المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفرع الأول: إجارتها لغير المؤجر - العقود المضافة إلى مثلها

[عبد الله بن طاهر]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيدتعريف العقود والأصل في حكمها وقواعد إضافة العقود إلى مثلها

- ‌المبحث الأول: تعريف العقود

- ‌المبحث الثاني: الأصل في العقود

- ‌المبحث الثالث: القواعد والضوابط المتعلقة بالعقود المضافة إلى مثلها

- ‌المطلب الأول: الأصل في العقود التي يجوز أن يقوم فيها غير المعقود معه مقامه

- ‌المطلب الثاني: قاعدة نقل المِلك بنفس العقد المستفاد به المملوك

- ‌المطلب الثالث: قاعدة نفي الضرر

- ‌المطلب الرابع: قاعدة سد الذريعة

- ‌المطلب الخامس: ضابط فقهي

- ‌الفصل الأولعقود المعاوضات المضافة إلى مثلها

- ‌المبحث الأول: بيع المبيع

- ‌المطلب الأول: تعريف البيع وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع المبيع

- ‌الفرع الأول: بيع البائع للمبيع

- ‌الفرع الثاني: بيع المشتري للمبيع

- ‌المبحث الثاني: الإجارة على الإجارة

- ‌المطلب الأول: تعريف الإجارة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم إجارة المؤجِر العين المؤجرة وإجارة الأجير من يقوم بالعمل المطلوب منه في عقد الإجارة

- ‌الفرع الأول: إجارة المؤجِر العين المؤجَرة

- ‌الفرع الثاني: إجارة الأجير من يقوم بالعمل المطلوب منه في عقد الإجارة

- ‌المطلب الثالث: حكم إجارة المستأجر العين المؤجرة

- ‌الفرع الأول: إجارتها لغير المؤجر

- ‌الفرع الثاني: إجارتها للمؤْجِر

- ‌الفرع الثالث: إجارة المستأجر منافع الأجير

- ‌المبحث الثالث: إقالة الإقالة

- ‌المطلب الأول: تعريف الإقالة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم إقالة الإقالة

- ‌المبحث الرابع: مضاربة المضارب

- ‌المطلب الأول: تعريف المضاربة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: مضاربة المضارب

- ‌الفرع الأول: مضاربة المضارب (العامل) بدفع رأس المال لآخر

- ‌الفرع الثاني: مضاربة المضارب (العامل) بتقبل رأس المال من أجنبي

- ‌المبحث الخامس: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي

- ‌المطلب الأول: تعريف المزارعة والمساقاة وحكمهما

- ‌الفرع الأول: تعريف المزارعة وحكمها

- ‌الفرع الثاني: تعريف المساقاة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم مزارعة المزارع ومساقاة المساقي

- ‌الفرع الأول: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي بدفع الأرض أو الزرع لآخر ليقوم بذلك

- ‌الفرع الثاني: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي بتقبل أرض أو زرعٍ من أجنبي

- ‌المبحث السادس: استصناع الصانع (الاستصناع الموازي)

- ‌المطلب الأول: تعريف الاستصناع وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم استصناع الصانع

- ‌المبحث السابع: مقاولة المقاول (المقاولة من الباطن)

- ‌المطلب الأول: تعريف المقاولة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم المقاولة من الباطن

- ‌المبحث الثامن: الجعالة على الجعالة

- ‌المطلب الأول: تعريف الجعالة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم الجعالة على الجعالة

- ‌المبحث التاسع: إحالة المحال

- ‌المطلب الأول: تعريف الحوالة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم إحالة المحال

- ‌المبحث العاشر: السَّلَم المُوَازي (المتوازي)

- ‌المطلب الأول: تعريف السَّلَم وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم السلم الموازي (المتوازي)

- ‌الفرع الأول: إسلام المسلَم فيه بعينه

- ‌الفرع الثاني: الإسلام في مثل المسلَم فيه

- ‌المبحث الحادي عشر: تورُّق المتورِّق (إعادة التورُّق)

- ‌المطلب الأول: تعريف التورق وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم تورق المتورِّق (إعادة التورق)

- ‌الفصل الثانيعقود التبرعات المضافة إلى مثلها

- ‌المطلب الأول: تعريف الدين وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم استدانة المدين

- ‌الفرع الأول:

- ‌الفرع الثاني: استدانة المدين المعسر لحاجة نفسه ومن يمون

- ‌الفرع الثالث: استدانة المدين المعسر لقضاء دين الغرماء

- ‌الفرع الرابع: إقراض القرض

- ‌المبحث الثاني: توكيل الوكيل

- ‌المطلب الأول: تعريف الوكالة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم توكيل الوكيل

- ‌الفرع الأول: توكيل الوكيل إذا نهاه موكله عن التوكيل

- ‌الفرع الثاني: توكيل الوكيل إذا أذن له موكله في التوكيل

- ‌الفرع الثالث: توكيل الوكيل إذا أطلق موكله الوكالة

- ‌المبحث الثالث: إبضاع المبضَع

- ‌المطلب الأول: تعريف الإبضاع وحكمه

- ‌المطلب الثاني: إبضاع المبضَع

- ‌المبحث الرابع: إعارة المعار

- ‌المطلب الأول: تعريف الإعارة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم إعارة المعار

- ‌المبحث الخامس: إيداع الوديعة

- ‌المطلب الأول: تعريف الإيداع وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم إيداع الوديعة

- ‌المبحث السادس: وقف الوقف

- ‌المطلب الأول: تعريف الوقف وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم وقف الوقف من قِبل الموقوف عليه

- ‌المبحث السابع: هبة الموهوب

- ‌المطلب الأول: تعريف الهبة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: هبة الموهوب

- ‌المبحث الثامن: إيصاء الوصي (الموصَّى) وتوصية الموصى له والموصي

- ‌المطلب الأول: تعريف الإيصاء والوصية وحكمهما

- ‌المطلب الثاني: حكم إيصاء الوصي وتوصية الموصى له والموصي

- ‌الفرع الأول: إيصاء الوصي

- ‌الفرع الثاني: توصية الموصى له

- ‌الفرع الثالث: حكم توصية الموصي بالوصية

- ‌المبحث التاسع: إعتاق الرقيق

- ‌المطلب الأول: تعريف العتق والرِّقِّ وحكمهما

- ‌المطلب الثاني: حكم إعتاق الرقيق

- ‌الفرع الأول: إعتاق القِنّ

- ‌الفرع الثاني: إعتاق المبعَّض

- ‌الفرع الثالث: إعتاق المكاتب

- ‌الفرع الرابع: إعتاق أم الولد

- ‌الفرع الخامس: إعتاق المُدَبَّر وتدبيره

- ‌المبحث العاشر: مكاتبة المكاتب

- ‌المطلب الأول: تعريف المكاتبة وحكمها

- ‌المطلب الثاني: حكم مكاتبة المكاتب

- ‌المبحث الحادي عشر: إقطاع المقطَع

- ‌المطلب الأول: تعريف الإقطاع وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم إقطاع المقطَع

- ‌الفصل الثالثعقود التوثقة المضافة إلى مثلها

- ‌المبحث الأول: رهن المرهون

- ‌المطلب الأول: تعريف الرهن وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم رهن المرهون

- ‌الفرع الأول: رهن المرهون من طرفٍ ثالثٍ

- ‌الفرع الثاني: رهن المرهون من المرتهن (الزيادة في الدين)

- ‌المبحث الثاني: كفالة الكفيل وضمان الضمين (الضامن)

- ‌المطلب الأول: تعريف الكفالة والضمان وحكمهما

- ‌الفرع الأول: تعريف الكفالة وحكمها

- ‌الفرع الثاني: تعريف الضمان وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم كفالة الكفيل وضمان الضمين

- ‌المبحث الثالث: إعادة التأمين

- ‌المطلب الأول: تعريف التأمين وحكمه

- ‌المطلب الثاني: حكم إعادة التأمين

- ‌خاتمة

- ‌ثبت تراجم الأعلام

- ‌المصادر والمراجع

- ‌فهرس الآيات

- ‌فهرس الأحاديث والآثار

- ‌فهرس الإجماعات

- ‌فهرس الفوائد

الفصل: ‌الفرع الأول: إجارتها لغير المؤجر

سبب الترجيح:

1.

أن الأصل في العقود الجواز والصحة.

2.

عدم ثبوت ما يقتضي المنع من نص أو إجماع أو معنى صحيح.

3.

مراعاة أدلة اعتبار الشروط الصحيحة في العقود وأدلة اعتبار العرف.

4.

ما ذُكر من الأدلة الأخرى.

تنبيه:

الأجير الخاص، وهو الذي يؤجر نفسه مدة معلومة، يستحق المستأجر فيها نفعه، ليس له أن يستأجر غيره (1).

‌المطلب الثالث: حكم إجارة المستأجر العين المؤجرة

، وفيه ثلاثة أفرع:

‌الفرع الأول: إجارتها لغير المؤجر

، وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: إجارتها بمثل أجرتها أو أقل.

صورة المسألة: إذا استأجر إنسانٌ بيتًا-مثلًا- لمدة سنة فهل يحق له أن يؤجرها لغيره مدة سنة أو أقل بنفس قدر الأجرة الأولى أو أقل من ذلك؟ فقد يتبين له أن البيت لا يناسبه وأن المؤجر لا يقيله فلا يملك إلا أن يؤجرها ولو بأقل من أجرتها.

الحكم:

في هذه المسألة قولان:

القول الأول: جواز ذلك وصحته، وهو مذهب العلماء كافةً، ومنهم فقهاء المذاهب الأربعة (2).

القول الثاني: لا يجوز للمستأجر إجارة العين مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، ذكرها القاضي أبو يعلى (3).

(1) فتح القدير 7/ 207، الإنصاف 14/ 472، 474.

(2)

ورد عن بعض التابعين كراهة أن يؤجرها بأزيد من أجرتها، ولم أقف على من منع من الإجارة بمثل أجرتها أو أقل: ينظر مصنف عبد الرزاق، كتاب البيوع، باب الرجل يستأجر الشيء هل يؤاجر بأكثر من ذلك؟ (8/ 222 - 223)(ح.14970 - 14972) ومصنف ابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، في الرجل يستأجر الدار يؤجر بأكثر (11/ 691 - 695)(ح 23746 - 23772)، وبدائع الصنائع 4/ 315، حاشية ابن عابدين 9/ 152، الاستذكار 17/ 416، مواهب الجليل 7/ 521،537 تكملة المجموع 16/ 335، الأوسط 11/ 164، المستوعب 2/ 331، الإنصاف 14/ 338، صرّح بعضهم بجواز الإجارة بمثل الأجرة وأقل، وصرح آخرون بجواز الزيادة ففهم منه جواز الأقل، ومنع الحنفية من الزيادة فقط، وصرح بعضهم بجواز الإجارة بأقل.

(3)

المغني 8/ 54، الإنصاف 14/ 339، وفي رواية: لا يجوز إلا بإذنه.

ص: 56

الأدلة:

أدلة القول الأول:

الدليل الأول: قال أبو العباس ابن تيمية: (يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بمثل الأجرة بلا نزاع)(1)، فإما أن هذا الاتفاق المستفاد من قوله:(بلا نزاع) يعني به الصحابة والتابعين أو أن الرواية عن أحمد المخالفة لهذا القول لم تثبت عنه أو هي مجرد تخريج، وليست برواية.

الدليل الثاني: أن المنفعة مملوكة للمستأجر بالإجارة فله أن يتصرف فيها بما شاء كالعين المبيعة المقبوضة، ويكفي أن يقبض الأصل الذي تطرأ منه المنفعة (2).

الدليل الثالث: أن المؤجر ملك الأجرة بعقد الإجارة وجاز له أن يتصرف فيها كيف شاء، فكذلك المستأجر يملك العوض المقابل بالعقد نفسه، ويستفيد جواز التصرف وإطلاقه.

الدليل الرابع: أن قبض العين قام مقام قبض المنافع، بدليل جواز التصرف فيها بسكنى الدار-مثلًا-، فجاز العقد عليها (3).

أدلة القول الثاني:

الدليل الأول: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة وعن بيع وسلف وعن ربح ما لم يُضمن وعن بيع ما ليس عندك (4).

وجه الدلالة: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، والمنافع لم تدخل في ضمان المستأجر.

المناقشة:

أولًا: يجاب بالمنع، فالمنافع دخلت في ضمانه بقبضه للعين، فلو تلفت المنافع تلفت من ضمانه، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، وهذا قد ضمنه فله ربحه.

ثانيًا: أن إجارتها بمثل أجرتها أو أقل ليس فيه ربح أصلًا.

(1) مجموع الفتاوى 29/ 508.

(2)

الاستذكار 17/ 417.

(3)

المغني 8/ 54.

(4)

رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده (4/ 182)(ح 3504)، والنسائي، كتاب البيوع، باب سلف وبيع (7/ 295)(ح 4629)، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك (2/ 515)(ح 1234)، وابن ماجه، أبواب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك (3/ 308 - 309)(ح 2188) مختصرًا، وأحمد (11/ 203)(ح 6628)، واللفظ له، صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم وعبدالحق الإشبيلي والمنذري وابن القيم وابن تيمية والألباني. صحيح ابن حبان (ح 4321)، المستدرك 2/ 17، المحلى 8/ 520، مجموع الفتاوى 29/ 334، السلسلة الصحيحة (ح 1212)، الإرواء (ح 1305).

ص: 57

الدليل الثاني: أنه بيع لما لم يدخل في ضمانه فلم يجز؛ قياسًا على بيع المكيل والموزون قبل قبضه (1).

المناقشة:

أولًا: أنه لا محظور في بيع المكيل والموزون قبل قبضه توليةً؛ لأنه لن يربح فيه، كما ذكر أبو العباس ابن تيميّة (2).

ثانيًا: عدم التسليم بأنه لم يدخل في ضمانه؛ لأنه بقبض العين أو التمكن من قبضها يكون قابضًا للمنفعة، وإن تلفت تلفت في ضمانه.

الترجيح

الراجح جواز إجارة المستأجر للعين المؤجرة بمثل أجرتها أو أقل.

سبب الترجيح:

1.

ما سبق من أدلة هذا القول، ويتقوّى بالقياس على المبيع وعلى الأجرة.

2.

أن أدلة القول الثاني ليست متوافقة مع صورة المسألة، وفي بعضها ضعف ظاهر.

3.

أن هذا القول أطبق عليه العلماء، حتى قيل فيه:(بلا نزاع)، وهو المعتمد عند الحنابلة خلافًا للرواية التي حكاها القاضي.

4.

أن هذا القول متأيد بموافقة الأصل في المعاملات، ولا يوجد دليل يقوى على نقله.

(1) فائدة: وجه ذكر الدليل القياسي الموافق للدليل النصي في كتب الخلاف تقوية الدليل النصي، وبيان أنه موافق للقياس؛ لأن بعض الأدلة مختلف فيها وفي بعضها الآخر ضعف، وبعض المخالفين يرد ما خالف القياس من أخبار الآحاد، ومن جنس ذلك استشكال القول بأن المرسل يقبل إذا عضده مسند، وأجابوا بأجوبة منها أن المسند دليل برأسه والمرسل بالاعتضاد يكون دليلًا آخر، كما في فتح المغيث 1/ 266.

(2)

مجموع الفتاوى 29/ 505.

ص: 58

تنبيه:

للقول بالجواز في هذه المسألة وجميع مسائل هذا المبحث القادمة شروط، وهي:

الشرط الأول: قبض المستأجر للعين المؤجرة إذا كانت الإجارة لغير المؤجر (1).

وقد اشترطه الحنفية (2) والشافعية (3)، وهو وجه عند الحنابلة (4)، خلافًا للمالكية (5) والحنابلة (6)، وهو قول للحنفية (7) وبعض الشافعية (8).

الشرط الثاني: أن يكون المستأجر الثاني أمينًا.

ذكره المالكية (9) والشافعية (10).

الشرط الثالث: أن يكون المستأجر الثاني مثله أو دونه في الانتفاع والضرر، فلا يستأجر الأول بيتًا للسكنى ويؤجره لمن يتخذه مصنعًا، وقد يكون الثاني أمينًا ولكن يخالف جهلًا.

وهو شرط متفق عليه (11).

الشرط الرابع: عدم اشتراط المؤجر على المستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه.

فإن اشترط المؤجر ذلك فعند الحنفية تفصيل: إن كان الشيء مما يتفاوت الناس في استعماله كالركوب واللبس صح الشرط، وإلم يكن كالدخول للعقار واللبث فيه لم يصح الشرط (12)، وفي وجه عند الشافعية يصحَّ الشرط وتجوز الإجارة، وفي وجه يبطل الشرط وتصح الإجارة،

(1) أما إذا كانت الإجارة للمؤجر فجمهور العلماء على عدم اشتراط القبض إلا في وجه عند الحنابلة ويأتي في الفرع الثاني -إن شاء الله-.

(2)

الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 9/ 152، وعزاه لهم ابن عبد البر في "الاستذكار" 17/ 418.

(3)

نهاية المطلب 8/ 83، المهذب مع تكملة المجموع 17/ 331.

(4)

المغني 8/ 56، الإنصاف 14/ 340.

(5)

الكافي لابن عبد البر ص 370، المنتقى للباجي 6/ 550.

(6)

المغني 8/ 55، الإنصاف 14/ 340.

(7)

الدر المختار 9/ 153، الفتاوى الهندية 4/ 425.

(8)

نهاية المطلب 8/ 83، المهذب مع تكملة المجموع 17/ 331.

(9)

التاج والإكليل 7/ 521، الفواكه الدواني 2/ 181.

(10)

مغني المحتاج 2/ 449.

(11)

بدائع الصنائع 4/ 315،، الفتاوى الهندية 4/ 425، المدونة 5/ 414، مواهب الجليل 7/ 536، المهذب مع تكملة المجموع 17/ 331، المنهاج مع مغني المحتاج 2/ 449 - 450، المغني 8/ 55،57، الروض المربع 7/ 103 - 104، فتاوى اللجنة الدائمة 15/ 88.

(12)

فتح القدير 7/ 168.

ص: 59

وفي وجه يبطل الشرط والإجارة (1)، ونصَّ الحنابلة على بطلان الشرط لمنافاته مقتضى العقد (2)، ونصَّ ابن حزم على صحة الشرط والعقد (3)، وهو قولٌ للحنابلة (4)، وقال أبو العباس ابن تيمية:(قياس المذهب فيما أراه أنها شروط صحيحة)(5).

المسألة الثانية: إجارتها بأزيد من أجرتها.

صورة المسألة: إذا استأجر إنسان سيارة -مثلًا- بـ 100 يوميًا فهل يجوز له أن يؤجرها لغيره بـ 120 يوميًا؟

الحكم:

في هذه المسألة أقوال (6):

القول الأول: يجوز للمستأجر إجارة العين لغير المؤجِر بأكثر من أجرتها، وهو قول عروة بن الزبير (7) وطاوس (8) وسليمان بن يسار (9) والحسن (10) ومكحول (11) وعطاء (12) والحكم (13)، والزهري (14)

(1) المهذب مع تكملة المجموع 17/ 331 - 332، مغني المحتاج 2/ 449.

(2)

كشاف القناع 11/ 98، شرح منتهى الإرادات 4/ 44.

(3)

المحلى 8/ 197.

(4)

فتح الملك العزيز 4/ 99، وسبق أنه وجه للشافعية.

(5)

الأخبار العلمية في الاختيارات الفقهية ص 222.

(6)

في "بدائع الصنائع "4/ 315 قال: (أما جواز الإجارة فلا شك فيه؛ لأن الزيادة في عقد لا يعتبر فيه المساواة بين البدل والمبدل لا تمنع صحة العقد، وههنا كذلك، فيصح العقد) فمراده بالجواز في أول الكلام الصحة كما في آخره، وفهم بعضهم منه عدم الخلاف في صحة العقد، لكن سيأتي أن ممن قال بالتحريم من علل بأنه ربا، وهذا يقتضي الفساد.

(7)

المحلى 8/ 198.

(8)

رواه عبد الرزاق، كتاب البيوع، باب الرجل يستأجر الشيء هل يؤاجر بأكثر من ذلك؟ (8/ 222)(ح 14970) وابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، باب: من رخص في ذلك إذا عمل فيه بشيء (11/ 694)(ح 23765).

(9)

المحلى 8/ 198.

(10)

رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 222)(ح 14972)، وابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 695)(ح 23769).

(11)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 695)(ح 23772).

(12)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 695)(ح 23770).

(13)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 695)(ح 23771).

(14)

رواه مالك في الموطأ، كتاب البيوع، جامع البيوع (2/ 220) (ح 2006) وفي المحلى 8/ 197:(وكرهه الزهري بعد أن كان يبيحه) وأسنده ابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، في الرجل يستأجر الدار يؤجر بأكثر (11/ 693) (ح 23755) وقد عزا الجواز للزهري: ابن المنذر في "الأوسط" 11/ 164 وابن عبد البر في "الاستذكار" 14/ 416 - 420 وابن قدامة في "المغني" 8/ 56 ولم يذكروا له رجوعًا.

ص: 60

وأبي ثور (1) وابن المنذر (2) وابن حزم (3) وابن عبد البر (4) وابن تيمية (5) وابن قيم الجوزية (6).

ومن الأئمة الأربعة: مالك (7) والشافعي (8) وأحمد (9)، وهو المذهب عند أتباعهم (10).

القول الثاني: يكره للمستأجر إجارة العين لغير المؤجر بأكثر من أجرتها.

وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (11) ومسروق (12) وهشام بن هبيرة القاضي (13) وشريح (14) وسعيد بن المسيب (15) وأبي سلمة بن عبد الرحمن (16)

(1) الأوسط 11/ 164، المغني 8/ 56.

(2)

الأوسط 11/ 165، الإشراف 6/ 301.

(3)

المحلى 8/ 197 - 198.

(4)

الاستذكار 14/ 420.

(5)

مجموع الفتاوى 20/ 344، 29/ 509، 32/ 308، اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبد الهادي ص 34.

(6)

تهذيب السنن مع مختصر سنن أبي داود 5/ 155 - 156.

(7)

الموطأ 2/ 220، المدونة 5/ 414، الكافي لابن عبد البر ص 370.

(8)

الأوسط 11/ 164، المهذب مع المجموع 16/ 331.

(9)

رؤوس المسائل الخلافية 3/ 1006، المغني 8/ 56، تقرير القواعد 2/ 290، الإنصاف 14/ 338.

(10)

وقد أفتت به اللجنة الدائمة 15/ 88 فتوى رقم 19702.

(11)

رواه ابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، في الرجل يستأجر الدار يؤجر بأكثر (11/ 691، 693)(ح 23746، 23747،23760) من طريقين:

1.

قتادة عن ابن عمر، وهو منقطع، وقد قال الإمام أحمد:(ما أعلم قتادة روى عن أحد من الصحابة إلا عن أنس) وزاد الترمذي أبا الطفيل، وصحح أبو حاتم وأبو زرعة سماعه من عبد الله بن سرجس، على خلاف في ذلك. الجامع للترمذي 5/ 57، رواة المراسيل لأبي زرعة العراقي (ص 504 مع التقريب).

2.

قتادة عن نافع عن ابن عمر، وقد قال أبوداود:(لم يسمع قتادة من نافع شيئًا) سؤالات أبي عبيد الآجري (ح 567) وقال يحيى القطان: (بينهما يعلى بن حكيم) تهذيب الكمال (27/ 553)، رواة المراسيل، الموضع السابق، ويعلى ثقة، فيكون كرواية حميد الطويل عن أنس، وقد احتج بها مسلم؛ للعلم بالواسطة بينهما وهو ثابت البناني، ونحوه مما ظاهره الانقطاع، ولكن قتادة ليس مشهورًا بالرواية عن يعلى، وقول القطان يحتمل حديثًا بعينه ويحتمل الإطلاق، ففي أثر ابن عمر رضي الله عنهما قوة، والله أعلم.

(12)

المحلى 8/ 197.

(13)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 693 - 694)(ح 23761).

(14)

رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 223)(ح 14973).

(15)

رواه بالجزم ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 693)(ح 23760) وبالتردد عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 222)(ح 14969)، وابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 692) (ح 23749) بسنديهما إلى يحيى بن أبي كثير عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير وسليمان بن يسار قال: رخص فيه اثنان وكرهه اثنان، زاد عبد الرزاق: قلت -أي معمر-: من؟ قال: لاأدري.

(16)

الأثر السابق، والمحلى 8/ 197.

ص: 61

والنخعي (1) والشعبي (2) ومجاهد (3) وابن سيرين (4) وميمون بن مهران (5) ومحمد بن علي الباقر (6) وحماد بن أبي سليمان (7) وإياس بن معاوية (8) والأوزاعي (9).

القول الثالث: يحرم ذلك، وهو قول عكرمة (10) وشهر بن حوشب (11) ورواية عن أحمد (12).

القول الرابع: إن أحدث المستأجر في العين زيادةً جاز أن يؤجرها بزيادة، وإلاّ لم تجز الزيادة.

وهو القول الثاني لكلٍّ من: هشام بن هبيرة (13) والنخعي (14) والشعبي (15) ومجاهد (16) والحكم (17) وهو قول الثوري (18) وأبي حنيفة (19) ورواية عن أحمد (20)، والمذهب عند الحنفية إذا أحدث فيها شيئًا أو أجر معها شيئًا مما يجوز له إجارته طاب له أخذ الزيادة وإلا فلا، وزاد

(1) رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 223)(ح 14973) وابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 693) (ح 23757) وجاء عنه:(هو ربا) رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 223)(ح 14974) وابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 693) (ح 23754) وهذا قول ثان عنه: التحريم.

(2)

رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 223)(ح 14973).

(3)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 692)(ح 23750).

(4)

رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 223)(ح 14973)، وابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 693)(ح 23758).

(5)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 693)(ح 23756).

(6)

المحلى 8/ 197، الاستذكار 14/ 419.

(7)

رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 223)(ح 14973).

(8)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 692)(ح 23751).

(9)

الأوسط 11/ 164.

(10)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 692)(ح 23753) وعزا ابن المنذر في "الأوسط" 11/ 164 وتبعه ابن قدامة في "المغني" 8/ 56 إلى عكرمة القول بالكراهة.

(11)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 692)(ح 23752).

(12)

الإنصاف (14/ 339).

(13)

رواه ابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، من رخص في ذلك إذا عمل فيه بشيء (11/ 694)(ح 23766).

(14)

رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 222)(ح 14971).

(15)

رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 222)(ح 14971)، وابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 695)(ح 23768).

(16)

رواه عبد الرزاق، الموضع السابق (8/ 222)(ح 14971).

(17)

رواه ابن أبي شيبة، الموضع السابق (11/ 694 - 695)(ح 23767).

(18)

الأوسط 11/ 164، المغني 8/ 56.

(19)

الأوسط 11/ 164، المغني 8/ 56 فيها العزو إلى الإمام وينظر: المراجع الحنفية الآتية.

(20)

الفروع 7/ 169، المستوعب 2/ 331، الإنصاف 14/ 339.

ص: 62

بعضهم: أو أجرها بغير جنس الأجرة الأولى (1).

بيان هذا القول: إحداث الزيادة مثل أن يبني في الدار ما يزيد أجرتها أو يصقل السيف أو يحبك -أي يجلد- الكتاب، وإجارتها بغير جنس الأجرة الأولى مثل أن يستأجر سيارة بريالات فيقوم بإجارتها بدينارات، وأن يؤجر معها ما يجوز له إجارته مثل أن يستأجر ثوبًا فيؤجره مع عمامةٍ من عنده، ففي هذه الحالات يجوز أن يأخذ الزيادة وإلا فلا تطيب له.

القول الخامس: إذا أذن له المالك في الزيادة جاز وإلا فلا، وهو رواية عن الإمام أحمد (2).

الأدلة:

أدلة القول الأول:

الدليل الأول: أن الأصل الجواز ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهيٌ عن ذلك (3).

الدليل الثاني: أن المستأجر قد ملك بالعقد منافع الأصل الذي استأجره، فله التصرف فيه كيف شاء، قياسًا على مِلك المؤجر للأجرة (4).

المناقشة: أن ملك المستأجر أضعف من ملك المؤجر، فالأول ملكه ناقص (للمنفعة دون العين) والثاني ملكه تام (للعين والمنفعة)، فلا يتم القياس (5).

الجواب: أن هذا الفرق غير مؤثر في هذا الحكم؛ لأن مِلك المستأجر للمنفعة في ذاتها مِلك صحيح تام، والاصطلاح على تسميته ناقصًا لا يغير حقيقته.

الدليل الثالث: أنه عقدٌ يجوز برأس المال فجاز بالزيادة، قياسًا على بيع المبيع بعد قبضه (6).

الدليل الرابع: أن المنافع مضمونة على المستأجر، فلو عطّل المكان المستأجَر -مثلًا- وأتلف منافعه بعد قبضه لتلفت من ضمانه (7)، والغنم بالغرم، فكما أنه غرمه جاز أن يربح فيه؛ لحديث:«الخراج بالضمان» (8).

(1) بدائع الصنائع 4/ 315، حاشية ابن عابدين 9/ 47 - 48، الفتاوى الهندية 4/ 425.

(2)

المغني 8/ 56، الإنصاف 14/ 339.

(3)

ينظر المحلى 8/ 197.

(4)

الأوسط 11/ 165، الاستذكار 14/ 417.

(5)

ينظر: مجموع الفتاوى 29/ 178 - 180، الموسوعة الفقهية الكويتية 39/ 33 - 34 مادة مِلك.

(6)

المغني 8/ 56.

(7)

مجموع الفتاوى 20/ 344، 29/ 509، تهذيب السنن 5/ 156.

(8)

رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا (4/ 183 - 184)(ح 3508 - 3510)، والنسائي، كتاب البيوع، الخراج بالضمان (7/ 254 - 255)(ح 4490)، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيبًا (2/ 261)(ح 1285 - 1286)، وابن ماجه، أبواب التجارات، باب الخراج بالضمان (3/ 352 - 353)(ح 2242 - 2243)، وأحمد (41/ 59)(ح 24514) استنكره البخاري، وقال أبو داود:(هذا إسناد ليس بذاك) وعلته مسلم بن خالد الزنجي، وله طريق آخر علته مَخلد بن خُفَاف الغفاري، قال ابن حزم:(لا يصح؛ لأنه من رواية مخلد بن خفاف، وهو مجهول) وفي تهذيب التهذيب 4/ 41 - 42 توثيق ابن وضاح وابن حبان له، وضعفه أبوحاتم والعقيلي ومغلطاي، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن القطان وقال الذهبي:(حسن غريب). علل الترمذي الكبير ص 191، صحيح ابن حبان (ح 4927 - 4928)، الضعفاء للعقيلي 4/ 1374، المحلى 5/ 250، بيان الوهم والإيهام 5/ 211، الدر المنظوم ص 432، سير أعلام النبلاء 14/ 123، التلخيص الحبير 4/ 1783.

ص: 63

الدليل الخامس: أن مِلك المنافع كمِلك الأعيان، فكما يجوز له أن يربح في كل ما يتملكه من الأعيان بشراءٍ أو هبةٍ أو إرثٍ فكذلك يجوز له أن يربح في ما يتملكه من المنافع تملكًا صحيحًا.

أدلة القولين الثاني والثالث (1):

الدليل الأول: أنه صح عن ابن عمر رضي الله عنهما، فيلزم من يرى حجية قول الصحابي، وأيضًا لم يُعلَم له مخالف، قال ابن حزم:(والمالكيون يشنعون بخلاف الصاحب الذي لا يعرف له مخالف، وهذا مما تناقضوا فيه؛ لأن ابن عمر لم يجزه، ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضي الله عنهم)(2) وهذا لازمٌ للحنابلة أيضًا (3)، وإنما لم يلزم ابن حزم لأنه لا يرى حجية قول الصحابي (4).

المناقشة:

1.

أن الأثر من رواية قتادة عن نافع وعن ابن عمر ولم يسمع من واحدٍ منهما.

(1) مصطلح الكراهة عند السلف قد يراد به التحريم. القبس 16/ 559، روضة الناظر 1/ 143، إعلام الموقعين 2/ 75، منح الجليل 3/ 751، وهذه الأدلة مشتركة في الدلالة على المنع، والأصل دلالتها على التحريم، ومَن نسب الكراهة لمن سبق من التابعين استدل لهم بأدلة تقتضي التحريم، ولم يذكروا صارفًا، فالله أعلم، وإنما نسبتُ لهم الكراهة؛ لأنه اللفظ الوارد في بعض الآثار؛ ولأنه ما فهمه العلماء عنهم، فهو احتمال قائم.

(2)

المحلى 8/ 198.

(3)

لأنهم يرون حجية قول الصحابي، وينظر في ذلك: إعلام الموقعين 5/ 548 وما بعدها، الموافقات 4/ 290،132، وقد قال ابن قيم الجوزية عن مسألةٍ كهذه:(وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه إذا لم يكن في الباب شيءٌ يدفعه، فعلى أصله الذي بنى عليه مذهبه يلزمه القول بهذا الأثر؛ لصحته وانتفاء علته) إعلام الموقعين 4/ 439، وقال أبو العباس ابن تيمية: (وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان القياس معه، لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجلِّ العلوم، وإنما يعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده

) مجموع الفتاوى 20/ 583، ونقله في "إعلام الموقعين" 3/ 256، وفي "العدة" للقاضي أبي يعلى 4/ 1193 - 1197: (إذا قال الصحابي قولًا مخالفًا للقياس

فإنما يحمل ذلك على أنه قاله على جهة التوقيف، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقال أصحاب الشافعي: لا يحمل على التوقيف، وإنما هو اجتهاده) وإنما لم يتوجه الإلزام في مسألتنا للحنفية؛ لأنهم لم يخالفوا الأثر مخالفة تامة، وإنما خصصوه وأخذوا به في الجملة.

(4)

وهذا كثير في "المحلى" وسائر تصانيفه كالتلخيص، ومن أصرحه قوله: (والموقوف والمرسل لا تقوم بهما حجة

وليس فضل الصاحب عند الله بموجب تقليد قوله وتأويله؛ لأن الله-تعالى- لم يأمر بذلك لكن موجَب تعظيمه ومحبته قبول روايته فقط؛ لأن هذا هو الذي أوجب الله-تعالى-) المحلى 1/ 51 - 52، في الأصل:(وقبول روايته).

ص: 64

الجواب: أنه عُلمت الواسطة في روايته عن نافع، وهي واسطة سليمة.

2.

أن عدم العلم بالمخالف لا يلزم منه حجية هذا القول من جهة كونه إجماعًا؛ لأن من شروط ذلك أن ينتشر، وليس في الأثر ما يدل على انتشاره.

الجواب: تكفي حجية الأثر من جهة كونه قول صحابي صح عنه وليس له مخالفٌ من النصوص أو من الصحابة.

3.

أنه مخالف لعموم (الخراج بالضمان).

الجواب: أن العمل بالخاص في محل الخصوص وبالعام في سائر الموارد لا يعد مخالفةً، بل إعمالًا لكلا الدليلين، هذا على فرض صحة الحديث.

الدليل الثاني: أنه ربا، كذا قال النخعي.

ووجهه أنّ المستأجر دفع أجرةً وأخذ أكثر منها.

المناقشة:

1.

عدم التسليم بأنه ربا، بل هي إجارة صحيحة، فالزيادة إنما أُخذت من طرف ثالث.

2.

أن هذا يلزم فيمن اشترى شيئًا وباعه بأكثر مما اشتراه به، ولا محرِّم لذلك، والمنافع كالأعيان، وهذا نقضٌ لدليلهم.

الدليل الثالث: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن (1).

وجه الدلالة: أن منافع العين المستأجرة لم تدخل في ضمانه فلا يجوز أن يربح فيها (2).

المناقشة:

1.

بقلب الدليل: فهذه المنافع إذا تلفت كانت من ضمان المستأجر، فجاز أن يربح فيها بدلالة مفهوم الحديث.

2.

أن قبض العين قائم مقام قبض منافعها المستحدثة؛ لذا قال ابن قدامة: (أما الخبر فإن المنافع قد دخلت في ضمانه من وجهٍ، فإنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه)(3).

الجواب: أن الضمان فرعٌ عن القبض، وهذا القبض حكمي وليس حقيقيًا، فالضمان ثابت من وجه غير ثابت من وجه، وعليه فتحل الزيادة من وجه ولا تحل من وجه، فنغلب جانب

(1) سبق تخريجه ص 57.

(2)

بدائع الصنائع 4/ 315.

(3)

المغني 8/ 56.

ص: 65

التحريم احتياطًا (1).

الرد على الجواب: عدم التسليم بجعل الضمان فرعًا عن حقيقة القبض بل التمكين من القبض أولى بذلك من حقيقة القبض، كما أطال في تقريره أبو العباس ابن تيمية (2).

الدليل الرابع: أنه يربح في ما لم يضمن فلم يجز، كما لو ربح في طعامٍ قبل قبضه.

المناقشة:

1.

تبين بطلان العلة المذكورة مما سبق في مناقشة الدليلين السابقين.

2.

لا يصح القياس على بيع الطعام قبل قبضه، فإن البيع هنا ممنوع منه بالكلية سواءٌ ربح أو لم يربح إلا عند بعضهم (3).

دليل القول الرابع: استدلوا على المنع من الزيادة أو عدم طيبها -في الأصل- بالأدلة السابقة، واستدلوا على الجواز إذا أحدث عملًا أو زيادةً أو إذا أجر معها ما يجوز له بأن الزيادة في مقابلة ما زاده من ماله أو عمله (4).

المناقشة: أن كنس الدار وتنظيفها عملٌ يزيد في أجرها عادةً (5)، ورغم ذلك لا تطيب معه الزيادة عندكم كما في "المبسوط"(6) وغيره، ومن جهة أخرى فإن الإحداث في غير ملكه بلا إذن لا يجوز، فالمستأجر لم يملك العين إنما ملك المنفعة.

دليل القول الخامس: يمكن أن يستدل له في المنع من الزيادة بالأدلة السابقة، وفي الجواز مع إذن المالك بأن هذه الزيادة متعلقة بملكه؛ لأن سببها أصل ماله، والمنع من الزيادة مراعاةً للمالك حتى لا يضيق صدره عندما يرى المستأجر منه يؤجر بأكثر مما أجره به، وهو يرى أنه أولى بهذه الزيادة، كالنهي عن البيع قبل القبض.

المناقشة: أن المالك لا يحق له التصرف في المنفعة بعد إجارته لها، ونقل ملكها للمستأجر، ولذا فلا عبرة بإذنه في أن يؤجر بزيادة، وإنما الجواز مستفاد من أدلة الشرع استنادًا لتمام الملك.

الترجيح

الراجح -والله أعلم- القول بجواز إجارة المستأجر للعين المؤجرة على غير المؤجر بأكثر

(1) المحيط البرهاني 9/ 125.

(2)

مجموع الفتاوى 20/ 342 - 345، 29/ 398 - 404، 30/ 276.

(3)

المغني 8/ 56، وسبق أن من العلماء من يجيزه إذا كان توليةً.

(4)

المبسوط 15/ 87، حاشية ابن عابدين 9/ 48.

(5)

المغني 8/ 56.

(6)

15/ 87

ص: 66