الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: إعادة التأمين
، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التأمين وحكمه
.
تعريف التأمين
التأمين في اللغة مصدر أمّن يؤمّن، وهو مضعَّف أَمِن، وأصل هذه المادة يرجع إلى ضد الخوف، وإلى الاطمئنان (1).
أما التأمين في الاصطلاح فله اعتباران، الأول التأمين باعتباره نظامًا، والثاني التأمين باعتباره عقدًا، ولا انفكاك بينهما، فالنظام يرتب ويقعّد مجموعة عقود التأمينات؛ لذا ذكر الباحثون أن علماء القانون يميزون بين نظام التأمين باعتباره فكرةً ذاتَ أثر اقتصادي واجتماعي وعقد التأمين باعتباره تصرفًا قانونيًا ينشاء حقوقًا بين طرفين (2).
والذي يعنينا في هذا البحث-العقود المضافة إلى مثلها- التأمين باعتباره عقدًا، وقد عُرّف بتعاريف أشهرها:
1.
عقد بموجبه يحصل أحد المتعاقدين-وهو المؤمَّن له، في نظير مقابل يدفعه- على تعهد بمبلغ يدفعه له أو للغير إذا تحقق خطر معين المتعاقدُ الآخر-وهو المؤمِّن- الذي يدخل في عهدته مجموعة من هذه الأخطار يجري المقاصة فيما بينها طبقًا لقواعد إحصائية (3).
2.
نظام مالي يلتزم فيه المؤمن بدفع مبلغ مالي أو إيراد مرتب أو أي عوض مالي آخر للمستفيد عند وقوع الحادث المرغوب فيه أو غير المرغوب فيه مدة معينة مقابل دفع المستأمن قسط التأمين بصفة دورية أو دفعة واحدة (4).
وقد عَرَّف التأمين باعتباره عقدًا أو تطبيقًا بأنه نظام؛ لأن منه ما هو عقد مالي، كما في التأمين التجاري، ومنه ما هو تكافل أو تكافل اجتماعي، كما في التأمين التعاوني والاجتماعي.
(1) مختار الصحاح، مادة أمن ص 37، المصباح المنير، مادة أمن ص 31، القاموس المحيط، مادة أمن ص 1176، مفردات ألفاظ القرآن ص 90، والتأمين الاصطلاحي يهدف لتحصيل الأمن والطمأنينة؛ لذا كان معنى التوثقة فيه ظاهرًا من هذا الجانب؛ ولذا عُد من الضمانات في "المعايير الشرعية" ص 61، البند 7/ 4، ومنه ما يدخل في التبرعات، وهو التأمين التعاوني، ومنه ما يدخل في المعاوضات، وهو التأمين التجاري، ودخول إعادة التأمين في الكتاب من حيث إن إعادة التأمين يرادف تأمين المؤمِّن.
(2)
التأمين الاجتماعي في ضوء الشريعة الإسلامية ص 29 - 36، المعاملات المالية المعاصرة لشبير ص 28، القمار حقيقته وأحكامه ص 491.
(3)
التأمين الاجتماعي ص 32، التأمين التعاوني: بحث في مجلة الجمعية الفقهية السعودية العدد 3 ص 435، مجلة البحوث الإسلامي العدد 19، ص 17.
(4)
التأمين الاجتماعي ص 35.
وقد تنوعت العبارات في تعريف التأمين، بعضها يختص بالتأمين التجاري وبعضها يختص بالتأمين التعاوني، وأنواع التأمين الأخرى ترجع لأحد هذين النوعين (1)، وهما:
التأمين التجاري، وأشهر تعريف له: عقد يلزم الطرف الأول-المؤمِّن كشركة التأمين- بمقتضاه أن يؤدي إلى الطرف الثاني-المؤمَّن له كالفرد- أو إلى المستفيد الذي اشتُرط التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو إيرادًا مرتبًا أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع حادث أو تحقق الخطر المبين بالعقد، وذلك في نظير مبلغ من المال يدفع أقساطًا أو دفعة واحدة من المؤمَّن له للمؤمِّن (2).
التأمين التعاوني-ويسمى التبادلي-، وقد عرف بتعاريف كثيرة متفقة في الحقيقة، منها: عقد جماعي يقوم بموجبه كل مشترك بدفع مبلغ من المال على سبيل التبرع؛ لتعويض الأضرار التي قد تصيب أيًا منهم عند تحقق الخطر المؤمن عليه (3).
والفروق بينهما متعددة، منها أن المؤمن له في التأمين التعاوني متبرع، وليس الربح هدفًا له في مقابل الضمان، والفائض من الأرباح يكون مخزونًا احتياطيًا أو يكون حقًا للمشتركين المؤمن لهم وليس حقًا للمؤسسين للشركة، كما هو الحال في التأمين التجاري (4).
حكم التأمين
تبين بما سبق صورة التأمين التجاري وصورة التأمين التعاوني، أما التأمين التعاوني فقد حكى جمعٌ عدم الخلاف بين علماء العصر على جوازه (5)، وذكر بعض الباحثين فيه خلافًا على قولين ورجح التحريم (6)، ولعل مردّ ذلك لتحقيق المناط في الواقع التطبيقي لعقد التأمين التعاوني، فإن كان عقد معاوضة فهو في حقيقته تأمين تجاري مستتر باسم التأمين التعاوني، وإن
(1) ويرى بعض الباحثين أن التأمين الاجتماعي قسيمٌ لهما، وكذلك الخيري.
(2)
عقود التأمين ص 16، التأمين الإسلامي للقره داغي ص 14، الربا والمعاملات المصرفية ص 403، المعاملات المالية المعاصرة ص 89، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 365، القمار حقيقته وأحكامه ص 491.
(3)
العقود المالية المركبة ص 289، التأمين التعاوني: بحث ضمن مجلة الجمعية الفقهية السعودية العدد 3 ص 449، المعايير الشرعية، المعيار الشرعي للتأمين الإسلامي، ص 450.
(4)
المعايير الشرعية ص 446، التأمين التعاوني 3/ 451 - 455، تقييم تطبيقات وتجارب د. رياض الخليفي، ملتقى التأمين التعاوني، محرم 1430، ص 11 - 15، قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي ص 295، وتأتي فروق أخرى ص 261.
(5)
قرارات الهيئة الشرعية بمصرف الراجحي 1/ 77 قرار رقم 40، المعايير الشرعية ص 445، المعاملات المالية المعاصرة ص 85 - 86، التأمين التعاوني 3/ 471، التأمين الإسلامي للقره داغي ص 167، التأمين بين الحظر والإباحة ص 233 - 234.
(6)
التأمين للثنيان ص 273 - 284، التأمين في الشريعة والقانون لشوكت عليان ص 191، وينظر التأمين على رخصة قيادة السيارات، ضمن مجلة البحوث الفقهية المعاصرة العدد 60 ص 114.
كان عقد تبرعٍ محضٍ أو تبرعٍ متبادَلٍ يغتفر فيه الغرر فهو تأمين تعاوني حقيقي، وعلى ضوء ذلك ينظر في الحالات المعينة بغض النظر عن مسمياتها (1).
ومن أبرز أدلة إباحة التأمين التعاوني حديث أبي موسي الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريِّين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم» (2).
وجه الدلالة: أن دفع الأشعريين لما عندهم تبرع، واقتسامه فيما بينهم مواساة، وذلك عند وقوع خطر محتمل، فلما كان القصد منه الإحسانَ وليس المعاوضةَ اغتفر فيه الغرر والتفاضل بين ما يدفعه وما يأخذه كل واحدٍ منهم، ومن جهة أخرى فإن فيه تبرعًا في مقابل تبرع أو تبرع مشروط بتبرعٍ شرطًا عرفيًا، ولم يجعله ذلك في حكم المعاوضة؛ لأن المقصود منه التعاون لا الربح (3).
أما التأمين التجاري فاختلف فيه على أقوال أشهرها ثلاثة:
القول الأول: التحريم مطلقًا.
وهو قول جمهور العلماء، منهم ابن عابدين (4)، وقرار المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة (5)، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (6)، والمجمع الفقهي الإسلامي بالرابطة بمكة (7)، ومجمع الفقه الإسلامي الدَّولي المنبثق من المنظمة بجدة (8)،
(1) ينظر: العقود المالية المركبة ص 298 - 299.
(2)
رواه البخاري، كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض
…
(3/ 138)(ح 2486)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم (7/ 171)(ح 6408).
(3)
وينظر في أدلته وأسس العمل به فتاوى اللجنة الدائمة 15/ 287 - 292، المعايير الشرعية ص 437، البند رقم 5.
(4)
حاشية ابن عابدين 6/ 268 - 269، ويصحَّح في ص 269:(قلت: ليست مسألتنا من هذا) سقطت كلمة (ليست)، مجموعة رسائل ابن عابدين 2/ 177، وابن عابدين (ت 1250/ 1836 م) من علماء الحنفية، وقد نص على التحريم بقوله:(لا يحل) واشتهر عنه ذلك، وبعض المبيحين للتأمين التجاري يقول:(فأجاب بجوابٍ خلاصته الكراهة) ولا داعي لهذا، كان بالإمكان أن ينقل قوله أو يختصره بأمانة ثم يبّين ما يراه بدليله، وما ذكره ابن عابدين من تفصيلٍ بعد نصه على المنع متعلق بمعاملة الحربيين، وتعود نشأة التأمين العالمي لعام 1666 م، ينظر في تاريخ التأمين ونشأته: عقود التأمين ص 11 - 13، التأمين الاجتماعي ص 220 - 224، الربا والمعاملات المصرفية ص 404، المعاملات المالية المعاصرة ص 88، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 370، من أجل تأمين إسلامي ص 11 - 16.
(5)
المنعقد عام 1396، فقه النوازل للجيزاني 3/ 267، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 380، القمار حقيقته وأحكامه ص 495.
(6)
قرار رقم 5/ 10، بتاريخ 4/ 4/1397، أبحاث هيئة كبار العلماء 4/ 306.
(7)
في دورته الأولى بتاريخ 10/ 8/1398، فقه النوازل 3/ 275، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 380.
(8)
القرار رقم 9 (9/ 2) بتاريخ 10 - 16/ 4/1406، مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع 2 ج 2 ص 731.
وفتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (1)، ومن لا يحصى من العلماء (2).
القول الثاني: الإباحة في الجملة (3).
وهو قول محمد بن الحسن الفاسي (4) وقرار الهيئة الشرعية بمصرف الراجحي (5) وقول عددٍ من العلماء المعروفين (6).
القول الثالث: الإباحة إلا التأمين على الحياة.
وهو قول عبد الله بن زيد آل محمود (7) وغيره.
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قال عز وجل: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)} البقرة: (188).
وجه الدلالة: أن المؤمَّن له قد يحصل على تعويض كبير حال وقوع الخطر أو الحادث يفوق كل الأقساط التي دفعها، وقد لا يقع الخطر أصلًا فيضيع عليه كل ما دفعه ويكون من نصيب المؤمن.
المناقشة: الآية لم تعين الباطل الممنوع في المعاملات، فالخلاف قي تحقيق المناط، ولا نسلّم أن التأمين داخلٌ فيه، قال القرطبي:(وهذه الآية متمسك كل مؤالفٍ ومخالفٍ في كل حكمٍ يدّعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز)(8).
(1) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 15/ 8، 241 - 320، ولكثرة الفتاوى لم أذكر أرقامها.
(2)
مجموع فتاوى عبد العزيز بن باز 19/ 312 - 315، 28/ 120، 123، الغرر في العقود ص 50، الربا والمعاملات المصرفية ص 425، وينظر: موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 381، 395، التأمين الاجتماعي ص 305، 316، المعاملات المالية المعاصرة ص 98، التأمين الإسلامي للقره داغي ص 120 - 137، 162.
(3)
فمنهم من يرى الجواز مطلقًا ومنهم مَن يقيّد ذلك بقيود مختلفة.
(4)
الفكر السامي ص 775 - 784، وخصّه بالتأمين على الأموال وذكر أنه لا حاجة للكلام عن التأمين على الأنفس (الحياة)، وهذا لا يعتبر قولًا بتحريم التأمين على الحياة كما فهمه بعض الباحثين، ويصحَّح في ص 777:(فعلى الفقهاء ألا يجمدوا في أحكامهم) سقطت كلمة (لا).
(5)
قرارات الهيئة الشرعية بمصرف الراجحي 1/ 76 - 78، قرار رقم 40، ويقال: إنهم رجعوا عنه.
(6)
منهم عبد الله صيام وعبد الوهاب خلاف ومصطفى الزرقاء، ينظر: مجلة المجمع ج 2 ع 2 ص 611، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 382، التأمين الاجتماعي ص 311، المعاملات المالية المعاصرة ص 105، المدخل الفقهي العام 1/ 623 - 624.
(7)
أحكام عقود التأمين ص 63.
(8)
الجامع للأحكام القرآن 2/ 337، آية البقرة.
الجواب: قال القرطبي بعده: (فجوابه أن يقال له: لا نُسلّم أنه باطل حتى تبينه بالدليل وحينئذٍ يدخل في هذا العموم) وقال في آية النساء: (قوله-تعالى-: (بِالْبَاطِلِ) أي بغير حق
…
ومِن أَكْلِ المال بالباطل بيعُ العربان، وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكتري منك الدابة ويعطيك درهمًا فما فوق، على أنه اشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن السلعة أو كراء الدابة، وإن ترك ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطاك فهو لك، فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين؛ لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة وأكل المال بالباطل بغير عوضٍ ولا هبةٍ، وذلك باطلٌ بإجماع) (1) وبغضِّ النظر عن حكم بيع العربون فما أشبه التأمين التجاري بما ذكره القرطبي (2).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر (3).
وجه الدلالة: قال ابن الأثير: (هو ما كان له ظاهر يغرّ المشتري وباطن مجهول، وقال الأزهري: بيع الغرر ما كان على غير عهدة ولا ثقة، وتدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكُنْهِهَا المتبايعان من كل مجهول)(4) وهذا ينطبق تمامًا على التأمين التجاري، فكلا طرفي العقد لا يدري عند إنشائه ما سيأخذ ولا ما سيعطي، سواء أكان التأمين على الأشخاص أم على الأشياء أم على المسؤولية (5).
المناقشة: قال الفاسي: (إنه لا بيع فيها ولا معاوضة، وإنما هو شيء تافه يدفعه الإنسان كتبرع لشركةٍ تضعه في صندوقها الذي هو كصندوق احتياطي ثم تكون ملزمة بالتعويض على الدافع إذا أصابته كارثة مقابل ما أخذته منه، فشبهها بالتبرع أقرب وأقوى من شبهها بالبيع)(6) فالتأمين ليس عقد معاوضة والغرر فيها يسير، وقال النووي: (قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى
(1) 5/ 143 - 144، وينظرص 145.
(2)
ينظر في بيع العربون: مصنف ابن أبي شيبة (ح 23656 - 23664)، سنن أبي داود (ح 3502)، سنن ابن ماجه (ح 2192) سنن البيهقي 5/ 343، موسوعة شروح الموطأ 16/ 122، التلخيص الحبير (4/ 1767)، بداية المجتهد 7/ 293، المجموع 10/ 495 - 497، المغني 6/ 331، تقرير القواعد 3/ 312، مجموع فتاوى ابن باز 19/ 62 - 63، بحوث في الاقتصاد الإسلامي للمنيع ص 145 - 169.
(3)
رواه مسلم، كتاب البيوع (5/ 3)(ح 3808).
(4)
النهاية في غريب الحديث ص 666.
(5)
وينظر قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي ص 263 - 266، التأمين الإسلامي للقره داغي ص 141 - 146.
(6)
الفكر السامي ص 776، يلاحظ أن التعبير الشائع (كتبرع)(كصندوق) -في هذا الصدد- لحن.
ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة أو كان الغرر حقيرًا جاز البيع وإلا فلا) (1) وهذه معاملة عمت بها البلوى لاتساع نطاق الأعمال التجارية والصناعية والزراعية برًا وبحرًا (2).
الجواب: أن المراد بالبيع في الحديث المعاوضة في اصطلاح الفقهاء، أو المعاوضات ملحقةٌ بالبيع؛ لأنها في معناه، والتأمين التجاري عقد معاوضة، يلتزم بموجبه الطرف الأول بدفع أقساط، ويلزم بموجبه الطرف الثاني بدفع مبلغ في وقت مجهول؛ لأنه مربوط بأمر قد يقع وقد لا يقع، فلا شك في دخوله في الحديث، فإذا كان الدفع على جهة التبرع فهذا تأمين تعاوني وليس تجاريًا، أما كون المدفوع شيئًا تافهًا فهذا زعمٌ يكتنفه أمران: الأول: أن الواقع يكذبه. الثاني: أنه لو سلّمنا ذلك، وكان واقع الشيخ كما ذكره، فإن الغرر اليسير المغتفر ما كان تابعًا، أما أن يكون هو المقصود بالعقد ولا يتبع غيره فلا يجوز، وبالنظر في سياق كلام النووي المشار إليه نجد أنه مثّل بأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل أو ناقص وشراء الشاة في ضرعها لبن وشراء الجبة المحشّوة وإلم ير حشوها وإجارة الدار شهرًا، مع أنه قد يكون ثلاثين يومًا وقد يكون تسعة وعشرين، ونقل الإجماع في كل ذلك على الجواز، وهو كما ترى (3).
الدليل الثالث: أن التأمين التجاري يقوم على الميسر والقمار والمراهنة؛ لما فيه من المخاطرة التي يعلق خروج كل طرفٍ فيها غانمًا أو غارمًا على أمر تخفى عاقبته، فبقدر ربح أحد الطرفين تكون خسارة الآخر، ولما فيه من الغرم بلا جناية ولا تسبب فيها، ومن الغنم بلا مقابل أو بمقابل غير مكافئ.
المناقشة: عقد التأمين جِدٌّ والقمار ضرب من اللهو والعبث.
الجواب: علة فساد عقود المعاملات بالميسر هي الاحتمال والغرر، وليست اللعب والهزل، وهذه العلة متحققة في التأمين التجاري (4).
الدليل الرابع: أن عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسيئة أو الثاني فقط، فإن شركة التأمين (المؤمِّن) إذا دفعت للمؤمَّن له أكثر مما دفعه فهذا ربا الفضل والنسأ، فإذا
(1) المجموع 10/ 396.
(2)
الفكر السامي ص 776، وتمامه:(ولا تخلو مملكة في العالم من هذه المعاملة ولا يستغنى عنها فيما أظن).
(3)
وينظر: الفروق للقرافي 1/ 284 الفرق 24، 3/ 1051 الفرق 193، الفواكه الدواني 2/ 124، مجموع الفتاوى 29/ 25 - 26، زاد المعاد 5/ 727،724.
(4)
القمار حقيقته وأحكامه ص 506 - 519.
دفعت له مثل ما دفع فهذا ربا النسيئة، والربا محرم بالنص والإجماع.
المناقشة:
1.
عدم التسليم؛ لأن المعاوضة بين نقودٍ يدفعها المؤمن له من جهة وبين منفعةٍ تحصل له في المقابل، وهي تحمل تبعة الكوارث وضمان رفع أضرارها وتخفيفها، وهذه المنفعة لا تتضمن العلل الربوية، وليست من الأصناف الستة التي يجري فيها الربا (1).
الجواب: أن العبرة بالحقائق لا بالألفاظ التي يُعبَّر بها عنها، فما هي هذه المنفعة التي تتحملها شركة التأمين (المؤمن)؟ هي دفع المقابل النقدي عن الخسائر، والواقع أكبر دليل، وعليه فالمعاملة نقد بنقد مع تفاضل ونسأ أو الثاني فقط، بالإضافة إلى أن شركات التأمين تستثمر أموال المؤمِّنين في البنوك الربوية أو تقوم بإعادة التأمين لدى من يستثمرها فيها.
الرد: يمكن فصل عقْد التأمين عن الربا بأن تجعل الأموال فيه مما لا يجري الربا بينها بأن يدفع الأقساط نقدًا ويكون التعويض سيارة أو خدمات طبية أو نحوهما (2).
2.
أن المؤمِّن قد لا يدفع شيئًا، فإذا لم يقع الخطر المتفق على التعويض بسببه لن يكون ثَم نقود في مقابل نقود.
الجواب: العبرة بكون العقد من الربا، وقد أُبرم، لا بالالتزام به.
الدليل الخامس: أن التأمين التجاري من بيع الدين بالدين، لأن الأقساط التي سيدفعها المؤمن له دينٌ في ذمته، ومبلغ التعويض الذي سيدفعها المؤمن دين في ذمته، فيحرم قياسًا على تأجيل عوض المسلَم فيه، وهو محرم بالإجماع (3)، وهذا الدليل لا ينطبق إلا على العقود التي يكون قسط التأمين فيها مؤجلًا (4).
في أدلة أخرى هذه أبرزها.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الأصل في المعاملات الحل والصحة، ولم يرد دليل بمنعها بعينها لا في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، ولا يُعلم أحد من المتقدمين تكلم فيها؛ لكونها حدثت قريبًا، فيجري فيها الخلاف في حكم الانتفاع بالأشياء قبل ورود الشرع، ومذهب جمهور
(1) أبحاث هيئة كبار العلماء 4/ 124، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 389، الربا والمعاملات المصرفية ص 421.
(2)
التأمين على رخصة قيادة السيارات إلزامًا: ضمن مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد 60 ص 106.
(3)
المغني 6/ 410، مجموع الفتاوى 20/ 512.
(4)
عقود التأمين ص 87 - 88، المعاملات المالية المعاصرة ص 103 - 104.
العلماء على أن جميع المعاملات على الصحة حتى يقوم دليل على الفساد (1).
المناقشة:
1.
إذا سُلّم هذا الاستدلال بهذا الوجه لكان كل أمرٍ حادثٍ مباحًا؛ لافتقاره إلى نص يخصه، ولا نص، لذا كان المنهج المسدد الموفق الذي سار عليه الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة المتبعون إعمال ألفاظ النصوص بلا مغالاة وجمود، وفهم معانيها والسير معها بلا مصادمةٍ لظواهر وصرائح النصوص.
وبالنظر للمعاني الجوهرية والموازنة بين المصالح والمفاسد وتحقيق مقاصد الشريعة واستحضار الواقع في محل النظر نصل إلى نتيجة واضحة، ليس هذا موضع بسطها (2).
2.
عدم التسليم بأن واحدًا من المتقدمين لم يتطرق لهذه المسألة، بل لو قيل بأن المنع هو مذهب الحنفية والمالكية لما كان بعيدًا، فابن عابدين عمدة في مذهب الحنفية وقد نص على التحريم في مطلبٍ مشهور سبق التنويه به، وجاء في "المدونة" عن أشهب:(ألا ترى أنه لا يصلح أن يقول الرجل للرجل: اضمن لي هذه السلعة إلى أجل ولك كذا. لأنه أعطاه ماله في ما لا يجوز لأحد أن يبتاعه؛ ولأنه غرر وقمار، ولو علم الضامن أن السلعة تموت أو تفوت لم يرض أن يضمنها بضِعف ما أعطاه، ولو علم المضمون له أنها تسلم لم يرض أن يضمِّنها إياه بأقل مما ضمّنه إياها به أضعافًا، بل لم يرض بدرهم واحد، ألا ترى أنها إن سلمتْ أخذ الضامن من مال المضمون مالًا باطلًا بغير شيءٍ أخرجه، وإن عطبتْ غرم له قيمتها في غير مالٍ ملكه)(3) فإذا كان الحكم المعتمد في مذهبٍ ما يثبت بمجرد التخريج فكيف بالنص على الحقيقة؟ لم يبق إلا التسمية، وذكر اسم العقد لا يؤثر بعد اندراجه في عموم الصورة والحكم.
الدليل الثاني: أن التأمين التجاري فيه مصالح عظيمة، والحاجة إليه شديدة، ومن مصالحه تخفيف أعباء المخاطر بين المستأمنين ومنح الأمان والاطمئنان لهم، وتحقيق الربح للمؤمن وتنمية المشاريع الاقتصادية للدولة.
المناقشة:
(1) الفكر السامي ص 777 - 778، وينظر في المسألة الأصولية: العدة 4/ 1248، الإحكام لابن حزم 1/ 58، روضة الناظر 1/ 134، مجموع الفتاوى 21/ 538 - 539، المستدرك على مجموع الفتاوى 2/ 7 (من المسوّدة)، شرح الكوكب المنير 1/ 322 - 328، والراجح أنه لا يوجد زمان يصح وصفه بأنه قبل ورود الشرع.
(2)
ينظر حقيقة شركات التأمين للدكتور سليمان الثنيان، قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي للدكتور سامي السويلم ص 259 - 310.
(3)
المدونة 4/ 351، وينظر: التأمين الإسلامي للقره داغي ص 144، التأمين بين الحظر والإباحة لسعدي أبو جيب ص 26 - 27.
1.
أن مضار التأمين التجاري أعظم من مصالحه، والعبرة بالغالب (1)، ومن هذه المضار إفساد ذمم الناس بافتعال الحوادث أو التساهل في أخذ الحيطة أو غير ذلك، وتسلط فئة من أثرياء التأمين على عامة الناس وفقرائهم، واستنزاف ثروات البلاد وإرسالها للخارج بإعادة التأمين، وبالاستثمار في بلاد الكفار بدلًا من إقامة الصناعات والمشاريع النافعة (2).
ووجود المصالح ليس كافيًا في التحليل، فالخمر فيها منافع، كما قال الله سبحانه وتعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} البقرة: (219).
2.
أن هذا الأمان لا حقيقة له من وجوه عديدة، منها:
أن شركة التأمين التجاري تلتزم عند التعاقد بتعويض المؤمن له إذا وقع الخطر من مجموع اشتراكات المشتركين، وهو ما يعتبر غطاءً للعقد، لكنها تستخدم الغطاء ذاته لكل مستأمن (مؤمن له) مع كونه قد لا يفي بذلك، وهو مشغول بالعقد مع المتعاقد الأول، فهو بمثابة رهن المرهون، فعقد الرهن الثاني لم يصادف عند إبرامه محلًا قابلًا، ولا يفيد الراهن غلبة ظنه بوفاء الدين دون حاجة للرهن في تسويغِ رهنٍ لمرهونٍ واحدٍ لأكثر من دائن، فكذلك لا يفيد شركة التأمين غلبة ظنها بعدم الحاجة للتعويض لأغلب المشتركين (3).
3.
أنه يمكن تحقيق هذه المصالح بالتأمين التعاوني المشروع دون التعرض للمفاسد اللازمة للتأمين التجاري.
الدليل الثالث: قياس التأمين التجاري على التأمين التعاوني، فهما يتفقان في الإجراءات ومراحل التنفيذ، وكل المشتركين في التأمين يقصدون الربح، ولا أحد يشترك في التأمين التعاوني بقصد التعاون على البر واحتساب الأجر، ولا فرق بينهما في الحقيقة (4)، والتبرع في
(1) مفتاح دار السعادة 2/ 355، 362 - 363.
(2)
حقيقة شركات التأمين، الربا والمعاملات المصرفية ص 414 - 415.
(3)
قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي ص 276.
(4)
يقول د. مصطفى الزرقا: (وقد بينت في كتبي وبحوثي في المجمع الفقهي أن التمييز بين تأمين تجاري وتأمين تعاوني خرافة، وأن هذا التمييز الوهمي هو نتيجة عدم الإدراك لحقيقة التأمين وواقعها).فتاوى التأمين ص 49، التأمين بين الحلال والحرام ص 19، وفي مقابل ذلك قال د. علي القره داغي في كتابه "التأمين الإسلامي" ص 224 - 225:(وقد قرأت بدقة كُتبَ أو بحوثَ معظم الذين حاولوا هدم الجدار الفاصل بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني الإسلامي، فوصلت إلى أن حكمهم بعدم التفرقة بينهما يعود إلى عدم اطلاعهم على الجانب العملي للشركة التي تدير التأمين التعاوني والشركة التي أنشئت لأجل الاسترباح بأنشطة التأمين، فلم تكن هناك رؤية واضحة في تنظيم العلاقات بين الشركة والمشتركين وحساب التأمين ونحو ذلك، والله أعلم) وقال د. سامي السويلم في "قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي" ص 261: (فبالرغم من كثرة ما كتب عن التأمين إلا أن الفرق بين التأمين التجاري والتعاوني قد التبس على كثيرين إلى درجة التسوية بينهما ونفي الفارق المؤثر).
التأمين التعاوني قابله تبرع آخر مشروط فصار بذلك معاوضة كالتأمين التجاري (1).
المناقشة:
1.
بالإضافة لما سبق من الفروق الجوهرية بينهما يقال: إن قاعدة التأمين التجاري تعويض الأقلية من أقساط الأكثرية، ولهذا يمتنع تعويض الجميع، والطرق الإحصائية لحساب القسط التأميني قائمة على أساس أن نسبة ضئيلة من الأفراد يصابون بالخطر، فلو أخطأت الإحصاءات في الواقع وأصيب الأكثر بالخطر ستواجه شركة التأمين التجاري الإفلاس أو البحث عن مصادر أخرى للتمويل (2)، وهذا ما لا يوجد مثله في التأمين التعاوني فإن أساسه رأب الصدع بما تحصّل من أقساط المشتركين، فإذا زاد الخطر عن ذلك فإن المؤمن لا يضمن ولا يلزم بالتعويض عن القدر الزائد، كما أن الفائض عندما لا تحصل أخطارٌ وحوادث يعود إلى جميع المشتركين في التأمين التعاوني، لا إلى المؤسسين كما في التأمين التجاري، حيث يهدفون إلى الاسترباح بالفرق بين أقساط التأمين والتعويضات المدفوعة مقابل التزامها بالتعويض.
2.
أن القائلين بإباحة التأمين التجاري يقرون أنه إذا اقتصر على الفرد المعين فهو غرر وقمار، لكنهم يجيزونه مع مجموعة كبيرة من الناس، وهذا ينافي قاعدة الشرع، فإن العقد المحرم لا تندفع مفسدته بانضمامه إلى مثله، وتكثيرُه تكثيرٌ للمفسدة وإيغال في التحريم، ولو كان التعاقد مع بقية المستأمنين شرطًا لصحة العقد أصبح العقد جماعيًا لا ثنائيًا، ولم يعد العقد مقتصرًا على تنظيم العلاقة بين المستأمن والشركة -كما هو حال التأمين التجاري- بل ينظم العلاقة بين مجموع المستأمنين والشركة، وهذا هو التأمين التعاوني (3).
3.
التبرع المشروط في التأمين التعاوني لا يدخله في المعاوضات المالية المحضة بل هو كالنهد (4)؛ لأن قصد المؤمن له التبرع، والقصد أمر باطن لا يمكن الحكم عليه دون قرينة.
4.
كون التأمين التعاوني يماثل التأمين التجاري في الإجراءات والمباداء الإحصائية في التأمين ونحو ذلك لا محذور فيه؛ لأن العلة في المنع من التأمين التجاري ليس شيئًا من هذه الأمور. وما ذكر ينجر على قياس التأمين التجاري على نظام التقاعد.
الدليل الرابع: قياس التأمين التجاري على أصول مختلفة منها:
(1) الخطر والتأمين لرفيق المصري ص 99،62،59 وينظر ص 51 - 56.
(2)
قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي ص 272، 298.
(3)
قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي ص 286 - 288.
(4)
ينظر في تفصيل ذلك: المرجع السابق ص 55، التأمين الإسلامي للقره داغي ص 222 - 225، وينظر للفائدة ص 201 - 222.
أولًا: الحراسة وأهل الخفارة، وجه ذلك أن الحارس يتقاضى مالًا بموجب عقد مقابل خطرٍ محتملٍ، فقد يأتي لص وقد لا يأتي، ولم يقل أحدٌ بتحريم ذلك، فكذلك التأمين التجاري.
المناقشة:
1.
أن المعاوضة على الحراسة معاوضة على درء الخطر بالعمل، فاللص قد يرى الحارس فلا يقدم على السرقة أصلًا، فليس وجود الحارس كعدمه، أما شركات التأمين فتقوم على المعاوضة على آثار الخطر دون الحماية من وقوعه فالأول دفعٌ والثاني رفعٌ، والدفع أقوى من الرفع.
2.
أن الحراسة إجارة خاصة استوفى فيها المؤجرُ منفعة الأجير، فقد بذل الحارس جهده واستقطع من وقته لهذا العمل ما استحق به الأجرة.
3.
إذا استأجر رجلٌ أجيرًا ليوصله بسيارته للجامع ليصلي الجمعة -مثلًا- فوجد الصلاة قد فاتته فهل يقول قائل: إن الأجير لا يستحق أجرة التوصيل لأن المقصود قد فات؟ كذلك الحارس، فعدم وقوع السرقة لا يبطل حقه في الأجرة لوجود العمل المعقود عليه، لكن ما العمل الذي تقوم به شركات التأمين؟ إصدار بطاقة التأمين؟!
ثانيًا: ضمان خطر الطريق، فإذا قال شخصٌ لآخر: اسلك هذا الطريق، فإنه آمن، فإن أصابك شيء فأنا ضامن. لزمه ما التزم، وجه القياس أن في كلٍّ منهما ضامنًا لخطر مجهول، فضامن الطريق لا يعرف مدى الخطر الذي يحتمل وقوعه بالسالك، وكذلك المؤمن لا يعرف مقدار الخطر الذي سيقع للمؤمن له، كما أنه لم يتسبب فيه.
المناقشة:
1.
لا يصح نسبة هذا الحكم للحنفية (1)، وإذا صُحح تنزلًا فقد نصوا على عدم صحة القياس؛ لأن مسألة الأصل يكون الغارّ فيها عالمًا بالخطر والمغرور غير عالمٍ وفي مسألة الفرع كلاهما لا يعلم (2)، بمعنى أن سبب الضمان في خطر الطريق أن الضامن غرَّه بسلوك الطريق الخطر.
2.
عدم التسليم بحكم الأصل فكلاهما ممنوع للنهي عن بيع الغرر، وهذان منه.
3.
أن الالتزام في مسألة ضمان خطر الطريق من طرفٍ واحدٍ -ضمان بلا عوض- وفي التأمين من الطرفين (3).
(1) الربا والمعاملات المصرفية ص 408 - 409.
(2)
حاشية ابن عابدين 6/ 268 - 270.
(3)
المعاملات المالية المعاصرة ص 111.
ثالثًا: العاقلة، فإذا قتل قاتلٌ بغير عمد تحملت عاقلته، كما هو مقرر في موضعه، ووجه القياس أن نظام العاقلة والتأمين التجاري يشتركان في تخفيف أثر المصيبة وتوزيع العبء المالي على جميع المشاركين، وكلاهما إلزامي، الأول بالشرع والثاني بالعقد.
المناقشة: أن نظام العاقلة قائم على التكافل والتعاون لا على الربح، والعاقلة يربطها بالجاني روابط أسرية لا تباع ولا تشترى، ولها أثرها عليه فإن جنايته قد تكون بسببهم إما لسوء التربية أو عدم الردع والكف أو شعوره بالقوة لانتمائه لهم، والعاقلة لا تتحمل إلا بما تحصل به المواساة، فالفقير منهم لا يدفع شيئًا (1)، أما المؤمن في التأمين التجاري فملزم بالدفع؛ لأنه مبني على الضمان لا على المواساة (2)، والتأمين التعاوني هو الذي يشبه نظام العاقلة.
رابعًا: عقد الموالاة، وهو أن يتفق شخصان على التناصر والتوارث وتحمل كل منهما جنايات والتزامات الآخر، ووجه القياس أن في كلا العقدين مخاطرة فلا يدري أي المتعاقدين يموت أولًا فيرثه الآخر، ولا يدرى ما الالتزامات والجنايات التي تعرض لكل منهما، وكذلك الحال في التأمين التجاري (3).
المناقشة: عقد الموالاة منسوخ (4)، وعلى فرض إحكامه فالمقصود منه تنمية أواصر المحبة والأخوة والتعاون لا الربح (5).
في أدلة أخرى.
دليل القول الثالث: استدلوا بأدلة الفريق الأول على تحريم التأمين على الحياة وبأدلة الفريق الثاني على جواز التأمين على الأموال.
الترجيح
وبين يدي الترجيح أقول: إن الترجيح في الأمور العامة لا بد أن يرتبط بالواقع علميًا وعمليًا، فإصدار الحكم دون تصور صحيح وفهم للواقع خطأ، (وأكثر أغلاط الفتاوى من
(1) قال في "الأوسط" 13/ 346: (وكل من أحفظ عنه من أهل العلم: لا يلزم الفقير من ذلك شيئًا).
(2)
فتاوى اللجنة الدائمة 15/ 285، الربا والمعاملات المصرفية ص 412 - 413، المعاملات المالية المعاصرة ص 105 - 106، 111.
(3)
التأمين الاجتماعي ص 309 - 310. قال أحمد طه السنوسي: (عقد المولاة يكون نصًا صريحًا في التأمين من المسؤولية) وتعجب مصطفى الزرقا من توارد الخواطر بينه وبين السنوسي في هذا الاستدلال، وقال: (ورأيت في هذا التوارد دليلًا على صحة الملاحظة). المعاملات المالية المعاصرة ص 107 - 108.
(4)
رواه البخاري، كتاب الكفالة، باب قول الله -تعالى-:(والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم)(3/ 95 - 96)(ح 2292) موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنهما وهي قراءة من عدا عاصم وحمزة والكسائي وخلف.
(5)
التأمين الإسلامي للقره داغي ص 152، الربا والمعاملات المصرفية ص 417 - 418.
التصور) (1)، وإعطاء حكمٍ لا يمكن أن يلتزمه المكلف أيضًا خطأ؛ لأن الشريعة ليس فيها تكليف بمحال، وكثير من البحوث والاجتهادات لا تجد نصيبًا من التطبيق وخوض غمار التغيير ولا ترى النور، وذلك لأمورٍ هذا منها، وفي كثير من دول العالم تقوم مراكز البحوث والدراسات بدور أصيل في التغيير وصناعة القرار؛ لأنها من الواقع وإليه، فإذا وجدت مشكلة أمنية رفعت -بعد الرصد السليم- لمراكز البحوث والدراسات الأمنية، وعلى ضوء نتائجها تقدم الحلول القابلة للتنفيذ، ثم تقوم الجهة المسؤولة بتنفيذها مع المتابعة المرحلية لمعرفة جدوى الحلول واختبار مناسبتها، وقل مثل ذلك في المشاكل الصحية والاجتماعية وغيرها.
إن التأمين من العقود المنتشرة والملّحة في هذا العصر، ومن أكثر المسائل بحثًا ودراسة في العالم الإسلامي، وبعض الأقوال في حكم التأمين وفي حكم إعادة التأمين هي حلول وقتية، جاءت تحت ضغط الواقع؛ لذلك أخذت حكم الضرورة والترخص المؤقت، وتشكلت قناعات على ضوء ما فرضه العصر، رغم أن البدائل السليمة للتأمين التجاري كثيرة ومتيسرة ومجرَّبة -ولله الحمد- (2)، ولا يعجز الفقه الإسلامي عن وضع الحلول السليمة لكل نازلة، مع القناعة التامة أن ما يجري التعامل به في العالم مما هو مخالف للشريعة ضررٌ محضٌ، ولو اغتر بعضنا ببريقه، وأنهم يعترفون دائمًا وأبدًا بصلاحية الحل الإسلامي الذي يجب أن يبقى أصيلًا مواكبًا.
وأستشهد بما جاء في مقدمة "فتاوى التأمين": (وقد ثار الجدل سابقًا-ولا يزال- بشأن مشروعية التأمين التقليدي الذي كان وحده في المجال -كما يظهر من بعض الفتاوى-، ولكن الكفة رجحت أخيرًا إلى تأييد وتعزيز التأمين الإسلامي التعاوني، يدل على ذلك المسارعة لإنشاء تلك الشركات وتحول بعض شركات التأمين التقليدي إلى الالتزام بالأحكام الشرعية وتعاون شركات إعادة التأمين التقليدية مع شركات التأمين الإسلامية بتطوير تطبيقاتها تجاهها)(3)، مما يعني أن الحل الإسلامي قادر على أن يفرض نفسه في سائر مجالات الحياة، التأمين وغيره، والحمد الله رب العالمين.
الراجح تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه مطلقًا.
(1) الفكر السامي ص 781.
(2)
ينظر مثلًا: المعاملات المالية المعاصرة ص 113 - 140، قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي ص 294 - 310، التأمين وأحكامه للثنيان ص 285 - 343.
(3)
فتاوى التأمين من الأمانة العامة للهيئة الشرعية بمجموعة دلة البركة ص 3، وينظر في تفوق المصارف الإسلامية على المصارف التقليدية: بحوث في فقه البنوك الإسلامية 2/ 545.