الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناقشة: أن المتورق لم يربح في السلعة، بل باعها بخسارة.
الجواب: أن سعر السلعة في البيع بالثمن الحاضر أقل من سعرها في البيع بالآجل، وربح كل شيء بحسبه، وعلى كلٍّ لا خلاف في أنها لم تدخل في ضمانه.
الدليل الخامس: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك» (1)، والمتورق يوكل المصرف في بيع ما ليس عنده.
المناقشة: أن التوكيل ببيع ما سيملكه جائز، وليس فيه بيعٌ لما لا يملكه، ثم متى حصل الملك جاز للوكيل أن يبيع كما للأصيل.
هذا الحكم على واقع العقد في الوقت الحاضر، وذهب بعض الباحثين إلى الجواز بشروط وضوابط تنتفي معها المحظورات السابقة (2).
المطلب الثاني: حكم تورق المتورِّق (إعادة التورق)
.
صورة المسألة: من احتاج نقدًا فاشترى سلعةً بالآجل، بقصد بيعها بثمن حال، فهل له أن يشتري سلعةً أخرى من البائع الأول أو من غيره بأجل جديد ويبيعها على غير البائع الأول بثمن حالّ أيضًا؟
ومن المسائل المتعلقة بالتورق وقد تشتبه بهذه المسألة مقلوب التورق، ويسمى المرابحة العكسية، وليس هذا محل بحثه؛ لأنه ليس من شرط البحث (3).
الحكم:
لإعادة التورق حالتان:
الأولى: ألا يكون سبب التورق الثاني الحصول على نقد من الدائن الأول لسداد الدين الأول والاستفادة مما يبقى من النقد، مثاله: شخص أراد أن يتزوج فأجرى عملية تورق مع
(1) سبق تخريجه ص 51.
(2)
في فقه المعاملات المالية والمصرفية المعاصرة لنزيه حماد ص 178 - 185، وفهم بعضهم الإباحة من فتوى للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله أنه سئل عن رجل استدان من آخر، ولما قبض المستدين البضاعة منه استقرض من التاجر بقدر ثمن البضاعة أو أكثر أو أقل، ثم بعدئذ أمر المستدين التاجر أن يسلم البضاعة لمحرج يبيعها، نظراً إلى أنه في بلد نائي عن بلد التاجر، وكان الدافع أن يستقرض قبل بيع البضاعة هو حاجته العاجلة، ثم بعد البيع يأخذ التاجر قيمة البضاعة تسديداً للقرض الذي أقرضه المستدين. فما حكم هذا النوع؟ فقال:(العقود التي ذكرتم من البيع والقرض والوكالة صحيحة) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 7/ 64، ولكن المعنى الذي لأجله منع من التورق المصرفي منتف عن هذه الصورة، فالملك والقبض حاصل، والسلعة داخلة في ضمان المتورق، مع انتفاء التواطؤ -كما هو ظاهر الحال- على التوكيل في البيع الذي يؤول بالعقد إلى الصورية، والله أعلم.
(3)
ينظر فيه قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي ص 437.
مصرف ما وحصل على مبلغ يُسدَّد خلال سنتين، وبعد سنة أراد أن يشتري سيارة فأجرى عملية تورق أخرى مع المصرف الأول أو مع غيره وحصل على مبلغ يسدده على مدى سنة، ولا يدفع شيئًا منه للمصرف الأول عن دين التورق الأول.
والحكم في هذه الحالة الجواز؛ لأن تكييف المسألة يرجعها إلى مسألة الشراء بالآجل من بائع واحد مرتين، كمَن يأخذ حاجاته من محل ويسدد قيمتها في آخِر الشهر، أو الشراء من أكثر من بائع، ولا يوجد دليل يقتضي تحريم ذلك أو كراهته إلا من جهة ذم الدَّين عمومًا وسعي الشريعة إلى إبراء الذمم، والأصل في العقود الجواز والصحة، ولأنه إذا جاز التورق الأول فيجوز الثاني؛ لأنه لا علاقة بينهما حينئذٍ تستلزم المنع.
الثانية: أن يكون التورق الثاني بقصد سداد الدين الأول، فإن كان البائع في التورق الثاني أجنبيًّا عن البائع الأول، وليس بين البائعين تواطؤ، فذلك جائز؛ لما تقدم من أنه لا يوجد دليل يقتضي تحريم ذلك أو كراهته إلا من جهة ذم الدَّين عمومًا وسعي الشريعة إلى إبراء الذمم، والأصل في العقود الجواز والصحة، وإذا جاز التورق الأول فيجوز الثاني؛ لأنه لا علاقة بينهما حينئذٍ تستلزم المنع، أما إن كان البائع الثاني هو البائع الأول ففي ذلك قولان:
القول الأول: المنع، وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع للرابطة (1) والهيئة الشرعية بمصرف الراجحي (2) وغيرهم (3).
القول الثاني: الجواز، وقال به بعض المعاصرين (4).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
(1) في دورته الثامنة عشر بتاريخ 10 - 14/ 3/1427 قرار رقم 104 (3/ 18) ونصه: (يعد من فسخ الدين في الدين الممنوع شرعًا كل ما يفضي إلى زيادة الدين على المدين مقابل الزيادة في الأجل أو يكون ذريعة إليه، ويدخل في ذلك: فسخ الدين في الدين عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بموجبها مديونية جديدة، ومن أمثلتها شراء المدين سلعة من الدائن بثمن مؤجل ثم يبيعها بثمن حال من أجل سداد الدين الأول كله أو بعضه، فلا يجوز مادامت المديونية الجديدة من أجل وفاء المديونية الأولى بشرط أو عرف أو مواطأة أو إجراء منظم، وسواء في ذلك أكان المدين موسرًا أم معسرًا، وسواء أكان الدين الأول حالا أم مؤجلا يراد تعجيل سداده من المديونية الجديدة، وسواء كان بين المدين وطرف آخر غير الدائن إذا كان بترتيب من الدائن نفسه أو ضمان منه من أجل وفاء مديونيته).
(2)
قرارات الهيئة الشرعية بمصرف الراجحي 1/ 460، 544.
(3)
موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 942 - 946، وسئل عنها ابن تيمية فأفتى بالكراهة بناء على وجود التورق ابتداءً. مجموع الفتاوى 29/ 301 - 302.
(4)
موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 942 - 946، وينظر: في فقه المعاملات المالية والمصرفية ص 137 ذكر شرطين للجواز.
الدليل الأول: أن ذلك من ربا النسيئة؛ لأنه بمعنى إما أن تقضي وإما أن تربي، وذلك أن مآل عقد التورق الثاني لسداد دين التورق الأول: أن المدين قد استقر في ذمته دين أكثر من الدين الأول مع زيادةِ مدةِ السداد، فكأنه زاده في الدين ليزيد في الأجل.
الدليل الثاني: ما ورد من الإجماع في تحريم بيع الدين بالدين (1).
المناقشة: محل الإجماع ابتداء الدين بالدين، ومسألتنا من فسخ الدين في الدين، ومعنى ابتداء الدين بالدين، وهو الواجب بالواجب، بيع ما في الذمة بشيء في الذمة كتأجيل رأس مال السلم (2).
الجواب: أن ابتداء الدين داخل في الإجماع، وكذلك هذه الصورة من فسخ الدين داخلة فيه، جاء في "تكملة المجموع": (
…
يؤول هذا إلى تفسير بيع الدين بالدين المجمع على منعه -يعني ما نحن فيه- وهو أن يكون للرجل على الرجل دين فيجعله عليه في دين آخر مخالف له في الصفة أو في القدر، فهذا هو الذي وقع الإجماع على امتناعه، وهو في الحقيقة بيع دين بما يصير دينًا) (3).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الأصل في المعاملات الجواز والصحة، وليست هذه المعاملة من قلب الدين المحرم شرعًا، بل هي وسيلة تُيسِّر على المدين سداد دينه وبراءة ذمته مقابل دين جديد مؤخر إلى أجل آخر، دون أن يحصل الدائن على زيادة من استبدال الدين الساقط بالدين الواجب الجديد.
المناقشة: الواقع حصول الزيادة، وبذلك تدخل المسألة في قلب الدين، ومما يدعو للتهمة وقصد الزيادة في الدين أن يكون التورق الثاني من البائع الأول، فإن المتورق إذا لم يرد إلا التخلص من الدين فلا فرق عنده بين أن يكون من البائع الأول أو غيره، كما أن الواقع أن ذمة المتورق لا تبرأ بل تزداد شغلا، ومتى أمكن عدم الزيادة انتفى المحظور.
(1) نقله جمع منهم أحمد وابن المنذر وابن رشد وابن قدامة وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم. العلل المتناهية (ح 988) 2/ 111 - 112، الإجماع ص 132، بداية المجتهد مع الهداية 7/ 241، المغني 6/ 106، مجموع الفتاوى 20/ 512، إعلام الموقعين 3/ 172 - 173، 5/ 308، التلخيص الحبير 4/ 1798.
(2)
ينظر في قصر الإجماع على هذه الصورة: التاج والإكليل 6/ 232، مجموع الفتاوى 20/ 512، 29/ 472، إعلام الموقعين 3/ 172 - 173، 5/ 308.
(3)
تكملة المجموع للسبكي 11/ 114.
الدليل الثاني: أن الاستدانة لسداد دين سابقٍ متقررٍ جائز (1)، وإعادة التورق بهذه الصورة من الاستدانة لسداد الدين.
المناقشة: يشترط لجوازها إذا كانت الاستدانة من الدائن الأول ألا يترتب عليها زيادة في الدين الأول.
الدليل الثالث: القياس على الحوالة، فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز (2).
المناقشة: أن الحوالة استيفاء للحق ولا زيادة فيه، وبيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل معاوضة، وفيها زيادة.
الدليل الرابع: القياس على بيع العين بالدين، فأحدهما يعجل براءة ذمته -وهو المتورق- والآخر ينتفع بما يربحه، وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح -وذلك في بيع العين بالدين- جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها به ابتداء إما بقرض أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل (3).
المناقشة: أن بيع العين بالدين فيه قبض من أحد الطرفين، فكيف يقاس عليه بيع مؤجل البدلين، ولا يسلَّم بجواز الربح في محل البحث؛ لأن الدين في ذمة المدين وليس مقبوضًا للدائن فكيف يربح الدائن فيه ولما يدخل في ضمانه.
منشأ الخلاف:
يرجع الخلاف في الصورة الأخيرة من هذه المسألة إلى حكم قلب الدَّين، وهل الصورة المذكورة داخلة فيه أو لا؟ وتسمى مسألة قلب الدين: بفسخ الدين في الدين، أو الاستبدال، أو بيع الدين لمن هو عليه، أو الساقط بالواجب (4)، وهو ممنوع عند جمهور العلماء، أما المالكية (5) والظاهرية (6) فمنعوه مطلقًا، وأما الحنفية فأجازوا بيع الدين لمن هو عليه بعين لا
(1) كشاف القناع 8/ 147: (ولو أقرض غريمه المعسر ألفا ليوفيه منه -أي: الألف- ومن دينه الأول كل وقت شيئا جاز، والكلُّ حالٌّ).
(2)
إعلام الموقعين 3/ 173 - 174.
(3)
إعلام الموقعين 3/ 173.
(4)
وصورته أن يحل الدين فيبيع الدائنُ الدينَ المستحَق سداده على المدين نفسه إلى أجل جديد بمقابل من غير جنس الدين أو بمقابل أكثر منه من جنسه.
(5)
الموطأ 2/ 177،189،205، التاج والإكليل 6/ 232، حاشية العدوي 2/ 181 - 182، الفواكه الدواني 2/ 156 - 157.
(6)
المحلى 9/ 6.
بدين، وبشرط ألا يتضمن ربا النسيئة؛ لذا نصوا على استثناء الصرف والسلم (1)، وأما الشافعية فالجديد جواز الاستبدال إلا عن الدين الحال بمؤجل، واشترطوا في البدل الموافق للدين في علة الربا القبض في المجلس (2)، وأما الحنابلة فأجازوا بيع الدين المستقر بشرط قبض عوضه في المجلس (3)، فتحصل منع بيع الدين لمن هو عليه بثمن مؤجل في المذاهب الخمسة، وهو منصوص ابن تيمية (4).
وذهب للجواز ابن قيم الجوزية ونسبه لشيخه ابن تيمية (5).
الترجيح
الراجح أن إعادة التورق من غير البائع الأول جائز مطلقًا، ولو كان بترتيب من البائع الأول، وأنه إذا كان ذلك مع البائع الأول فيجوز إلا إن كان بقصد سداد الدين الأول وترتب على ذلاك زيادة في الدين فلا يجوز.
أسباب الترجيح:
1.
أنه متأيّد بالأصل في هذا الباب.
2.
أن مسألة الشراء بالآجل من بائع واحد مرتين أو الاستدانة من قبل المدين جائز.
3.
أن الصورة الممنوعة من باب بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل (قلب الدين)، والراجح منعها؛ للأدلة السابقة، كما أنه قول جمهور العلماء وجملة من محققيهم.
4.
أن ترتيب البائع الأول للتورق الثاني ليس فيه محظور شرعي؛ لأن الدين الثاني سيكون في ذمة المدين لدائن أجنبي عن الأول، وليس في ذلك قلبًا للدين ولا عينةً ولا ربا، ولا معنى آخر يقتضي المنع.
(1) المبسوط 12/ 150، بدائع الصنائع 5/ 248، 299، 382، البحر الرائق 5/ 435، 437، الدر المختار 7/ 349.
(2)
نهاية المحتاج 4/ 48 - 49، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 612، وينظر: نهاية المطلب 5/ 193 - 195، تكملة المجموع للنووي 10/ 4210425.
(3)
الإنصاف 12/ 296 - 299، كشاف القناع 8/ 119 - 120، الروض المربع 6/ 345.
(4)
مجموع الفتاوى 29/ 302، 418، 419،438،519،517.
(5)
إعلام الموقعين 3/ 172 - 173، ونسبه له بعض المعاصرين. الربا والمعاملات المصرفية ص 293 - 294، الروض المربع (في الحاشية) 6/ 347، اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية 6/ 472،485.