الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذا الغطاء لوجهه من الخجل غريب! ولكن من يقول بأن الشاعر ينبغي أن يقف دائمًا عند الذوق القديم ولا يكون رائدًا لبدع جديد.
ومهما يكن فقد كان أبو تمام يحاول أن يبتكر في الصور وأن يغرب فيها، وما فائدة الرقي العقلي الحديث الذي أصابه الشاعر العباسي في القرن الثالث إن لم يستوعب في شعره مثل هذه الصورة الجديدة، ولعل ذلك أهم ما يفرق بين فنه في التصوير وفن أستاذه مسلم، كما يفرق بين فنه وفن ابن الرومي؛ فإن التصوير لم يستغرقهما على نحو استغراقه لأبي تمام، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما أصبح الشعر عنده ضربًا من لوحات الرسامين؛ فهو معني فيه دائمًا بالتصوير، مشغوف بكل خيال نادر طريف.
5-
استخدامُ أبي تمامٍ لألوانِ تصنيعٍ جديدةٍ:
وأبو تمام لا يقف بفنه عند هذه الألوان القديمة من التصنيع التي يبتهج بها الحس؛ بل نراه ينفذ إلى ألوان جديدة يبتهج بها العقل، وهي ألوان قاتمة، كانت تتسرب إليه من الفلسفة والثقافة العميقة. وفي هذه الألوان القاتمة الجديدة تستقر مهارته إذا قسناه بغيره من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه؛ فقد استطاع أن يستوعب الفلسفة والثقافة وأن يحولهما إلى فن وشعر؛ إذ تتعلق بهما ألوان التصنيع السابقة، أو بعبارة أدق يتعلقان هما بتلك الألوان؛ فإذا كل لون منها يعبر عن فكر عميق؛ فالطباق والجناس والتصوير والمشاكلة، كل ذلك يزدوج بالفلسفة وألوان الثقافة القاتمة، فيجلِّله الغموض في كثير من جوانبه وأجزائه ولكن أي غموض؟ إنه الغموض الفني الذي يشبه تنفس الفجر، فالأفكار والصور وكل ما يعتمد عليه أبو تمام من ألوان يلتف في ثياب من هذا الغموض، بل في ألوان قاتمة من هذه الظلال التي لا تحجب النور ولكن ترسله بقدر، فيضفي على كلما يمسه حسنًا وجمالًا.
وقد وقف العباسيون طويلًا عند هذا الجانب من الغموض الفني عند
أبي تمام وتحدثوا عما فيه من صعوبة والتواء ولم يتحدثوا عما فيه من بدع وجمال.
يقول الآمدي عنه: "إنه ينسب إلى غموض المعاني ودقتها وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج"1. يروي الرواة أن أعرابيا سمع قصيدته: "طلل الجميع لقد عفوت حميدًا"1؛ فقال: إن في هذه القصيدة أشياء أفهمها وأشياء لا أفهمها؛ فإما أن يكون قائلها أشعر الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه2. وليس من شك في أن هذا الأعرابي كان صاحب حس مرهف دقيق، ويقص الآمدي أن ابن الأعرابي اللغوي المعروف سمع شعره فقال:"إن كان هذا شعرًا فكلام العرب باطل"3. ولعل من الطريف أن أبا العميثل سمعه ينشد إحدى قصائده فقال له: لماذا لا تقول ما يفهم؛ فأجابه على البديهة، وأنت لماذا لا تفهم ما يقال4، وكأني بأبي تمام يعلن عن اتجاه جديد في الشعر العربي فقد تطور هذا الشعر وتطور معه صاحبه، ولم يعد عملا شعبيًّا بل أصبح عملًا عقليًّا راقيًا؛ فالشاعر ليس من واجبه أن ينزل إلى الجمهور بل يجب على الجمهور أن يصعد إليه. وهذه الفكرة فكرة ارتفاع الشعر عن الجمهور نراها عند أبي تمام لأول مرة في تاريخ الشعر العربي، وهي إحدى الأفكار المهمة التي تثار في النقد الحديث فهل يحسن بالشاعر أن يسير وراء الجمهور أو يحسن به أن يصعد بالجمهور إلى آفاقه العليا من الفلسفة والثقافة والعمق والدقة؟ إن الشعر يكون في أول أمره شعبيًا ثم يظهر النثر ويرقى الفكر ويصبح ترفًا؛ فلا يكون لعامة الناس إنما يكون لخاصتهم من المثقفين ثقافة عميقة. وهذا ما حدث في العصر العباسي عند أبي تمام؛ فقد أصبح الشعر ترفًا وأصبح الشاعر لا يقصد إليه إلا ليرضي الطبقة المثقفة الممتازة، لا ليعبر عن شعور الجمهور كما كان الشأن في القديم. وإذن فليس من حق ناقد غير مثقف بالثقافة الحديثة أن يطلب إلى أبي تمام النزول من هذا الأفق الذي اختاره لنفسه. ليس ذلك من حق أبي العميثل ولا من حق اللغويين أمثال ابن الأعرابي؛ إنما هو من حق المثقفين في عصره بالثقافة الحديثة الذين
1 الموازنة: للآمدي ص2.
2 أخبار أبي تمام: للصولي ص245.
3 الموازنة: للآمدي ص4.
4 معاهد التنصيص 1/ 15
يسميهم الآمدي أصحاب المعاني والفلسفة، وهل يجوز في هذا العصر الذي نعيش فيه أن نحكِّم في شاعر مثقف بالثقافة الحديثة ناقدًا لم يتثقف بهذه الثقافة ولم يأخذ بحظ منها، كما هو الشأن عند أبي العميثل وابن الأعرابي بالقياس إلى أبي تمام؟ إننا لا نشك في أن مثل هذا الناقد لا يصلح للحكم على شاعر يختلف عنه في المزاج والثقافة.
ونحن لا نصل إلى القرن الثالث حتى يختل التوازن بين النقاد والشعراء؛ فقد كان أكثر النقاد من الرواة واللغويين الذين لا يتصلون بالثقافة الحديثة، فكرهوا الحديث على هذا الأساس وأحبوا ما اتصل بعمود الشعر العربي وآثروه على ما يتصل بعمود الفلسفة والثقافة الحديثة، ونحن لا نستجيب لحكم هذه الطائفة على أبي تمام بل نحن نقف مع أنصاره من أصحاب المعاني والفلسفة؛ فإن من يطلب اللذة العقلية في الفن لا بد أن يعجب بهذا الشاعر المتفلسف الذي ما يزال يستهدف للخواطر الباطنة والمعاني العويصة؛ فإذا هو يتعثر في بعض الأساليب والتراكيب، وإذ هو ينحرف عن عمود الشعر المألوف ولكنه انحراف محبب إلى نفوسنا رغم لوم اللائمين ونقد الناقدين.
ومهما يكن فإن شعر أبي تمام يستحوذ على صعوبات كثيرة؛ إذ نراه يمتلئ بكثير من الأسرار الغامضة التي تجعل الإنسان يخرج عن نطاق نفسه ويسير مع الشاعر كما يريد له في هذا العالم الحالم. أما ما فيه من صعوبة والتواء فذلك طبيعي عند شاعر كان يعتمد في شعره على الفلسفة والفكر الدقيق، وهل يمكن لشاعر يلعب العمق والخفاء في شعره وتلعب الفلسفة والثقافة في فنه أن يعبر تعبيرًا مألوفًا؟ إنه يبحث ويجرِّب، وكل عبارة عنده إنما هي بحث وتجربة، وقد يخطئ أحيانًا إنه يبتكر أفكارًا وصورًا جديدة؛ ولكنه يحس دائمًا أن اللغة لا تستطيع أن تؤدي ما يريد، وما اللغة؟ إنها ليست إلا رموزًا غامضة، وإن نظرية اللغة لتحتل حيزًا واسعًا في دراسات النقد الحديث، وقد كتب "ريتشاردز" و"أوجدن" كتابًا قيمًا في هذه النظرية سَمَّياه معنى المعنى"the Meaning of Meaning"
ونحن نرى هذا الكتاب يقرر منذ الفصل الأول أن الكلمات ليست إلا رموزًا نؤدي بها ما في أنفسنا، وهي رموز ناقصة لا يستطيع الإنسان أن يضبط مدلولاتها أو يحددها إلا ما اتصل منها بالأعلام وأسماء الأماكن، أما ما يتصل منها بالمعنويات والعواطف؛ فإنه غير مضبوط ولا محدود. ويعرض الكتاب لقوة الكلمات في الرمز وما يسودها من غموض وإبهام وما قام به الفلاسفة والسوفسطائيون من ضبط مدلولاتها وما صنعه أرسططاليس في منطقه من ذلك الضبط. ويتحدث الكتاب عن أهمية الشروح والتفاسير في فهم الشعر وأنها دليل على أن معانيه وضعت في رموز. وما يزال الكتاب يبحث بحثًا واسعًا طريفًا في صعوبة اللغة وصعوبة التعبير بها وما يكتنف الألفاظ من تحوير في استعمالاتها المختلفة عند الأدباء؛ بحيث يمكن أن يقال إن للكلمات وظيفة لغوية أو معجمية، ولكن هذه الوظيفة تضاف إليها وظائف أخرى حسب رغبات الأدباء والشعراء وما يريدونه في عباراتهم بتلك الرموز القاصرة، ومن أجل ذلك كانوا يحرفون في مدلولاتها تحريفًا واسعًا حتى يستطيعوا أن يعبروا عن المعاني التي تختلج في نفوسهم، وهي معانٍ أوسع من تلك الأدوات اللغوية التي اصطلحنا عليها؛ بل هي أصعب من أن تؤديها، ولذلك كان من حقهم أن يحوروا فيها حسب إرادتهم الفنية. والكتاب يفيض بأبحاث واسعة في صعوبة اللغة والتعبير الفني.
وإنما سقنا هذا الكلام أمام جانب الغموض والمعاني العويصة في شعر أبي تمام لأن هذا الجانب آثار ضجة واسعة حول شعره وفنه في النقد العباسي، وهي ضجة تشبه من بعض الوجوه تلك الضجة التي شبَّت في فرنسا حول مذهب الرمزيين حين تفرغ عن مذهب البرناسيين"les parnassiens"، فكما كان هؤلاء يعنون بالموسيقى والجمال المادي ويعيبون على الرمزيين غموضهم، كذلك كان كثير من النقاد والأدباء في العراق ينحرفون عن أبي تمام وغموضه في فنه، ويظهرون ميلًا إلى الجمال الصوتي عند البحتري وأمثاله، وكما كان الرمزيون حديث الحي اللاتيني والمنتديات الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر، كذلك كان أبو تمام وفنه حديث المنتديات في بغداد ومجالس الأمراء والوزراء.
وقد أحدث هذا الصراع في فرنسا بين الرمزيين وغيرهم موجة واسعة من النقد، وظهرت كتب وأشعار تنعي طريقتهم، كما نجد عند فكير "Vicaire" الشاعر الفرنسي الريفي1 وغيره. وحدث مثل ذلك في العراق إزاء أبي تمام؛ إذ نرى ابن المعتز الشاعر يكتب رسالة في مساويه2، واتسعت هذه الموجة من النقد في فرنسا، ولا تزال آثارها إلى اليوم، كما اتسعت في العصر العباسي عند العرب، ووجد لها أنصار ومعارضون كثيرون، وكتبت حولها كتب متعددة؛ فكتب الصولي وكتب الآمدي وكتب غيرهما. وكان ذلك حريًا أن ينقل الشعر العربي نقلة واسعة؛ غير أن خصوم أبي تمام ظلوا يزعمون أنه لا يضيف جديدًا إلى الفن إلا صعوبة وعسرًا في التعبير، وتلوَّموه من أجل ذلك كثيرًا ولم يلتفتوا إلى أنه كان يحوِّل في مجرى الشعر العربي وفي منابعه؛ فليست المسألة مسألة صعوبة أو غرابة في التعبير والتصوير كما ظن الآمدي وأمثاله؛ إنما هي مسألة اتجاه جديد في الشعر. ونفس أنصار أبي تمام لم يستطيعوا وصف فنه على نحو ما نجد في النقد الفرنسي الحديث إزاء الرمزيين، ولذلك ظلت مدرستهم قائمة في فرنسا، وتعدد أفرادها من أمثال "Verlaine" ومالارمية "Mallarme" كما تعدد تلامذتها، أما أبو تمام فلم ينهض به أحد إلا نهوضًا قاصرًا على نحو ما رأينا عند البحتري من جهة، وعلى نحو ما سنرى عند ابن المعتز من جهة أخرى.
ومن عيب النقد العربي أنه لم يكن يتصور فكرة المذاهب والمدارس كما نتصورها في عصرنا الحديث؛ ولذلك كنا نجد دائمًا عند أصحابه خلطًا في فهم المذاهب والاتجاهات الفنية، وكان من الصعب أن ينجح اتجاه فني جديد، وأكبر الظن أن ذلك كان من أهم الأسباب التي حالت دون التجديد الواسع في الشعر العربي؛ فهذا أبو تمام يدخل الغموض والدقة والفلسفة في الفن، فلا يناقشه النقاد في أصول هذا العمل؛ إنما يناقشونه في أسلوب ملتوٍ أو عبارة غريبة وصورة غير
1 D.mornet، Histoire de la Lit- terature et de la Pensee Fran،caise Contemporaine، p. i98.
2 الموشح للمرزباني ص307.
مألوفة، يناقشونه في ظاهر العمل ويتركون باطنه، وما ينساب فيه من تلك الينابيع الفلسفية والثقافية التي تلون شعره بألوان خاصة.
على أن وقوف النقاد العباسيين عند جانب الصعوبة والالتواء في هذا الغموض الفني جعلهم لا يتلفتون إلى جانب الجمال فيه؛ إذ كان أبو تمام يستخدم الثقافة والفلسفة في شعره استخدامًا فنيًّا واسعًا. يحاول بهما أن يحدث لنفسه أسلوبًا متموِّجًا بالفكر زاهيًا بالعقل شديد الحركة والحياة. ومن الصعب أن نفسر ما في هذا الأسلوب من تموج عقلي؛ فإن أبا تمام لا يقف به عند جانب معين من ديوانه أو أبياته، فهو ينشره فيها جميعًا كما ينشر الربيع خضرته على جميع النباتات والأشجار، ونحن لا نبالغ إذا قلنا إن شعر أبي تمام خير مثل تصوِّر ربيع الفكر العربي ومقدرته على الازدهار والإثمار، وكما أن الربيع لا يحجز بقطع خاصة من الرياض، كذلك هذا الضرب من التلوين العقلي عند أبي تمام وما يصحبه من ضباب وغموض، فإنه يعم به جميع أشعاره حتى ليخيل إلى الإنسان كأنما فارق التفكير الفني عند العرب هيئاته القديمة المعروفة إلى هيئات جديدة، ما يزال يغيِّر فيها هذا التلوين العقلي الواسع الذي يثبته أبو تمام في جميع أطراف أسلوبه.
ونحن لا ننكر أن هذا الجانب وما صحبه من غموض أحدث كثيرًا من العقد في رُقَع النسيج العام لشعر أبي تمام؛ ولكنها عقد زاهية تدخل في مواد النسيج فتكسبه عمقًا وبعدًا في الفكر والخيال. وقد أحدثت هذه العقد مظهرين عامين في شعره لا نشك في طرافتهما ولا في جمالهما، أما أولهما: فدقة التفكير وعمق التصوير، وقد راح ينشرهما في كل شقٍّ من شعره كأن يقول في وصف روض:
ومعرَّس للغيث تخفق فوقه
…
رايات كل دجنة وطفاء1
1 المعرس: المنزل ينزل به المرتحلون في آخر الليل. الدجنة هنا: السحابة المظلمة. وطفاء: ذات أهداف، ويقصد بها خيوط المطر، ويريد بالرايات البرق.
نشرت حدائقه فصرن مآلفًا
…
لطرائف الأنواءِ والأنداءِ1
فسقاه مسك الطلِّ كافور الندى
…
وانحلَّ فيه خيطُ كل سماءِ
فقد عبَّر عن السحب التي يتلألأ البرق في أطرافها بالرايات المطرزة التي تخفق بالريح؛ ولكن ليس هذا ما يلفتنا في الأبيات إنما يلفتنا الشطر الأول من البيت الثالث؛ فقد أبعد على نفسه فيه؛ إذ ذهب يقول: إن مسك الطل يسقي الروض كافور الندى، وهي صورة معقدة، فماذا يريد أبو تمام بمسك الطلِّ؟ وماذا يريد بكافور الندى؟ أما مسك الطل فإنه يريد به الرائحة العطرية التي تعبق من الروض إثر الطل والمطر الخفيف، وأما كافور الندى فإنه ذلك الرشاش الذي تعقد قطراته بيضاء على أوراق الروض كالكافور، وليس من شك في أن هذه صورة مركبة؛ ولكنها تعبق بالمسك والطيب، وهذا التلوين العقلي الغريب الذي يتضوع به ديوان أبي تمام كما يتضوع الزهر بشذاه. ويقول النقاد من أمثال الآمدي إن شعر أبي تمام غامض، ولكن أي غموض؟ إنه غموض أوقات السحر التي كان يعجب بها أبو تمام؛ وإنه لتنحلّ فيها خيوط من الضياء على حد تعبيره، وهل هناك أجمل من تصويره لسقوط المطر بتلك الخيوط التي تنحل في الروض؟! إنه تصوير طريف قلما يقع في ذهن شاعر إلا هذا الذي يستوعب الثقافة والفلسفة وتتحولان عنده إلى طرائف من العمق في التفكير والتصوير.
وكان يقابل هذا المظهر من دقة التفكير وبعد التصوير مظهر آخر من الغموض الزاهي انتشر في شعره، ونقصد ما نجده في أبياته من وفرة الاحتمالات؛ إذ يكثر فيها التأويل والشرح لما تمتاز به من عمق وإغراق في التفكير والخيال، وتتعدد الشروح والتأويلات، وتخرج من ذلك صور وتفسيرات على وجوه شتى. وقد عُني القدماء بهذا الجانب من الغموض عند أبي تمام، وكتب المرزوقي فيه بحثًا طريفًا سماه: المشكل، عرض فيه للمشكل من أبياته، وراح يذكر ما يمكن أن توجَّه به من تأويلات طريفة؛ فمن ذلك قوله:
1الأنواء: الأمطار.
ولهتْ فأظلمَ كلُّ شيء دونها
…
وأنارَ منها كلُّ شيءٍ مظلمِ
يقول المرزوقي: "لما جزعت لفراقها اشتد جزعها علىَّ فأظلم كل شيء في عيني سواها ومن دونها، وبان لي ووضح من مكتوم أمرها ومكنون ودها لي ما كان مغيبًا عني ومظلمًا علي. ويجوز أن يكون المعنى: ارتاعت لما أحست بالفراق وتولَّهت فألقت قناعها فأظلم كل شيء دونها لسواد شعرها فأنار كل شيء مظلم من بياض وجهها، والأول أوضح وأجود"1، ويقول التبريزي:"وقد يؤدي لفظ الطائي معنى آخر وهو أن الأشياء أظلمت دونها أي غيرها. وقوله: وأنار منها كل شيء مظلم، أي: من حسنها تضيء الأشياء المظلمة"2
وهذه الوفرة من الاحتمالات كما تأتى من دقة المعنى وبُعده تأتي أيضًا من ثقافته، ولعل ما يوضح ذلك من بعض الوجوه قوله:
طال إنكاري البياض ولو عمِّـ
…
ـرت شيئًا أنكرت لونَ السوادِ
يقول المرزوقي: "يحتمل هذا البيت وجوهًا: أحدها: ما قاله الأعرابي لما استُوصف حاله؛ فقال كنت أنكر الشعرة البيضاء فقد صرت الآن أنكر الشعرة السوداء، والثاني: إن عمِّرت شيئًاأسودَّ من لوني وجلدي ما كان مبيضًا فأنكرته، وهذا كما قال العُريان بن الهيثم لما سأله عبد الملك عن حاله فقال أبيض مني ما كنت أحب أن يسود وأسودَّ مني ما كنت أحب أن يبيض
…
في كلام طويل، ثم قال العريان.
وكنت شبابي أبيض اللون زاهرًا
…
فصرت بُعيدَ الشيبِ أسود حالكا
والثالث: إن عمِّرت شيئًا أنست بالبياض وسكنت إليه حتى أكون منكرًا للسواد إنكاري الساعة للبياض"3.
والحق أن شعر أبي تمام شعر شخص مثقف ثقافة واسعة ما يزال يتسرب منها ظلال من الغموض ولكنها ظلال زاهية؛ إذ كان أبو تمام يخرج ما فيها من
1 المشكل: للمرزوقي "مصورة" بمكتبة جامعة القاهرة ص41.
2 التبريزي على أبي تمام 3/ 248.
3 المشكل للمرزوقي ص21. وانظر البيان والتَّبَيُّن1/ 399، والتبريزي 1/ 360.