقِده عقدًا وتَعقادًا، وهو نقيض الحَلِّ (1)، قال في "مقاييس اللغة": (العين والقاف والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على شدٍّ وشدّةِ وثوقٍ، وإليه ترجع فروع الباب كلها
…
والعقدة في البيع إيجابه) (2) سواءٌ كان العقد حسيًّا كعقد الحبل والعسل أو معنويًا كعقد اليمين والعهد والبيع (3).
والعقد عند علماء الشريعة له إطلاقان:
الأول: إطلاقٌ عام، والعقد بالإطلاق العام معناه الالتزام.
والالتزام كون الشخص مكلَّفًا بفعل أو امتناع عن فعل لمصلحة غيره (4).
ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} المائدة: (89)، فكل التزام ولو كان من طرف واحد يكون عقدًا بهذا المعنى، كاليمين والإبراء والأمان والوقف (5).
الثاني: إطلاق خاص، ولا بد فيه من إرادتين متفقتين، والعقد بالإطلاق الخاص هو ارتباط الإيجاب بالقبول أو ما يقوم مقامهما بمثله.
فالارتباط جنسٌ عامٌّ في حقيقة العقد، فهو الجامع بين المتعاقدين، وأما الالتزام فهو أثرٌ للعقد، فالمتعاقدان يلتزمان بمقتضى العقد وبشروطه بعد إبرامه وحصول الارتباط بين الإرادتين؛ لذا كان جنس الارتباط أولى في التعريف من جنس الالتزام، وبعض العقود جائزة يحق للطرفين فسخها، وهذا ينافي الالتزام.
والإيجاب ما صدر من المالك المُملِّك كالبائع في عقد البيع سواءٌ كان صدوره قبل الطرف الثاني أو بعده، وهذا مذهب المالكية (6) والشافعية (7)
(1) المحكم والمحيط الأعظم، مادة عقد 1/ 165، لسان العرب، مادة عقد 4/ 289.
(2)
مقاييس اللغة، مادة عقد 4/ 86.
(3)
مفردات ألفاظ القرآن ص 576، الجامع لأحكام القرآن 6/ 32، فائدة: حذف همزة التسوية (الاستفهامية) مع أو وأم المعادلة سائغ، وله شواهد من قراءة أبي جعفر وابن محيصن، وينظر للاستزادة القرارات النحْوية والتصريفية ص 350 - 358، وإن كان ما بعد (سواء) فعل من غير استفهام كان العطف بأو. الأشباه والنظائر في النحو 4/ 101.
(4)
المدخل الفقهي العام 1/ 514، ويلاحظ أن مصلحة الالتزام (كالعقد) تشمل كلا المتعاقدين غالبًا، وليست خاصة بغير الملتزم منهما.
(5)
ينظر مجموع الفتاوى 33/ 47 - 51، 35/ 274 - 275، فائدة: في "المدخل المفصل" لبكر أبو زيد 1/ 210: (الفتاوى-مجموع الفتاوى
…
ومنذ تاريخ طبعها حتى الآن والمتأخرون بل أهل العصر ينقلون عنها، ويعزون إليها بواحد من الألفاظ المذكورة، ولا يكاد ينصرف إلى غيره عندهم).
(6)
حاشية الدسوقي 3/ 3.
(7)
البيان للعِمراني 5/ 15.
والحنابلة (1)، وعند الحنفية (2) الإيجاب ما يُذكر أولًا من كلام أحد المتعاقدين سواءٌ كان هو المالك المملِّك أو المتملِّك.
والقَبول على رأي الجمهور ما صدر من المتعاقد الثاني، وهو المتملك، وعلى رأي الحنفية ما يُذكر ثانيًا.
وجاء في التعريف (أو ما يقوم مقامهما بمثله) ومعناه: أو ارتباط ما يقوم مقام الإيجاب والقبول كالمعاطاة أو التعاطي بمثله من المتعاقد الآخر، فأخذ السلعة من المشتري يقوم مقام القبول وأخذ الثمن من البائع أو مده السلعةَ هو المِثل المقابل لفعل المشتري، ويقوم مقام الإيجاب، على اصطلاح الجمهور (3).
ولا يصح أن يضاف في آخر تعريف العقد (على وجه مشروع يظهر أثره في محله) أو (يترتب أو يثبت أثره في المعقود عليه)؛ لأن هذا تعريف للعقد الصحيح، والمعرَّف هو العقد المطلق، فهو بإضافة هذا القيد تعريف غير جامع، والأصل في الحقائق العقلية والمصطلحات الشرعية أن تشمل الصحيح والفاسد؛ لذا يقال: بيع فاسد ونكاح باطل. فصح إطلاق مسمى العقد مع عدم حصول الأثر الشرعي عليه بلا تردد، وينفرد الثاني بورود الدور.
وقد يَرِدُ ذكر عقدٍ من العقود في النصوص الشرعية أو في ألفاظ المكلفين مطلقًا مرادًا به الصحيح من جنسه، بل هذا هو الأصل في الإطلاقات، كالوكالة بالبيع يحمل على البيع الصحيح، لكن بيان حقيقة العقد لا يتقيد بالصحة، فبينهما فرقٌ ظاهرٌ (4).
والمقصود بالعقود المضافة إلى مثلها العقود بالإطلاق العام.
وللعقود تقسيمات متعددة بناءً على اختلاف الاعتبارات (5)، ومن ذلك تقسيم العقود باعتبار المقصود منها، وأقسامها بهذا الاعتبار ثلاثة:
(1) الشرح الكبير 11/ 8 - 9.
(2)
الدر المختار مع حاشيته 7/ 16، المدخل الفقهي العام 1/ 382.
(3)
يرى الجمهور أن مسمى الإيجاب والقبول خاص بالصيغة القولية ولا يطلق على المعاطاة، خلافًا للمالكية ورواية عند الحنابلة اختارها أبو العباس ابن تيمية. بدائع الصنائع 5/ 224، المجموع 10/ 244، المغني 6/ 7، الإنصاف 11/ 14، الإيجاب والقبول بين الفقه والقانون ص 41، صيغ العقود في الفقه الإسلامي ص 189 - 190.
(4)
من تعريفات العقد: ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعًا. التعريفات ص 155، ومنها: التزام المتعاقدين وتعاهدهما أمرًا، أو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول. درر الحكام 1/ 105 مادة 103، وفي أولهما دور ظاهر، ومنها: كل ما يتوقف على إيجاب وقبول. حاشية الدسوقي 3/ 5.
(5)
أوصلها د. مصطفى الزرقا إلى اثني عشر تقسيمًا. المدخل الفقهي العام 1/ 631 - 647.
الأول: عقود معاوضات، ويدخل فيها تبعًا عقود المشاركات؛ لاشتراكهما في معنى المعاوضة العام، ويمكن جعلها قسمًا مستقلًا لتميز أحكامه عن المعاوضات، بل من العلماء من ألحق المشاركات بالتبرعات (1)، ولا مشاحة في هذا كله إذا فُهم مأخذه.
الثاني: عقود تبرعات، ومنهم من يميز عنها عقود الإرفاق، والإرفاق معنى يشمل العقود وغيرها، ومنهم من يميز عنها عقود الإباحات والأمانات المحضة، كما أن التبرعات تشمل التبرعات المحضة والمعلقة بالموت (2).
والثالث: عقود التوثقات.
وبعض العقود غير المالية يكون فيها معاوضة، لكنها قصدٌ ثانٍ في العقد، كالنكاح، وليس في مسائله وما يلحق به ما يدخل في العقود المضافة إلى مثلها، حسبما توصلتُ إليه، ولو كان لشغلتْ قسمًا رابعًا، ومن أسباب تباين المناهج في تقسيم العقود بهذا الاعتبار أن من العقود ما لا مرية في كونها معاوضة، ومنها ما لا مرية في كونها تبرعًا، وكذلك في التوثقات، ومن العقود ما تُردد فيها؛ لأنها آخذة بنصيب من كل قسم، فيتجاذبها نوعان أو أكثر، كالعبد في الأحكام، هل يلحق بالبهيمة لأنه يباع ويشترى ويوهب ويوقف، أو يلحق بالحر لأنه مكلف ومتصرف؟ وكالحلي من النقدين، هل يُزكّى؛ لأن جنسه ذهب أو فضة فيلحق بهما، أو لا يُزكّى لأنه يُستعمل كالأثاث والمركوب والملبوس والعبد والفرس؟ فعلى سبيل المثال: الحوالة فيها معنى الإرفاق والتوثقة، وفيها شوب معاوضة، والقرض: هو ابتداءً تبرع وانتهاءً معاوضة.
ولا يعدو الأمر كونه اصطلاحًا ومردُّه إلى الاجتهاد.
لذا لم يخصّه المتقدمون في دوواين الفقه بكبير عناية، من حيث التوسع في التقسيم والتعريف بها.
(1) تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب 2/ 418، القاعدة الخامسة بعد المائة.
(2)
تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب 2/ 418، القاعدة الخامسة بعد المائة.