الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غيره بغير إذن المالك فهو ضامن، وللمالك أن يرجع على المضارب الأول أو الثاني (1)، وقال الإمام مالك: (إنه ضامن للمال
…
) (2) ولكن نصّ الشافعية والحنابلة على أن قرار الضمان على الأول إلا إذا كان الثاني عالمًا بالحال (3)، ويكون الضمان بالدفع عند الجمهور وزفر، وعند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف بعمل المضارب الثاني (4).
ويكون الربح بين المالك والعامل الثاني، وفي قولٍ الربح كله للمالك وليس للعاملين شيء، وفي قول الربح كله للمالك وللعامل الثاني أجر مثله يرجع به على العامل الأول (5).
أما إذا أذن المالك فلا يضمن ويكون الربح بين المالك والعامل الثاني ولو شرط العامل الأول لنفسه في المضاربة الثانية شيئًا، وفي قول الشافعي في القديم للمالك ما اشترطه والباقي بين العاملين (6).
الفرع الثاني: مضاربة المضارب (العامل) بتقبل رأس المال من أجنبي
.
صورة المسألة: أن يعطي رب المال العامل مالًا؛ ليعمل به، فيأخذ العامل مالًا من طرف ثالث ويعمل بالمالين جميعًا، بحيث يتعدد رب المال والعامل واحد، مثال ذلك: إذا أعطيت رجلًا 1000 ر. س ليتجر به مضاربةً فذهب لآخر وقال له: أعطني مالك مضاربة. يريد أن يكثر رأس المال أو يريد النفع للثاني؛ لقرابةٍ أو مصلحةٍ أو غير ذلك.
تحرير محل النزاع:
إن أذن رب المال جاز، وإلم يأذن ولم ينه ولم يكن عليه ضررٌ جاز أيضًا، قال ابن قدامة:(بغير خلاف)(7)، فإن كان فيه ضررٌ على رب المال الأول ففيه أقوال:
(1) نتائج الأفكار 7/ 70 - 71، المدونة 6/ 28، المضاربة للماوردي (الحاوي) ص 198 - 208، نهاية المطلب 7/ 494 - 496، الشرح الكبير 14/ 92.
(2)
الموطأ 2/ 229.
(3)
نهاية المطلب 7/ 496 - 497، المغني 7/ 156 - 157.
(4)
المراجع السابقة، نتائج الأفكار 7/ 70 - 71، خلاصة الدلائل 1/ 484 - 485.
(5)
المبسوط 22/ 92 - 93، حاشية ابن عابدين (التكملة) 12/ 379، حاشية الدسوقي 3/ 526، المضاربة للماوردي (الحاوي) ص 198 - 208، المهذب 16/ 45، المغني 7/ 157، الشرح الكبير 14/ 92.
(6)
نهاية المطلب 7/ 494 - 495، الشرح الكبير 14/ 92 - 93، الإنصاف 14/ 99، فائدة: أقوال العلماء المرجوع عنها لا تنسب إليهم إلا مع بيان ذلك، أما أقوال الإمام الشافعي القديمة ففيها تفصيل. ينظر: نهاية المطلب 1/ 29، المجموع 1/ 507، إعلام الموقعين 6/ 168، الموافقات 5/ 213.
(7)
المغني 7/ 159، الشرح الكبير 14/ 96.
القول الأول: يجوز مطلقًا، عزاه ابن قدامة وتبعه الشارح لأكثر الفقهاء (1)، وجعله بعض الباحثين (2) مقتضى مذهب الحنفية والشافعية (3)؛ لأنهم نصوا على تقبل مالين من اثنين، ولكن ليس في هذا تقدم أحدهما على الآخر، كما في صورة المسألة.
القول الثاني: لا يجوز ذلك، وهو مذهب المالكية (4) والحنابلة (5).
القول الثالث: أنه متى اشترط النفقة على رب المال لم يجز وإلم يتضرر، وهي رواية عن الإمام أحمد، نقل الأثرم عنه قوله: إذا اشترط النفقة صار أجيرًا له، فلايضارب لغيره. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ قال: لا يعجبني لابد من شغل (6). قال في "الفائق": (ولو شرط النفقة لم يأخذ لغيره مضاربة، وإلم يتضرر، نص عليه)(7).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن المضاربة عقدٌ لا يملك به منافعه كلها، فلم يمنع المضاربة كما لو لم يكن فيه ضرر (8).
المناقشة: أن الضرر وصف مؤثر في الحكم، فلايستوى حال وجوده بحال عدمه.
الدليل الثاني: أن المضاربة عقد لا يملك به منافعه كلها، فلم يمنع المضاربة، كالأجير المشترك (9).
دليل القول الثاني: أن المضاربة قائمة على الحظ والنماء فإذا فعل ما يمنعه لم يجز، كما لو أراد التصرف بالعين (10).
دليل القول الثالث: يمكن أن يُستدل له بأنه إذا أعطاه النفقة أصبح كالأجير الخاص، وقته مملوك لرب المال.
(1) المغني 7/ 160، الشرح الكبير 14/ 96.
(2)
المضاربة في الشريعة الإسلامية ص 124،126، عقد المضاربة ص 226.
(3)
قلت: ينظر فيه العناية مع نتائج الأفكار 7/ 62، حاشية ابن عابدين (التكملة) 12/ 399، نهاية المطلب 7/ 543، مغني المحتاج 2/ 406.
(4)
المدونة 6/ 31، مواهب الجليل 7/ 456 - 457.
(5)
الإنصاف 14/ 96، هداية الراغب 3/ 34.
(6)
المغني 7/ 161، الفروع 7/ 91، الإنصاف 14/ 96 - 97.
(7)
الإنصاف 14/ 97.
(8)
المغني 7/ 160.
(9)
الشرح الكبير 14/ 96.
(10)
هداية الراغب 3/ 34.
الترجيح
الراجح جواز مضاربة المضارب بتقبل رأس المال من أجنبي إلا إذا ترتب عليه ضرر، كأن يكون رأس مال الأول كثيرًا متى اشتغل عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته.
أسباب الترجيح:
1.
الجواز؛ لأنه محل اتفاق.
2.
المنع في صورة الضرر؛ لأن قاعدة الشريعة المستقرة رفع الضرر وإزالته ودفعه وتقليله.
3.
أن الأسبق أحق، فإذا كان سيتضرر فلا سبيل عليه.
تنبيهان:
الأول: على القول بالمنع لو خالف وضارب ففيه قولان عند الحنابلة:
القول الأول: نأخذ نصيب العامل من المضاربة الثانية ونضيفه إلى أرباح المضاربة الأولى ويتقاسمه مع رب المال حسب ما اتفقا عليه، هذا هو المذهب، وهو من المفردات (1).
القول الثاني: أنه لا حق لرب المال في ربح المضاربة الثانية، وتعدي العامل إنما هو بترك العمل وهذا لا يوُجب عوضًا، ولأنها ليست من ماله فلا تحلّ له، وممن اختاره ابن رزين (2) وابن قدامة (3) وأبو العباس ابن تيمية (4) وتلميذه ابن قاضي الجبل (5) وعبد الرحمن الضرير صاحب "الحاوي الصغير"(6).
الثاني: من الصور المعاصرة لمضاربة المضارب: المضاربة المشتركة، وهي أن يعهد مستثمرون إلى شخص طبيعي أو معنوي باستثمار أموالهم، فالأصل فيها أنها من مضاربة المضارب بتقبل رأس المال من عددٍ، فالمستثمرون: أرباب المال، والمتعهد كالمصارف أو المؤسسات المالية: العامل، وفي بعض صورها يجمع بين مضاربة المضارب بنوعيها: مضاربة المضارب بتقبل رأس المال من عدد، ومضاربة المضارب بدفع رأس المال، وذلك إذا قام العامل بدفع رأس المال لطرف ثالث؛ لأن المصارف لا تباشر
(1) المغني 7/ 161، الإنصاف 14/ 96 - 97، الفروع 7/ 91.
(2)
الإنصاف 14/ 98.
(3)
المغني 7/ 160، الشرح الكبير مع الإنصاف 14/ 98.
(4)
الإنصاف 14/ 98، الفروع 7/ 90.
(5)
الإنصاف 14/ 98.
(6)
ص 356.
الاستثمار بنفسها، بل تقوم بالوساطة بين المستثمرين وجهات الاستثمار، فالإذن بدفع رأس المال مضاربةً متعارف عليه في هذه الصورة، فلا يستدعي إذنًا خاصًّا (1).
(1) ينظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم 122 (5/ 13) في عام 1422، بحوث في فقه البنوك الإسلامية 2/ 532، الخدمات الاستثمارية في المصارف 1/ 266 - 267، 2/ 121 وما بعدها.