الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العصر الفاطمي والعصور التي جاءت بعده، ومن تورياته قوله في الشاعر السابق1:
يا شبه لقمانَ بلا حكمةٍ
…
وخاسرًا في العلم لا راسخا
سلختَ أشعارَ الورى كلِّهم
…
فصرت تُدعى الأسودَ السالخا
وقوله2:
أهون بلون السَّوادِ لونًا
…
ما فيه من حُجَّةٍ لناسبْ
لست ترى حمرةً لخدٍّ
…
فيه ولا خضرةً لشاربِ
ولابن قادوس بعد ذلك دعابات ونوادر كثيرة، ويظهر أنه كان يقذع جدًّا في أهاجيه؛ إذ كان يخرجها مخرج السخرية كقوله في منافق3:
حوله اليوم أناسٌ
…
كلهم يزهى برائهْ
وهو مثلُ الماءِ فيهم
…
لونُه لونُ إنائِهْ
والحق أن الشعر المصري نهض في العصر الفاطمي نهضة واسعة؛ إلا أنه ينبغي أن نلاحظ أن شعراء هذا العصر جميعًا كانوا يخلطون دائمًا بين المذاهب الفنية العباسية، فدائمًا ترى عند الشاعر الواحد قطعة من ذوق الصانعين وأخرى من ذوق المصنعين وثالثة من ذوق المتصنعين في غير نظام ولا نسق معين، ومع ذلك فقد مثل الشعراء بيئتهم وزهدهم وتصوفهم ومجونهم ونوادرهم في فنهم وشعرهم تمثيلًا واضحًا.
1 الخريدة 1/ 226. والأسود: الثعبان.
2 الخريدة 1/ 233.
3 الخريدة 1/ 233. ورائه: رأيه.
5-
الأيوبيونَ ونهضةُ الشِّعرِ في عهدِهِمْ:
إذا انتقلنا إلى العصر الأيوبي لاحظنا أن موجة هذه النهضة في الشعر والفن تستمر في عهد الأيوبيين، وإن كنا نحس ألوانًا من السواد والكآبة تدخل فيها، إذ نرى القاضي الفاضل وغيره من الشعراء يشكون من زمانهم. وكان من آثار ذلك أنه
رأينا الفكاهة التي قابلتنا في العصر الفاطمي تقل في هذا العصر، وإن استمر الشعراء يستخدمون التورية؛ ولكنا نلاحظ أن التورية أصبحت عندهم باهتة ولا جمال فيها؛ لأن النفوس لم تكن مطوية على مرح. وكان للحروب الصليبية أثر في ذلك؛ فإنها خلقت جوًّا من الصراع الكئيب بين الشرق والغرب، وكأنما كان انتهاء الدولة الفاطمية مؤذنًا بانتشار هذا الجو الخانق في نفوس الناس، ولعله من أجل ذلك كانوا يتهافتون في هذا العصر تهافتًا شديدًا على ديوان ابن الكيزاني لما فيه من زهد كما يقول صاحب المغرب1، وغنَّاهم ابن الفارض هذه النغمة فأعجبوا به وبشعره الصوفي إعجابًا شديدًا. ولعل من العجيب أن ابن الفارض لم يكن ينهج في شعره نهج ابن الكيزاني من ترك التصنع لفنون البديع، بل على العكس من ذلك نراه لا يكاد يخرج بيتًا دون توشيته بألوان من هذه الفنون، ولعل في ذلك ما يدل على أن موجة البديع وما يطوى فيها من ضروب تصنع كانت أكثر حدَّة في هذا العصر؛ إذ رأيناها تزحف إلى شعر التصوف2.
على أنه ينبغي أن نعرف أن الفاطميين سبقوا الأيوبيين إلى هذه الجوانب من التصنيع ومن يندمج فيها من الخلط بين المذاهب الفنية المختلفة، وكأني بهم لم يتركوا لهم شيئًا سوى أن يتعلقوا بركابهم. ولعل من الطريف أن المؤرخين قصوا علينا أن القاضي الفاضل كان يتعلق بركاب ابن قادوس بعد خروجهما من الديوان؛ وإن هذه القصة لترمز إلى العصر الأيوبي كله؛ فقد كان شعراؤه يتعلقون بركاب شعراء العصر الفاطمي؛ فهم يحتذون مُثُلَهم ويقلدون نماذجهم ويتصنعون لما تركوه من تورية واقتباس ومراعاة نظير واكتناء، مضيفين ذلك كله إلى مجموعة ألوان التصنيع القديمة من جناس وطباق وتصوير. وكان
1 المغرب ص261.
2 يلاحظ أننا أهملنا الحديث في هذا الفصل عن ابن الفارض وشعره الصوفي كما أهملنا البوصيري ومدائحه للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أهملنا قبل ذلك الحديث عن الشعر الشيعي في العصر الفاطمي؛ لأن هذا الكتاب لا يعنى بالشعر الشيعي والصوفي؛ إنما يعنى بالشعر العربي العام.
يظهر من حين إلى حين من ينفر من جملة هذه الألوان كابن مماتي الذي كان ينفر من الجناس؛ إذ يقول1:
طبع المجنِّس فيه نوع قيادةٍ
…
أو ما ترى تأليفه للأحرُفِ
غير أن ابن مماتي لا نحكم به على العصر كله؛ فقد كانت جمهرة الشعراء تنساق نحو العناية بجملة هذه الألوان، وسبقهم إلى ذلك القاضي الفاضل وزير صلاح الدين وتلميذ الفاطميين: ابن قادوس وغيره. وكان أحد المصادر التي استقى منها العماد خريدته عن الشعر الفاطمي. وتبعه تلميذه وصديقه ابن سناء الملك، وكان يعنى خاصة بصنع الموشحات، ثم جاء من بعده ابن النبيه، وأخيرًا نجد البهاء زهير، ولم يكن يبالغ في استخدام هذه الألوان إلا أنه على كل حال كان يتصنع لها في شعره على الرغم من سهولته المطلقة، ونحن نقف قليلًا عند القاضي الفاضل وابن سناء الملك والبهاء زهير.
القَاضِي الفَاضِلُ:
هو عبد الرحيم البيساني العسقلاني الملقب بالقاضي الفاضل، أصل أبيه من بيسان، وتولى القضاء والحكم بعسقلان2، ولما شب ابنه عبد الرحيم أرسله إلى ديوان الإنشاء بالقاهرة في العصر الفاطمي أيام الحافظ "524- 544" فتتلمذ فيه على أشْهَرِ الكتاب والشعراء في هذا العصر3. ثم التحق بخدمة قاضي الإسكندرية المعروف بابن حديد، ثم تركه إلى ديوان الإنشاء بالقاهرة مرة أخرى في عصر الظافر4 الفاطمي "544- 549"، ولما استقل أسد الدين شيركوه بالوزارة التحق بخدمته، ثم بخدمة صلاح الدين من بعده وقرَّبَه صلاح الدين منه، وسرعان ما أصبح وزيره ومشيره الأول في شئون الدولة، وأتاحت له هذه الصلة أن يلمع اسمه في سماء الأدب: شعره ونثره؛ فقد أكثر المؤرخون
1 خزانة الأدب للحموي ص21.
2 الروضتين في أخبار الدولتين: لأبي شامة 1/ 50.
3 الروضتين 2/ 244.
4 انظر: ابن خلكان 2/ 408.
والكتاب والشعراء من مدحه، وانظر إلى العماد الأصبهاني يقول فيه:"رب القلم والبيان واللَّسن واللسان، والقريحة الوقَّادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة، والفضل الذي ما سمع في الأوائل ممن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع"1. وليس من شك في أن تمجيد صاحب الخريدة هو الذي جعل صلاح الدين الصفدي وابن حجة الحموي يقعان في خطئهما ويظنان أن القاضي الفاضل هو الذي استحدث التورية! ونحن نتساءل ما هي الشريعة التي يشير إليها العماد؛ فإن من يرجع إلى ديوان القاضي الفاضل2 لا يجد فيه إلا شاعرًا من الطبقة الثانية، ومن الصعب أن نقرنه إلى الشعراء الممتازين في العصر الفاطمي لا من حيث روحه وقلة الدُّعابة عنده، بل من حيث شعره العام؛ إذ نرى فيه آثار التكلف والتلفيق واضحة كقوله في القصيدة الأولى من ديوانه يصف بلاغته:
ولي قلمٌ منه عينُ الكلا
…
م يجري فتنظرُ عينَ الكمالِ
يراعٌ تظل رياضُ الطرو
…
س منها موشحة بالصلال3
وكتبٌ يفيضُ بأرجائها
…
يمين الْجَدَا ولسان الجدالِ
تقدَّمها الشكلُ من فوقها
…
كمثل السهامِ أمام النِّصالِ
وكم بريت وانبرت للعدوِّ
…
كوثب الشرارِ وهدِّ الجبالِ
وَكَم قد كَسَبنَ عَواري ظُبًا
…
وَكَم قد سَلَبنَ عَواري عَوالي
يكلِّلُ أفلاكَ قرْطاسِها
…
شموسٌ شوامسُ عند الزوالِ
فهل تجد في هذا الشعر روحًا أو جمالًا سوى هذا التلفيق للجناس، وكان يتصنع له كثيرًا كما كان يتصنع لضروب الطباق والتصوير الأخرى من تشخيص وغير تشخيص، وأيضًا فإنه كان يتصنع لاصطلاحات العلوم كقوله5:
1 الخريدة 1/ 35.
2 انظر ديوان القاضي الفاضل "نسخة فوتوغرافية بدار الكتب" وقد ذكر الناسخ في آخرها أنه كتبها من نسخة كثيرة التصحيف.
3 الصلال: جمع صل وهو الحية.
4 العوالي: الرماح والقنا.
5 انظر خزانة الأدب: للحموي ص453.
لي عندكم دينٌ ولكن هل له
…
من طالبٍ وفؤادي المرهونُ
فكأنني ألِفٌ ولامٌ في الهوى
…
وكأن موعد وصلكم تنوينُ
أو تورياته فلعل أطرفها ما رواه ابن حجة من قوله1:
في خدِّه فخٌ لعطفةِ صُدغِهِ
…
والخالُ حَبَّتُه وقلبي الطائرُ
وقوله2:
بالله قل للنيل عني إنني
…
لم أشفَ من ماءِ الفرات غليلا
وسل الفؤادَ فإنه لي شاهدٌ
…
أن كان طرفي بالبكاء بخيلا
يا قلب كم خلَّفت ثمَّ بثينةً
…
وأظن صبرك أن يكون جميلا
فقد ورَّى في الطائر وجميل. ومهما يكن فشعر القاضي الفاضل لا تبدو عليه خفة الروح التي رأيناها في الشعر الفاطمي، وربما كان ذلك يرجع إلى أنه ليس مصري النشأة؛ إذ كان من عسقلان؛ فهو لا يعبر عن الروح المصرية. على أننا قلما نجد عند غيره هذه الروح، وكأنما نضب معينها تحت لفح الحروب الصليبية، وأيًّا كان فشعر القاضي الفاضل واضح فيه التكلف والتصنع لألوان البديع ومصطلحات العلوم، وهو شعر في الجملة مصنوع، وقلما نجد فيه شعورًا أو جمالًا.
ابْنُ سَنَاءِ الْمُلْكِ:
لا نبالغ إذا قلنا إن هبة الله بن سناء الملك أكبر شاعر عرفته مصر في القرن السادس للهجرة3، ولد في القاهرة سنة 550 لأبٍ متشيع كان يعمل في دواوين الفاطميين، وكان صديقًا للقاضي الفاضل؛ فلما تحول زمام الأمور إلى صلاح الدين استبقاه القاضي الفاضل فيمن استبقاهم للخدمة في دواوينه.
1 خزانة الأدب ص241.
2 نفس المصدر ص242.
3 انظر ترجمته في: الخريدة "قسم شعراء مصر 1/ 64. ومعجم الأدباء "طبعة مصر" 19/ 265. وابن خلكان وغيره من كتب التاريخ والتراجم.
وأحاط الأب ابنه برعاية شديدة؛ فأحضر له المؤدبين والمثقفين من أمثال ابن برّي العالم النحْوي اللُّغوي المشهور وأرسله إلى السلفي في الإسكندرية يستمع إلى دروسه في الحديث. ولم تلبث مواهبه الشعرية أن استيقظت فيه، فقربه القاضي الفاضل إليه، وعينه في الدواوين، وخصه بالكتابة بين يديه في مصر وحين كان يرحل مع صلاح الدين إلى الشام في حروبه مع الصليبيين، ولما تطورت الأمور حين توفي صلاح الدين واعتزل القاضي الفاضل الخدمة ظل ابن سناء الملك في عمله الديواني إلى أن توفي سنة 608.
ولم يكن ابن سناء الملك شاعرًا فحسب؛ بل كان أيضًا كاتبًا وناقدًا، وله كتاب يسمى "فصوص الفصول" لم يطبع، وهو يتضمن رسائل بينه وبين القاضي تدور في كثير من مسائل الأدب والشعر. وهو أول من اهتم من المصريين بصنع موشحات على غرار الموشحات الأندلسية، وقد وضع فيها كتابًا سماه "دار الطراز" تحدث فيه عن نظام الموشحات ومصطلحاتها1، اختار فيه للأندلسيين أربعة وثلاثين موشحًا وأضاف إليها خمسة وثلاثين من إنشائه.
وديوانه ضخم وقد طبع أخيرًا في الهند، وهو يكثر فيه من مديح القاضي الفاضل وصلاح الدين، وتسجيل انتصارات الأخير على الصليبيين، وإن كنا نلاحظ عنده ضعفًا في البناء وشتان بين سيفيات المتنبي في حروب سيف الدولة، وصلاحياته في حروب صلاح الدين، وهي ملاحظة تعم شعراء هذه العصور فإنه قلما نجد بينهم من يستطيع أن يصور تصويرًا رائعًا الأعمال الحربية التي كان يقوم بها صلاح الدين ومن جاءوا بعده مثل الظاهر بيبرس، ولعل ذلك ما دعا أصحاب الأدب الشعبي إلى كتابة سيرة عنترة والظاهر بيبرس وغيرهما؛ كأنهم لم يجدوا عند أصحاب الشعر الفصيح ما يثير الحمية في نفوس أبناء الشعب إلا قليلًا، فعمدوا إلى كتابة هذه السير والقصص.
وليس من العدل أن نقيس ابن سناء الملك بالمتنبي، فحسبه أنه كان مجليًا بين شعراء عصره، ونحن لا نقرأ فيه حتى نحس المبالغة الشديدة، وهي تتجلى
1 نشر جودة الركابي هذا الكتاب بتحقيقه.
في فخره على شاكلة قطعته المشهورة:
سواي يخاف الدهر أو يرهب الرَّدى
…
وغيري يهوى أن يعيش مخلَّدا
ولكنني لا أرهبُ الدَّهر إن سطا
…
ولا أحذرُ الموتَ الزؤامَ إذا عدا
ولو مد نحوي حادثُ الدَّهرِ كفَّه
…
لحدَّثت نفسي أن أمدَّ له يدا
وكان يميل إلى السهولة في شعره مع تحليته بألوان التصنيع، ولم يغب عنه مذهب التصنع؛ إذ كان يتصنع على طريقة معاصريه للمصطلحات العلمية كقوله:
وجدتك بحرًا طبَّق الأرض مدُّه
…
فلم تبقَ عندي رخصةٌ للتيمُّمِ
وقوله هاجيًا:
ما فوه ميمٌ ولكنه
…
علامةُ الجزمِ في الميمِ
ونراه يكثر من اقتباس الآيات القرآنية على شاكلة قوله:
فقال لقد"آنست نارًا" بخدِّه
…
فقلت: وإني ما "وجدت بها هدى"
يشير بذلك إلى قصة موسى حين قال لأهله: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً} ولا نبالغ إذا قلنا إن موشحاته أروع من أشعاره؛ فقد كان يوفر لها النغم الحلو الرشيق كقوله:
البدرُ يحكيك
…
لولا تَثَنِّيك
بالضمِّ أجْنيكَ
…
للصدرِ أدْنيك
ونحس مزاجه المصري وخفة روحه في كثير من الموشحات كقوله يمدح القاضي الفاضل:
لما جلسْ. وقد رأسْ
…
فكم غرسْ. من الدول
وكم رتق. مما انفتق. وما لُحق
…
لما خلق. وهاب. بلا حساب
وهو لا يبارى في موشحاته وما يجمع لها من هذه الألفاظ العذبة ذات الجرس والرنين البديع الذي يمتع النفس والشعور.
الْبَهَاءُ زُهَيْر:
هذا الشاعر من خير من يعبرون عن الروح المصرية في العصر الأيوبي، ولد في الحجاز بمكة1؛ غير أنه نشأ وتربى في قوص2، وأكبر الظن أنه كان مصري الدار وأنه ولد في أثناء حج أبويه، وكانت قوس التي نشأ بها تعد ثالثة مدن مصر بعد القاهرة والإسكندرية في هذه العصور، وقد تخرج فيه في أثناء العصر الفاطمي غير شاعر، كما تخرج فيها في أثناء هذا العصر ابن مطروح الشاعر رفيق البهاء وصديقه المعروف بوصفه لأسر ملك فرنسا في عهد الملك الصالح بالمنصورة؛ إذ يقول في ذلك من قصيدة طويلة طريفة3:
قل للفرنسيس إذا جئته
…
مقالَ صدقٍ من قئولٍ نصيحْ
دارُ ابنِ لقمانَ على حالها
…
والقيدُ باقٍ والطواشي صبيحْ
والتحق بهاء الدين وزميله ابن مطروح بخدمة الملك الصالح حينما أرسله أبوه الملك الكامل لحكم بلاد الفرات، ولما توفي أبوه قرَّبهما منه جميعًا، وعهد إلى بهاء الدين بديوان الإنشاء، ولعل من الطريف أن الصديقين كانا من ذوق يميل إلى السهولة المطلقة إلا أن البهاء يتفوق بخفة الروح والعذوبة في الأسلوب، وكاد جمهور شعره أن يذهب في الغزل؛ فهو الموضوع الذي شغل نفسه به طوال حياته، ويرى "بالمر" في مقدمته لديوان البهاء أنه كان صادقًا في غزله، ولكن ينبغي أن نتريث في هذا الحكم؛ لأن البهاء يقول في بعض شعره:
أذكرُ اليوم سليمى
…
وغدًا أذكر زينبْ
لي في ذلك سرٌّ
…
برقُهُ في النَّاسِ خُلَّب
1 انظر ابن خلكان 1/ 195.
2 انظر ترجمة ابن مطروح في ابن خلكان 2/ 257.
3 ديوان ابن مطروح مع ديوان العباس بن الأحنف "طبع الجوائب" ص182.
ويقول أيضًا:
وإن قلتم أهوى الرباب وزينبا
…
صدقتم سلوا عني الرباب وزينبا
ولكن فتىً قد نال فضلَ بلاغةٍ
…
تلعَّب فيها بالكلامِ تلعُّبا
وإذن فهو متصنع في غزله كبقية الشعراء، وإن لم ينهج منهجهم في التصعيب؛ إذ كان يميل إلى الأساليب السهلة الرقيقة، ومع ذلك فنحن نجده يوشِّي شعره بضروب البديع من جناس وطباق وتورية، واستمع إلى هذه القطعة المشهورة:
غيري على السُّلوانِ قادرْ
…
وسواي في العشاقِ غادرْ
لي في الغرام سريرةٌ
…
والله أعلمُ بالسرائرْ
حلو الحديثِ وإنها
…
لحلاوةٌ شقَّت مرائرْ
أشكو وأشكر فعله
…
فاعجب لشاكٍ منه شاكرْ
يا ليلُ ما لك آخرٌ
…
يرجى ولا للشوقِ آخرْ
يا ليلُ طلْ، يا شوقُ دُمْ
…
إني على الحالينِ صابرْ
لي فيك أجرُ مجاهدٍ
…
إن صح أن الليلَ كافرْ
طرفي وطرفُ النجمِ فيـ
…
ك كلاهما ساهٍ وساهرْ
فإنك تراها ملئت بالجناس، كما تراها وشيت بالتورية في طائر وكافر من الكفر بمعنى الستر. وكما كان يستخدم هذه الألوان كذلك كان يستخدم اصطلاحات العلوم كقوله:
وهوىً حفظتُ حديثه وكتمتُه
…
فوجدتُ دمعي قد رواه مُسلسلا
وقوله:
يُروى حديث الجود عنه مُسندًا
…
فعلام ترويه السحائبُ مرسلا
كما كان يكثر من التضمين في شعره، كقوله:
وقفت على ما جاءني من كتابكم
…
"وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه"
فقد استعار الشطر الثاني من المتنبي وكثيرًا ما كان يستعير منه، وكما كان يتصنع للتضمين كان يتصنع للاكتفاء في مثل قوله:
ويقال إنك قد كبر
…
ت عن الهوى فأقول "إني"
ولكن لا ينبغي أن لا يفهم القارئ أن البهاء زهير كان يعمد إلى ذلك دائمًا فأكثر غزله لا تصنيع فيه ولا تصنع كقوله:
تعيشُ أنت وتبقى
…
أنا الذي متُّ حقّا
حاشاك يا نورَ عيني
…
تلقى الذي أنا ألقى
قد كان ما كان مني
…
والله خيرٌ وأبقى
ولم أجد بين موتي
…
وبين هجرك فرقا
يا أنعم الناس قل لي
…
إلى متى فيك أشقى
يا ألف مولاي أهلًا
…
يا ألف مولاي رفقا
لم يبق مني إلا
…
بقيةٌ ليس تبقى
ويتطرف البهاء في هذه السهولة حتى ليملأ شعره بكثير من الكلمات العامية والأساليب الشعبية وتلك سمة عامة في الشعراء المصريين قبل البهاء زهير إلا أنه توسع فيها كقوله:
من اليوم تعارفنا
…
ونطوي ما جرى منا
ولا كان ولا صار
…
ولا قلتم ولا قلنا
وإن كان ولا بد
…
من العتب فبالحسنى
وقوله:
كل ما يرضيك عندي
…
فعلى رأسي وعيني
وقوله:
من لي بنومٍ فأشكو ذا السهادَ له
…
فهم يقولون إن النومَ سلطانُ
وقوله:
إياك يدري حديثًا بيننا أحدٌ
…
فهو يقولون للحيطانِ آذانُ
واستتبعت هذه السهولة المطلقة عند البهاء زهير أن وجدناه يميل إلى