الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثامن: الجعالة على الجعالة
، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الجعالة وحكمها
.
تعريف الجعالة
الجعالة مثلثة الجيم (1)، وهي في اللغة: ما جعل للإنسان على فعل شيءٍ (2).
والجعالة اصطلاحًا:
1 ـ عند الحنفية: التزام التصرف المطلق في عمل معلومًا كان أو مجهولًا لشخص معينًا كان أو غير معينٍ (3).
2 ـ عند المالكية: عقد معاوضة على عمل آدمي بعوضٍ غير ناشاءٍ عن محله به، لا يجب إلا بتمامه لا بعضه ببعض (4).
3 ـ عند الشافعية: التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول عسر علمه (5).
4 ـ عند الحنابلة: جَعْلُ شيءٍ معلومٍ لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا، مدة معلومة أو مجهولةً (6). وهذه التعاريف متقاربة، والجعل بمعنى الجائزة.
حكم الجعالة
تحرير محل النزاع:
اتفقوا -في الجملة- على جواز وصحة الجعالة في رد العبد أو الأمة إذا أبقا -أي هربا- (7)، واختلفوا في حكم الجعالة فيما عدا ذلك على قولين:
(1) الإعلام بمثلث الكلام لابن مالك ص 34. القاموس المحيط، مادة جعل ص 977، المطلع ص 340، المصباح المنير، مادة جعل ص 93.
(2)
لسان العرب، مادة جعل 13/ 117، مختار الصحاح، مادة جعل ص 105، المطلع ص 340.
(3)
درر الحكام 1/ 503، ويظهر في السياق أنه تعريف منقول من كتب الشافعية، وقد عُرف تعريفًا لغويًا في "فتح القدير" و"العناية" 3/ 421 وفي "حاشية ابن عابدين" 5/ 444، وليس للجعالة في كتب الحنفية بابٌ مستقلٌّ وإنما يذكر في كتاب العتق، في العتق على جعل؛ لذا قال في "دستور العلماء" 1/ 276:(الجعل -بالضم- اسمٌ لما يجعل شرطًا للعتق).
(4)
شرح حدود ابن عرفة ص 529، مواهب الجليل 7/ 595، الفواكه الدواني 2/ 171.
(5)
مغني المحتاج 2/ 554، تكملة المجموع 16/ 466، وعرف في "المهذب" تعريفًا أشبه باللغوي، وفي "مختصر شجاع": أن يشترط على رد ضالته عوضًا معلومًا. كفاية الأخيار ص 357.
(6)
زاد المستقنع 10/ 344 مع الشرح الممتع، وينظر: الإنصاف 16/ 162، شرح منتهى الإرادات 4/ 280، كشاف القناع 9/ 478 - 479، الروض المربع 7/ 369 - 371.
(7)
بدائع الصنائع 6/ 320 - 321، الاختيار 3/ 35 - 36، المدونة 5/ 336، مواهب الجليل 7/ 599، المهذب 16/ 495 مع التكملة، مغني المحتاج 2/ 554، المغني 8/ 323، قال:(الجعالة في رد الضالة والآبق وغيرهما جائز، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا) وقد خالف أبو حنيفة في رد الضالة، وينظر: المحلى 8/ 206، رؤوس المسائل الخلافية 3/ 1089 - 1090.
القول الأول: جواز الجعالة وصحتها، وهو مذهب المالكية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3) وابن حزم (4).
القول الثاني: عدم جواز الجعالة وعدم صحتها، وهو مذهب الحنفية (5).
الأدلة
ورد في محل الوفاق أدلة خاصة؛ لكنها لا تخلو من مقال، ويدل له أدلة القول الأول الآتية، أما أدلة محل الخلاف فهي:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قول الله سبحانه وتعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: (72). وجه الدلالة: أنه التزم بجعلٍ لمن يقوم بهذا العمل ولم يذكر المدة ولا صفة العمل، قال ابن كثير:({وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} وهذا من باب الجعالة {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} وهذا من باب الضمان والكفالة)(6).
المناقشة:
1.
أن هذا من شرع مَن قبلنا، وقد قال- سبحانه وتعالى:{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} المائدة:48 (7).
الجواب: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، كما هو مقرر في علم الأصول (8).
2.
أن حمل البعير مجهول ونوع البعير أيضًا مجهول، فمن الإبل ما يحمل الحمل العظيم ومنها
(1) المدونة 2/ 274، 5/ 334، الفواكه الدواني 2/ 171.
(2)
نهاية المطلب 8/ 495، كفاية الأخيار ص 357.
(3)
المغني 8/ 323، فتح الملك العزيز 4/ 309.
(4)
المحلى 8/ 204 - 205، ويلاحظ أن مناقشة ابن حزم لجمهور الفقهاء وإجابته عن الأدلة المذكورة إنما هو في مسألة الحكم والقضاء على الجاعل بدفع الجعل عند تمام العمل، ويرى أنه يستحب له ذلك ولا يلزمه، كما نص على إباحة أخذ ما أعطى الجاعل على الرقية فقط، وسأشير لبعض اعتراضاته؛ لاتفاق الأدلة في المسألتين.
(5)
بدائع الصنائع 6/ 320 - 321، الاختيار 3/ 35 - 36.
(6)
تفسير القرآن العظيم 4/ 401.
(7)
المحلى 8/ 205.
(8)
التحبير 8/ 3777، مجموع الفتاوى 1/ 258، زاد المعاد 3/ 135، وقد تكرر الاستدلال به في البحث، وتحرير محل النزاع فيه: أن شرع من قبلنا المأخوذ عن طريقهم ليس دليلاً بالإجماع -ولكن يجوز التحدث به إن كان لا يخالف شرعنا-، وما ورد في شرعنا أنه شرع من قبلنا فإن ورد في شرعنا ما يخالفه أو يوافقه فالعبرة بشرعنا، وإلم يرد فهذا لا مثال له في الحقيقة ولكن يجوز الاستدلال به بالإضافة للأدلة الواردة في شرعنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عز وجل يقول: (وأقم الصلاة لذكري)) رواه البخاري (ح 597) ومسلم (ح 1569) واللفظ له، وهذه الآية إنما خوطب بها موسى عليه السلام.
الهزيل الذي يعجز عن أقل من ذلك، ولا بد في الجعالة من العلم (1).
الجواب: أن حمل البعير كان معلومًا عندهم، وهو الوسق، وهو ستون صاعًا (2)، وعلى فرض عدم ثبوت التحديد فإن حمل البعير محمول على عرفهم مما يدل على العلم بقدره وإلا لما جعله جعلًا إن كان يحتمل كونه شيئًا يسيرًا.
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلُدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا. فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: (2). فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قَلَبَة. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله فذكروا له فقال: «وما يدريك أنها رقية» ) (3)، فهذا جعل مقابل الرقية فيجوز مقابل عمل آخر كذلك.
المناقشة: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك؛ لاستحقاقهم إياه بالضيافة فأجاز لهم استخلاص ذلك بالرقية (4).
الجواب: في قوله: (حتى تجعل لي جعلًا) رد على هذا الإيراد، كما يردُّه قوله صلى الله عليه وسلم:«وما يدريك أنها رقية» مع قوله: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» فإن هذا يقتضي أن ما أخذوه في مقابل الرقية لا الضيافة (5).
الدليل الثالث: عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله
(1) المحلى 8/ 205.
(2)
تفسير القرطبي 9/ 197، مغني المحتاج 2/ 554.
(3)
رواه البخاري، كتاب الإجارة، باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب (3/ 92 - 93)(ح 2276) واللفظ له، ومسلم، كتاب السلام (7/ 19 - 20)(ح 5733)، ومعنى (وما يدريك أنها رقية) أيُّ شيء أعلمك أنها رقية؟ وهذا تعجب منه لأنه لم يكن عنده علم متقدم أن الفاتحة رقية. فتح الباري 6/ 52 - 53، وقَلَبة: ألم وعلة. النهاية ص 767، والراقي هو الراوي، وهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. فتح المغيث 4/ 351 - 353.
(4)
مواهب الجليل 7/ 595.
(5)
الفواكه الدواني 2/ 172، والحديث جزء من حديث أبي سعيد رضي الله عنه السابق في روايةٍ عند البخاري (ح 5737).
سلبه» (1).
وجه الدلالة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل جعلًا لمن قتل قتيلًا يوم حنين، فدل على الجواز بمنطوق الحديث.
الدليل الرابع: الإجماع العملي، قال في "الفواكه الدواني":(وقد مضى عمل المسلمين على ذلك في سائر الأقطار على توالي الأمصار)(2).
الدليل الخامس: أن الحاجة تدعو إلى الجعالة، فإن العمل قد يكون مجهولًا، ولا تنعقد الإجارة فيه، وقد لا يجد متبرعًا بالعمل (3).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن في الجعالة تعليق التملك على الخطر، وهو التردد بين الوجود والعدم (4).
المناقشة: الجعالة عقدٌ جائزٌ، ولا خطر مع الجواز، ثم إن الجعالة تباح لمسيس الحاجة لها، وللأدلة السابقة (5).
الدليل الثاني: أن الجعالة لم توجه إلى معين، والعقد مع مجهول لا ينعقد فانتفى العقد.
المناقشة: الجعالة على قسمين: جعالة معلقة بمخاطب معين أو مخاطبين، وجعالة مبهمة، وهذا الإيراد على أحد القسمين، ثم هو غير مسلم ففي الآية {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف:(72) وفي الحديث: «من قتل قتيلًا فله سلبه» والمخاطب به غير معين، ثم كون الجعالة من العقود الجائزة يُسوغ مثل هذا، ولا دليل على المنع حينئذٍ.
الترجيح
الراجح جواز وصحة الجعالة.
أسباب الترجيح:
1.
ما سبق من الأدلة مع مناقشة أدلة الطرف الآخر.
2.
أن هذا القول متأيد بالأصل، وهو الجواز والصحة.
(1) رواه البخاري، كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلًا فله سلبه (4/ 92)(ح 3142)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير (5/ 148)(ح 4568).
(2)
2/ 172، ونقل الرملي الشافعي الإجماع عليها. نهاية المحتاج 5/ 339.
(3)
المغني 8/ 323، نهاية المطلب 8/ 495.
(4)
حاشية ابن عابدين 9/ 664، الموسوعة الفقهية 15/ 209.
(5)
وهو مذهب كل القائلين بجواز الجعالة-في الجملة-: أنه عقد جائز غير لازم. الذخيرة 6/ 17، الفواكه الدواني 2/ 174، المهذب 16/ 476، نهاية المحتاج 5/ 347، الشرح الكبير 16/ 171 وقال:(لا نعلم في ذلك خلافًا)، الروض المربع 7/ 377، المحلى 8/ 204.