الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتمد ذراعها لمساعدتهم سنة 484 للهجرة وسرعان ما تستولي عليهم. وتخلفها دولة الموحدين فتتحول الأندلس إليهم منذ سنة 541. ولا نمضي في القرن السابع الهجري طويلًا حتى تأخذ هذه الدولة في الضعف؛ بينما تأخذ المدن الأندلسية في السقوط واحدة وراء الأخرى بيد المسيحيين. وينحاز المسلمون في ركن ضيق بالجنوب هو مملكة غرناطة، يشيدون فيه قصور الحمراء التي لا تزال تتألق به إلى اليوم، ويدافعون عنها دفاعًا مجيدًا نحو قرنين ونصف، حتى إذا لم يبقَ في كنانتهم سهم أسلموها مولين وجوههم إلى بطاح المغرب بعد أن ظلوا هناك ثمانية قرون، شادوا فيها صرح حضارة ومدنية باهرة.
2-
شخصيَّةُ الأَنْدَلُسِ:
لعل أهم ما يميز الأندلس ترفها ونعيمها ووصف شعرائه لطبيعتها وحسن مناظرها؛ فقد ذهبوا يتغنون بمشاهدها ومواطن الجمال والفتنة فيها، ويشيدون بها أيما إشادة ابن سفر المريني:
في أرضِ أندلسَ تلتذُّ نعماءُ
…
ولا تفارقُ فيها القلبَ سرَّاءُ
وكيف لا تبهجُ الأبصارَ رؤيتَهَا
…
وكلُّ روضٍ بها في الوَشي صنعاءُ
أنهارُها فضةٌ والمسكُ تربتُهَا
…
والخزُّ روضتُها والدَّرُّ حصباءُ
وتفنَّن الأندلسيون تفننًا واسعًا في هذا الجانب وبذلك تركوا مادة كبيرة في شعر الطبيعة وساقهم ترفهم إلى وصف الخمر مع وصف الزهر ثم وصف مجالس الشراب وما ينطوي فيها من قيان. واستتبع ذلك الترف -عندهم- غناء واسعًا كان من آثاره ظهور الموشحات والأزجال. وهذه هي الصورة العامة لشخصية الأندلس، وهي شخصية رشحت لها البيئة والطبيعة.
أما السكان فقد كانوا من عناصر متباينة على نحو ما قدمنا، وجعلهم هذا التباين لا يهدءون ولا يستقرون، بل دائمًا ثورات وحروب داخلية. وأكبر الظن أن هذه الثورات والحروب هي التي جعلت الأندلس لا تستفيد كثيرًا
من الحضارات القديمة التي اتصلت بها سواء الحضارة الفينيقية أو الحضارة الرومانية.
ونحن لا نبالغ إذا قلنا بأن شخصية الأندلس في الأدب العربي ليست من القوة كما ينبغي؛ وخاصة إذا أهملنا جانب البيئة، فمما لا شك فيه أن هذا الجانب أثَّر أثرًا واضحًا في طبيعة الأدب الأندلسي شعره ونثره. غير أننا إذا تركنا هذا الجانب لم نكد نجد شيئًا آخر؛ فقد كانت الكتلة الأندلسية تنساق نحو تقليد المشرق بكل ما فيه، وحتى شعر الطبيعة عندهم لم يأتوا فيه بجديد سوى الكثرة، أما بعد ذلك فصورته كله بما فيها من أفكار وأخيلة وأساليب هي الصورة المشرقية. ونحن لا نغلو إذا قلنا: إن الأدب الأندلسي مدين في نهضته للتراث العربي العام، وهو تراث كان مشتركًا بين الأقاليم العربية كلها لا يختص به إقليم دون إقليم، وكأني بالأندلس لم تجد من الوقت ما تتعمق به الثقافة الرومانية التي تثقفتها قديْمًا على الرغم من اتخاذها اللاتينية، فلما جاء العرب لم يجدوها تحرز تراثًا لاتينيًّا واسعًا تستطيع أن تحتفظ به لنفسها وتدمجه في التراث العربي العام. وما أراني أبعد إذا قلت إن الأندلس كانت تستمد نهضتها وحياتها من بغداد شأنها في ذلك شأن الأقاليم الأخرى. وكان يمكن أن يقوم بينها وبين المشرق فوارق وحواجز لو أنها بدأت حياة عقلية مستقلة عن حياة المشرق تعتمد على ترجمة ما تعرفه من آثار لاتينية؛ غير أنها لم تتجه هذه الوجهة، بل غرقت إلى آذانها في الثقافة العربية العامة التي نهضت بها بغداد، وآية ذلك أنها لم تقم بها حركة ترجمة كالتي قامت في بغداد فقد كانت تقرأ الثقافات الأجنبية فيما يأتيها من هناك.
وإن الإنسان ليخيل إليه أن الأندلس كانت تقلد المشرق في جميع جوانب الحياة، كما كان الشأن في "أميركا" الحديثة حين هاجر أهلها من أوربا؛ فإنهم ظلوا يستمدون من قارتهم القديمة ما شكَّلوا به حياتهم وعلمهم وفنهم. وهذا نفسه ما حدث بالأندلس؛ فقد سمى العرب هناك بعض البلدان التي نزلوها بأسماء بلدان المشرق، على نحو ما صنع الأوربيون حين نزلوا في أمريكا، فكما سمى
هؤلاء نيوأورليانس ونيويورك ونحوهما، سمى العرب في الأندلس بلدانًا قديمة باسم دمشق وقنسرين وحمص وفلسطين، وأخذوا يعيشون على نمط يشبه نمط معيشة العرب في المشرق، واتصل ذلك بحياتهم في جميع ضروبها ومظاهرها من سياسية واجتماعية وعقلية وفنية. أما حياتهم السياسية فقد حاولوا أن يجعلوها كالحياة السياسية في بغداد إذ نرى الناصر يلقب نفسه بالخليفة1، ويلقب أمراء الطوائف أنفسهم بالرشيد والمأمون والمتوكل والناصر والمنصور والمعتمد، يقول ابن شرف القيرواني2:
مما يزهِّدني في أرضِ أندلُس
…
أسماءُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ
ألقابُ مملكةٍ في غير موضِعِها
…
كالهر يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ
أما الحياة الاجتماعية فقد عم التأثر فيها كل شيء؛ إذ نرى الخلفاء يهتمون بالغناء والموسيقى على نحو ما رأينا في بلاط هارون الرشيد والمأمون، وبدأت هذه الموجة مع وفود زرياب عام 206 للهجرة على الأندلس، وكان قد تعلم فن الموسيقى والغناء على إسحاق الموصلي، ثم رحل إلى الأندلس. ويذكر له صاحب نفح الطيب تأثرًا واسعًا في الحياة الاجتماعية لا يقف عند الغناء وما عرف به من إنشاء مدرسة هناك ثم ما كان من إصلاحه للعود وزيادته وترًا على أوتاره يمثل النفس، بل يمتد إلى جوانب أخرى؛ فقد شرع للناس ضروب من البِدْع البغدادي في الزينة والطعام والشراب والاستقبال، فهم يروون أنه سن لهم أن تكون أواني الشرب من زجاج وكانت من ذهب وفضة، كما سن لهم ما يحسن أن يلبسوه ويأكلوه، وكيف يتزين النساء، وكيف يصففن شعورهن إلى غير ذلك من وسائل الحياة الاجتماعية والتأنق فيها3.
أما الحياة الفنية، ونقصد حياة العمارة والبناء فيظهر أن الأندلس تأثرت صورة الزخرف العربي العام، إذ يقولون إن زخرفة قصر الحمراء -المعروف
1 أبو الفدا تحت عام 350هـ. وانظر نفح الطيب: للمقري 1/ 212.
2 نفح الطيب 1/ 101.
3 انظر ترجمته في نفح الطيب "طبع بولاق" 2/ 749 وانظر أيضًا:
R.DOZY، HISTOIRE DES. MUSULMANS D'ESPAGNE، I P.312.
بغرناطة، والذي يشغل مكانة خاصة ممتازة بين المخلدات الأندلسية- تتصل بتقاليد الفن الإسلامي العام، وبالأخص فن ما بين النهرين أكثر منها بالتقاليد الإسبانية والإفريقية1.
أما الحياة العقلية؛ فقد كان التأثر فيها بالمشرق بينًا واضحًا، وقد تتبع صاحب نفح الطيب في ثبتين طويلين من رحلوا من الأندلس إلى المشرق للتزود بالعلم ومن رحلوا من المشرق إلى الأندلس طلبًا للثروة أو للمجد العلمي والشهرة، وأقبل الأندلسيون على هؤلاء العلماء الوافدين عليهم يأخذون عنهم ويتعلمون، كما نرى في حياة أبي على القالي وأماليه التي أملاها هناك. وكنت الأندلس بطيئة -على ما يظهر- في تلقي الحياة العقلية من المشرق لكثرة ما كان فيها من فتن وخصومات.
والحق أن الأندلس أبطأت في حركتها العقلية، وإنه لينبغي أن نحترس من هذا الفصل الذي عقده "صاعد" في كتابه طبقات الأمم، يستعرض فيه العلم في الأندلس، ويذكر أسماء جماعة كانوا في القرن الرابع كأبي عبيد البلنسي؛ فإن هؤلاء لم يكونوا علماء بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة؛ إنما كانوا مثقفين بالثقافة العربية العامة التي لم تكن تتجاوز عندهم شيئًا من الرياضيات والطبيعيات وبعض المعارف الطبية. وأسرعت الأندلس إلى الاهتمام بالثقافة الدينية، بل كادت أن لا تشغل نفسها بشيء سواها، يقول صاحب نفح الطيب:"وقراءة القرآن بالسبع، ورواية الحديث عندهم رفيعة، وللفقه رونق ووجاهة ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك". ويقول: "كل العلوم لها عندهم حظ إلا الفلسفة والتنجيم، فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق، وقيدت عليه أنفاسه فإن زلَّ في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقربًا للعامة، وكثيرًا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت، وبذلك تقرب المنصور
1 الحضارة الإسلامية: تأليف بارتولد "نشر دار المعارف" ص61.
ابن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه"1. والمنصور بن أبي عامر هو أهم وزير للأمويين في القرن الرابع؛ إذ توفي عام 392 للهجرة، ويقول ابن عذاري بصدده: "وكان المنصور أشد الناس في التغير على من عنده شيء من الفلسفة والجدل في الاعتقاد والتكلم في شيء من قضايا النجوم وأدلتها والاستخفاف بشيء من أمور الشريعة وأحرق ما كان في خزائن الحكم -الخليفة الأموي- من كتب الدهرية والفلاسفة بمحضر كبار العلماء"2
وليس من شك في أن ذلك كله كان سببًا في بطء الحياة العقلية وتأخر نموها في الأندلس، ونحن نعرف أن أول فيلسوف أندلسي هو ابن باجة المتوفى عام 533 للهجرة؛ فالأندلس لم تتعمق الفلسفة إلا في عصر متأخر، ولعلها من أجل ذلك اعتنقت مذهب مالك وفضلته على غيره من المذاهب؛ لأنه لم يكن معقدًا بفلسفة، ولاحظ ذلك ابن خلدون، وعلل له ببداوة أهل الأندلس وأنهم لم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق؛ فآثروا هذا المذهب لمناسبة البداوة بينهم وبين أهل الحجاز3. ويمكن أن نعلل بنفس العلة لعدم اتساع موجة التفكير الإباحي الماجن عندهم على نحو ما نعرف في المشرق، كما أنه لم يظهر عندهم شاعر متفلسف متشائم كأبي العلاء.
وإذا تركنا الحياة العقلية في الأندلس إلى الحياة الأدبية وجدنا ظاهرة التقليد للمشرق واضحة جلية؛ إذ تصاغ الكتب الأدبية عند الأندلسيين على شكل الكتب الأدبية عند المشارقة، يصاغ "العقد الفريد" على شكل "عيون الأخبار" ويراه الصاحب بن عبَّاد فيقول هذه بضاعتنا ردت إلينا، ويصاغ كتاب "الحدائق" لأبي فرج الجياني في أهل زمانه على شكل كتاب "الزهرة" للأصبهاني"4، ويصاغ كتاب "الذخيرة" لابن بسام على شكل كتاب "اليتيمة"
1 انظر: نفح الطيب 1/ 104.
2 البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب: لابن عذاري "طبع ليدن" 1/ 314.
3 مقدمة ابن خلدون ص315.
4 الذخيرة: لابن بسام "طبع جامعة القاهرة" 1/ 2.
للثعالبي1. والحق أن الحركة الأدبية في الأندلس صيغت صياغة على شكل الحركة الأدبية في المشرق، وقد نعجب من ذلك الآن، ولكن من يتعمق دراسة الأندلس يعرف سرعة الاتصال بينها وبين المشرق؛ فعلماؤها وأدباؤها يرحلون إليه كما يرحل إليها علماؤه وأدباؤه، ومن لم يذهب من المشرق إلى الأندلس أرسل إليه بآثاره، أو نقلها إليه هؤلاء الأندلسيون الذين يجوبون الأقطار الشرقية للبحث عن المنابع الهامة للأدب والثقافة، ولعل من الغريب أن يعرف القارئ أن كتابي "البيان والتَّبَيُّن" و"التربيع والتدوير" نقلًا في حياة الجاحظ إلى الأندلس2 وأرسل أبو الفرج الأصبهاني لعبد الرحمن الناصر نسخة من كتابه "الأغاني" كما نُقِل ديوان المتنبي في حياته إلى الأندلس نقله ابن الأشج الذي قابل المتنبي في الفسطاط عام 346 للهجرة، وبذلك استطاع ابن هانئ المعاصر له أن يتأثره تأثرًا واضحًا. ويذكر صاحب الذخيرة أن ابن شهيد كان يستعير معاني أبي العلاء في بعض أشعاره3 فإذا عرفنا أن ابن شهيد توفي عام 426 للهجرة؛ بينما توفي أبو العلاء عام 449 عرفنا إلى أي حد كانت سرعة الاتصال بين الأندلس والمشرق.
ومن يقرأ في الذخيرة ويتابع الأدباء والشعراء في تقليدهم لأدباء المشرق وشعرائه يخيل إليه أن القوم قد حبسوا أنفسهم داخل الإطار العام للأدب العربي، فهم يضعون المشرق نصب أعينهم يتخذون منه مُثُلَهُم الأدبية العُليا، وقد كتب ابن شهيد رسالة "التوابع والزوابِع" وذكر فيها أسماء شياطين الشعراء الذين أجازوه، وكلهم من شعراء المشرق الذين نعرفهم، أمثال أبي نواس وأبي تمام والبحتري والمتنبي4، وكان الأندلسيون حتى عصر ابن خلدون لا يزالون يقولون: "إن أصول علم الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين
1 انظر مقدمة كتاب الذخيرة.
2 معجم الأدباء 6/ 74.
3 الذخيرة 1/ 287.
4 انظر: رسالة التوابع والزوابع في الذخيرة 1/ 210.