الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: رهن المرهون
، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الرهن وحكمه
.
تعريف الرهن
الرهن لغةً الدوام والثبوت والحبس، في "اللسان":(رَهَنَ الشيءُ رهنًا دام وثبتَ)(1).
والرهن اصطلاحًا:
1 -
عند الحنفية: حبس شيءٍ مالي بحق يمكن استيفاؤه منه (2).
2 -
عند المالكية: مالٌ قبضُه توثقٌ به في دين (3).
3 -
عند الشافعية: جَعلُ عينِ مالٍ متمولةٍ وثيقةً بدينٍ ليستوفي منها عند تعذر وفائه (4).
4 -
عند الحنابلة: توثقة دينٍ بعينٍ يمكن أخذه أو بعضه منها أو من ثمنها عند تعذر الوفاء من غيرها (5).
5 -
توثقة دينٍ بعينٍ أو دينٍ أو منفعةٍ يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها (6).
حكم الرهن
الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} سورة البقرة:283، ورَهَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي (7)، وانعقد الإجماع على جوازه (8).
المطلب الثاني: حكم رهن المرهون
، وفيه فرعان:
الفرع الأول: رهن المرهون من طرفٍ ثالثٍ
.
صورة المسألة: لها صورتان -وإن كان الحكم واحدًا-:
الصورة الأولى: الرهن المباشر (الحقيقي- الحيازي).
إذا رهن زيد جوالًا عند سعد، فزيد المدين هو الراهن، وسعد الدائن هو المرتهن، فهل
(1) لسان العرب، مادة رهن 17/ 50، وينظر: مقاييس اللغة، مادة رهن 2/ 452، تهذيب اللغة، مادة رهن 2/ 1491.
(2)
الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 10/ 79 - 80، حاشية الطحطاوي 4/ 234.
(3)
شرح حدود ابن عرفة ص 409، الشرح الكبير للدردير 3/ 231 مع الدسوقي.
(4)
نهاية المحتاج 4/ 138، وفي "فتح الباري" أكثر اختصارًا 6/ 325.
(5)
الإقناع 2/ 309، كشف المخدرات 1/ 319.
(6)
ينظر الشرح الممتع 9/ 118 - 119.
(7)
رواه البخاري، كتاب الرهن، باب من رهن درعه (3/ 142)(ح 2509)، ومسلم، كتاب البيوع (5/ 55)(ح 4114).
(8)
الإجماع لابن المنذر ص 138، حاشية ابن عابدين 10/ 79، مجمع الأنهر 2/ 584، الذخيرة 8/ 75، نهاية المطلب 6/ 71، نهاية المحتاج 4/ 138، حاشية البيجوري 1/ 689، المغني 6/ 443، كشاف القناع 8/ 150، نيل الأوطار 4/ 128.
لأحدهما أن يرهن هذا الجوال حقيقةً عند طرف ثالثٍ دائنٍ لأحدهما، بأن يجعل الجوال في يد الطرف الثالث رهنًا؟ وتصوّر ذلك فيما إذا كان الراهن للطرف الثالث هو سعد ظاهرٌ؛ لأن الأصل أن يكون الرهن في يده، وقد يكون في يد أمينٍ يرتضيانه، أما كون الراهن الثاني هو زيد فهذا متصور على قول من لا يشترط القبض للزوم الرهن.
الصورة الثانية: الرهن الرسمي (التأميني-السائل-الساذج-الذمة السائلة).
أصل الرهن قد يكون مباشرًا وقد يكون سائلًا، وكذلك رهن المرهون، والمراد بالثاني ما يوجد في أنظمة كثير من البلاد الإسلامية، وهو رهن لا يقبض فيه المرتهن المرهون، ويبقى في يد الراهن، ولكن يحق للمرتهن المطالبة باستيفاء الدين منه عند حلوله، ويكون توثيق الدين بقبضه على وثائق الملكية للعين المرهونة، فالراهن وإن كان قادرًا على الانتفاع بالمرهون إلا أنه لا يملك نقل ملكيتها لطرف ثالث حتى يفتك الرهن السائل بتسديد الدين (1)، وهذا قد يقع لبعض الجهات الاعتبارية -أكثر من غيرها- فهل لها أن ترهن هذه العين الباقية في يدها بتكرار تسليم المستندات في كل عملية رهن، إذا لم يُحكم النظام المنع من ذلك؟
يرجع حكم الرهن السائل لمسألة اشتراط القبض للزوم الرهن، فجمهور العلماء من الحنفية (2) والشافعية (3) والحنابلة (4) وابن حزم (5) على اشتراطه، ونُقِل الإجماع عليه (6)، وذهب المالكية إلى عدم اشتراطه (7)، وذهب بعض الحنابلة للتفصيل فالمرهون المكيل أو الموزون لا يلزم إلا بالقبض وغيرهما على روايتين كالقولين السابقين (8).
وقد ذهب بعض المعاصرين لجوازه، وذكر توجيه ذلك بأمور منها: أن قبض المستندات يقوم مقام قبض الرهن، وأن مقصود الرهن توثيق الدين، وهو حاصلٌ بهذا الرهن مع تحقيق مصلحة الراهن أيضًا، وأن القبض الحقيقي يتعذر في التجارة الدَّوْلِيّة في حالاتٍ كثيرةٍ (9).
(1) بحوث في قضايا فقهية معاصرة لمحمد تقي العثماني ص 18 - 21، المعايير الشرعية، معيار الضمانات ص 59.
(2)
تحفة الفقهاء 3/ 50.
(3)
الوجيز 1/ 330.
(4)
كشاف القناع 8/ 168.
(5)
المحلى 8/ 88.
(6)
الإجماع لابن المنذر ص 138.
(7)
الذخيرة 8/ 124،100، وفي "المدونة" ما يفهم منه موافقة الجمهور 6/ 303،302،298،297.
(8)
المغني 6/ 446.
(9)
الفقه الإسلامي وأدلته 6/ 4237 - 4238، بحوث في قضايا فقهية معاصرة لمحمد تقي العثماني ص 18 - 21، وقد مثَّل العثماني للرهن الرسمي برهن السيارة، والأنظمة على أنه لا يرد إلا على عقار. المدخل لدراسة الأنظمة ص 194، ولكنه تمثيل للتوضيح، وقد يصح في أنظمة دول أخرى. كما أن القبض قد يتعذر أيضًا في بعض المعاملات المعاصرة.
تحرير محل النزاع: أولا: في حال الإذن: إذا أذن المرتهن للراهن في الرهن جاز ويفسخ الرهن الأول (1)؛ لأن المرتهن تنازل عن حقه ورجعت العين لمالكها، وهو الراهن.
وأما المرتهن فلا يجوز له أن يرهن ولا يصح (2)؛ لأنه لا يملك الرهن، ولأنه متى كان الحق دينًا فالانتفاع بالرهن يؤول إلى الربا؛ لأنه قرضٌ جر نفعًا، وفي قولٍ عند الحنابلة يصح ذلك ويصير الرهن عارية عنده (3).
ثانيا: في غير حالة الإذن هل يجوز للراهن أو المرتهن أن يرهن الرهن؟
على قولين:
القول الأول: لا يجوز ولا يصح، وهو مذهب الحنفية (4) والشافعية (5) والحنابلة (6).
القول الثاني: أما رهن الراهن فإذا كانت قيمة المرهون أكثر من الدين جاز أن يرهن ما زاد عن الدين رهنًا ثانيًا برضا المرتهن الأول، وهو مذهب المالكية (7)، أما رهن المرتهن فقال مالك في من ارتهن رهنًا فباعه أو رهنه:(إنه يرده حيث وجده فيأخذه ربه ويدفع ما عليه فيه، ويتبع الذي اشتراه الذي غَرَّه فيلزمه بحقه)(8)، وهذا يفيد موافقة الجمهور.
الأدلة: أما وجه الجواز مع الإذن فواضح وسبق نحوه مرارًا، وأما في غير حالة الإذن فما يلي:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أما الراهن فلا يجوز له أن يرهن المرهون؛ لتعلق حق المرتهن به، قال في"الأشباه والنظائر":(المشغول لا يشغل، ولهذا لو رهن رهنًا بدينٍ ثم رهنه بآخر لم يجز في الجديد)(9).
(1) نصَّ عليه بعض الفقهاء وهو مقتضى مذهب سائرهم: نهاية المحتاج 4/ 155، الفروع 6/ 396، كشاف القناع 8/ 176، قال في "المغني" 6/ 483:(وإن أعتقه بإذن المرتهن فلا نعلم خلافًا في نفوذ عتقه على كل حال) ويحتمل إلحاق الرهن به، وفي "المعايير الشرعية"، معيار الضمانات ص 59 جواز إيقاع أكثر من رهن على عين بشرط علم المرتهن اللاحق.
(2)
بدائع الصنائع 6/ 230، البيان 6/ 33، واستثنى الحنفية ما إذا رهن المرتهن وأجازه الراهن، ويُنظر المراجع التالية.
(3)
تقرير القواعد 1/ 263،260.
(4)
بدائع الصنائع 6/ 231، وذكر أن الراهن بالخيار إن شاء ضمَّن المرتهن الأول وإن شاء ضمَّن الثاني، حاشية ابن عابدين 10/ 130، حاشية الطحطاوي 4/ 247.
(5)
الأم 3/ 154، الوجيز 1/ 331، نهاية المحتاج 4/ 155.
(6)
المغني 6/ 448، المحرر 1/ 490، كشاف القناع 8/ 175.
(7)
المدونة 6/ 321، الشرح الكبير 3/ 237 مع الدسوقي، الشرح الصغير 2/ 110 مع الصاوي.
(8)
المدونة 6/ 327، قارن بكتاب الرهن في الفقه الإسلامي ص 613 - 614.
(9)
الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية ص 334.
وأما المرتهن فلا يجوز له أن يرهن المرهون؛ لأن الحق الثابت له هو الحبس، ولا يملك أن يتصرف فيه بغير ذلك، قياسًا على هبة الرهن والتصدق به، جاء في "المقدمات الممهدات":(وأجمع أهل العلم على أن المرتهن ليس له الانتفاع بشيء من الرهن سوى الحيوان)(1) وذكر أن الخلاف في الحيوان إنما هو في حلبه وركوبه.
الدليل الثاني: أن الراهن لم يرضَ بحبس غيره (2)، وهذا في رهن المرتهن.
الدليل الثالث: قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الراهن ممنوع من بيع الرهن وهبته وصدقته وإخراجه مِن يد مَن رهنه حتى يبرأ من حق المرتهن)(3)، والرهن مقيس على هذه العقود، ويلزم منه إخراج الرهن من يد المرتهن، وهو المعنى في الأصل، وهذا في رهن الراهن.
الدليل الرابع: أنه تصرفٌ يبطل حقَّ المرتهن من الوثيقة غير مبني على التغليب والسراية فلم يصح بغير إذن المرتهن، كفسخ الرهن (4).
دليل القول الثاني: أما رهن المرتهن فيُستدل لهم بما استدل به أصحاب القول الأول، أما رهن الراهن فبناءً على مذهبهم في عدم اشتراط قبض الرهن للزومه، فما زاد عن الدين من قيمة الرهن باقٍ في ملك الراهن فله أن يتصرف فيه بما يشاء.
المناقشة: أن المالكية وإلم يشترطوا القبض لكنهم يرون أنه متى حصل القبض لزم استدامته (5) كالحنفية (6) والحنابلة (7) وخلافًا للشافعية (8)، وعليه فلن يتمكن المرتهن الثاني من توثيق حقه؛ لفوات المحل بقبض الأول.
الترجيح
الراجح أنه لا يجوز ولا يصح للراهن ولا للمرتهن أن يرهن المرهون مطلقًا، سواء أكان الدين الأول أقل من قيمة المرهون أم لا، وسواء أكان الرهن بيد المرتهن أم لا، إلا إذا أذن المرتهن للراهن بالرهن؛ لأن الحق له وأسقطه، وينفسخ بذلك الرهن الأول.
أسباب الترجيح:
(1) المقدمات الممهدات لابن رشد الجد 2/ 370، وينظر "المعايير الشرعية"، معيار الضمانات ص 60، البند 4/ 6.
(2)
بدائع الصنائع 6/ 231.
(3)
الإجماع ص 138.
(4)
المغني 6/ 483، والمقصود عدم صحة كل تصرف يمنع التوثّق باستثناء عتق المرهون؛ لأنه مبني على ما ذُكر.
(5)
الذخيرة 8/ 124.
(6)
تحفة الفقهاء 3/ 50.
(7)
الإنصاف 12/ 397.
(8)
البيان 6/ 21.