الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أجرتها.
سبب الترجيح: قوة الأدلة وتعددها، وما ورد من مناقشة على أدلة الأقوال المخالفة.
الفرع الثاني: إجارتها للمؤْجِر
.
صورة المسألة: أن يستأجر إنسانٌ مكتبًا لمدة سنة- مثلًا- ثم يؤجره على المؤجر نفسه لمدة سنة أو أقل سواء قبضه أو لم يقبضه (1).
الحكم:
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: لا يجوز ذلك، وهو مذهب الحنفية (2).
القول الثاني: يجوز ذلك، وهو قول المالكية (3) والشافعية (4) وقول عند الحنفية (5).
القول الثالث: يجوز ذلك إلا إذا كان حيلة على العينة أو عكسها، وهو مذهب الحنابلة (6).
بيان ذلك: جاء في "المعايير الشرعية" الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة: (ولا يجوز ذلك إذا كان يترتب عليه عقد عينة، بتغيير في الأجرة أو في الأجل، مثل أن تقع الإجارة الأولى بمائة دينار حالة ثم يؤجرها المستأجر إلى نفس المؤجر بمائة وعشرة مؤجلة، أو أن تقع الإجارة الأولى بمائة وعشرة مؤجلة ثم تقع الإجارة الثانية بمائة نقدًا، أو تكون الأجرة في الإجارتين واحدة غير أنها في الأولى مؤجلة بشهر وفي الثانية بشهرين)(7).
القول الرابع: يجوز إذا قبض العين المستأجرة، وهو قولٌ عند الحنابلة (8).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن المستأجر في حق المنفعة قائمٌ مقام المؤجر، فيلزم من إجارته للمؤجر
(1) القبض في العقار يكون بالتخلية، كما سبق ص 45.
(2)
الدر المختار مع حاشيته 9/ 152 - 153، المغني 8/ 55.
(3)
عقد الجواهر الثمينة 2/ 863، مواهب الجليل 7/ 537، منح الجليل 3/ 755.
(4)
المهذب مع تكملة المجموع 16/ 331، مغني المحتاج 2/ 462، الأشباه والنظائر للسبكي 1/ 302، وسبق ص 23 - 24.
(5)
حاشية ابن عابدين 9/ 473، وهو ما جاء في "المعايير الشرعية"، معيار الإجارة ص 135، البند 3/ 4.
(6)
الإنصاف 14/ 338 - 341، كشاف القناع 9/ 72، والمراجع التالية في القول الرابع، وقد نصَّ الدردير في "الشرح الكبير" 4/ 9 على نفي الحيلة بقوله:(وجاز استئجار المالك المؤجِر لداره أو دابته مثلًا -أي من المستأجر- إلا لتهمة سلف جر منفعة لإيجاره بعشرة لأجل واستئجاره بثمانية نقدًا) فيمكن أن يكون مذهب المالكية أيضًا.
(7)
المعايير الشرعية، المعيار الشرعي للإجارة، ص 135، البند رقم 3/ 4.
(8)
المغني 8/ 55، الفروع 7/ 169 - 170.
تمليك المالك (1).
المناقشة:
لم يَعُد المؤجر مالكًا للمنفعة فلا يلزم منه تمليك المالك، وإن أريد تمليك المنفعة لمالك عينها فلا محظور من ذلك؛ لما سيأتي من أدلة، وهو محل النزاع.
الدليل الثاني: أن ذلك يؤدي إلى تناقض الأحكام؛ لأن التسليم مستحَقٌّ على المؤجر، فإذا استأجر صار مستحِقًا، فيصير مستحِقًا لما يُستحق عليه، وهذا تناقض (2).
المناقشة:
1.
أن التسليم من المؤجر قد حصل بالتمكين أو القبض للعين، والاستحقاق الثاني له تسليمٌ آخر.
2.
يبطل ما ذكروه بالبيع، فإنه يُستحق على البائع تسليم العين، فإذا اشتراها استحق تسليمها (3) في ما لا يشترط قبضه لبيعه على الخلاف فيه.
دليل القول الثاني: أن كل عقدٍ جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد كالبيع، إذ يجوز بيع المبيع من البائع وغيره (4)، ما لم يكن عينة.
دليل القول الثالث: الأصل في الجواز ما تقدم في دليل القول الثاني، ويُستدل لهم على الاستثناء بأدلة تحريم الحيل، كقوله صلى الله عليه وسلم:«قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (5) وغيرها من الأدلة (6).
دليل القول الرابع: أنه إذا عقد عليها قبل قبضها لم يجز؛ لأن المنافع مملوكة بعقد معاوضة، فاعتبر -أي اشترط- في جواز العقد عليها القبض كالأعيان (7).
المناقشة:
1.
أن قبض العين لا ينتقل به ضمان العين إلى المستأجر؛ لأنه أمين، فلم يقف جواز
(1) حاشية ابن عابدين 9/ 153.
(2)
الشرح الكبير على المقنع 14/ 340 - 341.
(3)
الشرح الكبير 14/ 340 - 341.
(4)
المهذب 16/ 331، المغني 8/ 55 مِن عند المتقدمين في مثل هذا بمعنى على في لسان أهل العصر.
(5)
رواه البخاري، كتاب التفسير، (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)(6/ 57)(ح 4633)، ومسلم، كتاب البيوع (5/ 41)(ح 4048) جملوه أي أذابوه.
(6)
صحيح البخاري، كتاب الحيل (9/ 22)، المغني (6/ 116)(7/ 485)، إغاثة اللهفان (1/ 470 - 530)، كتاب الحيل الفقهية لصالح بوبشيش.
(7)
المغني 8/ 55.
التصرف عليه.
2.
أن القبض لا يتعذر على المؤجر؛ لأن العين التي تعلقت بها هذه المنافع مقبوضة له قبل الإجارة (1).
منشأ الخلاف:
منشأُ الخلافِ وسببُه الخلافُ في مسألة بيع الطعام قبل قبضه هل يصح من بائعه أم لا؟
يرى أبو محمد ابن قدامة والشارح بناء الخلاف على هذه المسألة، وظاهر كلام ابن مفلح عدم بنائه، وقال المرداوي في "تصحيح الفروع":(وظاهر كلام المصنف عدم البناء، وهو ظاهر كلام الأكثر، والله أعلم، وهو الصواب)(2) وقال في "الإنصاف": (الصواب البناء)(3).
ومذهب الأئمة الأربعة عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه من بائعه (4).
وفي وجه عند الشافعية (5) ورواية عن أحمد (6)، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية (7) وابن قيم الجوزية (8): يجوز ذلك.
الترجيح
الراجح جواز ذلك إلا إذا كان حيلةً على العينة.
أسباب الترجيح:
1.
ما ذكر من أدلة الجواز.
2.
أن الأصل في المعاملات الصحة والجواز.
3.
أنه إن كان حيلة على العينة فذلك من الحيل الممنوعة المحرمة، والمقاصد لها أثر في صحة المعاملات.
4.
إباحة الجمهور مع منعهم من البيع للبائع قبل القبض قرينة على عدم بناء الخلاف عليه
(1) المغني 8/ 55.
(2)
تصحيح الفروع مع الفروع (7/ 170).
(3)
الإنصاف 14/ 341.
(4)
أما بيع الطعام قبل قبضه لغير بائعه فمحرم بالإجماع، نقله ابن المنذر في "الأوسط" 10/ 146 وغيره، ومذهب الجمهور التحريم مطلقًا وعدم التفريق بين البائع وغيره: تبيين الحقائق 4/ 79، البحر الرائق 6/ 126 - 127، الموطأ 2/ 169، التمهيد 16/ 530، الأم 3/ 69 - 70، المنهاج مع نهاية المحتاج 4/ 45 - 46، الإقناع 2/ 234 - 235، الروض المربع 6/ 185 - 187، وسبق تفصيل المسألة ص 33.
(5)
روضة الطالبين 3/ 509، نهاية المحتاج 4/ 46.
(6)
الإنصاف 11/ 497.
(7)
مجموع الفتاوى 29/ 513، الإنصاف 11/ 497.
(8)
تهذيب السنن 5/ 137.