الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا تنكري منه تخديدًا تجلَّله
…
فالسيفُ لا يُزدرى أن كان ذا شطبِ1
وعلى هذا النمط يستمر أبو تمام يستخرج من الفلسفة والثقافة زخرفًا جديدًا يضيفه إلى الزخرف القديم، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما رسخت الثقافة والفلسفة في ذهنه وتحولتا هناك إلى ما يشبه صندوق الألوان عند الرسامين. وقد أخذ يحكم استخدام تلك الألوان في شعره، كما أخذ يحكم استخدامه لألوان التصنيع القديمة: تارة بما يستخرجه من أصباغها على نحو ما رأينا عنده في لون التصوير وأصباغه من تدبيج وتجسيم وتشخيص، وتارة بإضافته اللون إلى لون آخر على نحو ما رأينا عنده في الطباق والجناس حين كانا يمران في وعاء التصوير. وأخيرًا هو يبتكر ألوانًا جديدة يستنبطها من الثقافة والفلسفة ثم يمزج بينها وبين ألوان التصنيع القديمة، فتتغير شياتها وهيئاتها على نحو ما رأينا في حواشي الطباق حين طرزها بنوافر الأضداد. وحقًا إن أبا تمام كان أستاذًا ماهرًا في فن مزج الألوان ومعرفة خباياها وأسرارها؛ إذ نراه يغمس البيت في لون كالجناس، ثم يعود فيغمسه في لون آخر كالتصوير، ثم يعود مرة ثالثة فيغمسه في طباق أو مشاكلة، ولا يكتفي بذلك، بل نراه يعود فيغمسه في لون قاتم بل في لون زاهٍ من الفلسفة والثقافة فإذا البيت يختال في ألوان وأصباغ ثرية منوعة اختيال الطاوس في ألوانه وأصباغه.
1التخديد: تجعدات الوجه، وشطب السيف: الطرائق التي فيه.
7-
قَصِيدةُ عموريةَ:
لعل أروع نموذج في شعر أبي تمام يمثل هذا المزج الواسع بين ألوان التصنيع العقلية وألوان التصنيع الحسية هو قصيدة عمورية؛ فقد تجلت فيها مقدرة أبي تمام في المزج بين الألوان الثقافية القاتمة والألوان الفنية الزاهية، إذ تدور مجموعة الألوان الأولى في أوعية المجموعة الثانية، فإذا هي تتحول إلى ألوان فنية جديدة.
وكأنما أبو تمام شاعر الألوان والأضواء في اللغة العربية وهي ألوان وأضواء قاتمة. بل هو شاعر الرسم والزخرف والتنميق؛ فقصائده حَلي ووشي وأناقة خالصة. ولكن لا تظن أنه شاعر حسِّي، أو أن زخرفَهِ مادة وحس فقط؛ بل إن زخرفَهُ -قبل كل شيء- فكر وفلسفة وعقل وكشف عن حقائق الحياة في أعماقها وأغوارها.
كان أبو تمام يزاوج بين العقل والحس، وكان يعبر تعبيرًا زخرفيًّا، ولكنه تعبير يفضي بالإنسان إلى فكر عميق ظهر في شكل زخرف أنيق. وإن الباحث ليعجب كيف استطاع أبو تمام أن ينهض بفنه إلى هذا المدى من التعبير عن الفكر والزخرف جميعًا، بل إننا لا ندقق في التعبير، فليس هناك من فارق عنده بين الفكر والزخرف، إن الفكر نفسه يصبح زخرفًا يزخرف به نماذجه. وانظر إليه يستهل قصيدة عمورية على هذا النمط:
السيفُ أصدقُ إنباءً من الكتبِ
…
في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
بيضُ الصفائحِ لا سودُ الصحائف في
…
متونهنَّ جلاءُ الشكِ والرِّيب1ِ
فإنك تراه يؤمن بتفوق السيف على الكتب، ألم تقل الكتب ويقل معها المنجمون إن المعتصم لا يفتح عمورية في الوقت الذي اختاره لمهاجمتها؛ ولكنه لا يستمع لقولهم وهاجمها وينتهي هجومه بفتحه العظيم؟ ويأتي أبو تمام فيتحدث عن علم التنجيم هذا الحديث الساخر الذي يفضل فيه السيف على الكتب والقوة على العقل، ويستمر فيهزأ بما يذكره المنجمون من أيام السعد والنحس. وما يذهبون إليه من تقسيم الأبراج إلى ثابتة ومنقلبة وتحكيمها في طوالع الناس والأحداث، وهنا نتبين أثر ثقافته الفارسية، وهو يعرضها هذا العرض الطريف؛ إذ تدور في أوعية الطباق والجناس والتصوير. وظهرت في هذه القصيدة آثار أخرى مختلفة للثقافات الإسلامية والعربية واليونانية، ونحن ننقل قطعة منها لنقف على المزج الغريب بين الثقافات المختلفة من جهة وبين ألوان الشعر العربي من جهة أخرى. يقول في وصف يوم الموقعة
1 الصفائح: جمع صفيحة، وهي السيف العريض.
يا يوم وقعة عمورية انصرفت
…
منك المنى حفَّلًا معسولة الحلبِ1
أبقيت جد بني الإسلام في صعد
…
والمشركين ودار الشرك في صبب2ِ
أمّ لهم لو رجوا أن تُفتدى جعلوا
…
فداءها كل أمّ برة وأبِ
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها
…
كسرى وصدَّت صدودًا عن أبي كربِ3
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد
…
شابت نواصي الليالي وهي لم تشبِ
بكرٌ فما افترعتها كفُّ حادثة
…
ولا ترقَّت إليها همة النُّوب4
حتى إذا مخض الله السنين لها
…
مخض البخيلة كانت زبدة الحقب5
أتتهم الكربة السوداء سادرةً
…
منها وكان اسمها فرَّاجة الكربِ 6
جرى له الفألُ نحسًا يوم أنقرة
…
إذ غودرت وحشة الساحات والرُّحبِ
لما رأت أختها بالأمس قد خربت
…
كان الخراب لها أعدى من الجرب
كم بين حيطانها من فارس بطلٍ
…
قاني الذوائب من آني دم سرب7
بسنَّة السيف والحناء من دمه
…
لا سنة الدين والإسلام مختضبِ8
لقد تركت أمير المؤمنين بها
…
للنار يومًا ذليل الصَّخرِ والخشب9
غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى
…
يشلُّه وسطها صُبحٌ من اللهبِ10
حتى كأنَّ جلابيب الدُّجى رغبت
…
عن لونها أو كأن الشمسَ لم تَغِبِ
ضوء من النارِ والظلماء عاكفة
…
وظلمة من دخانٍ في ضحى شَحِبِ
فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد أفلت
…
والشمس واجبةٌ في ذا ولم تَجِبِ11
1 الحفل: جمع حافل، وهي الناقة التي حفل ضرعها باللبن. الحلب: ما يحلب منه. معسولة: يخالطها العسل.
2 الجد: الحظ. الصبب: الانحدار.
3 البرزة: الحسنة الوجه الجميلة، وكسرى: ملك فارسي، وأبو كرب: ملك يمني.
4 افترعتها: افتضتها
5 المخض: رج اللبن لتستخرج زبدته، وعادة يكون مخض البخيلة أشد.
6 الكربة السوداء: المصيبة العظيمة، سادرة: مظلمة، أو سادلة.
7 قاني الذوائب: أحمر الضفائر، آني: حار، سرب: سائل.
8 ليس خضابهم بالحناء كما في سنة الإسلام؛ وإنما هو خضاب بدمائهم.
9 عبّر عما فعلته النار بعمورية بذلة الصخر والخشب.
10 غادرت: ركت، البهيم: الليل لا ضوء فيه. يشله: يطرده.
11 واجبة: غاربة، وأفلت: غربت
تصرّح الدّهر تصريح الغمامِ لها
…
عن يومِ هيجاءَ منها طاهرٍ جنبِ1
لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على
…
بانٍ بأهلٍ ولم تغرب على عَزَبِ2
ما ربعُ ميّةَ معمورًا يطيفُ به
…
غيلانُ أبهى ربًى من ربعها الخربِ3
ولا الخدود وقد أدمين من خجلٍ
…
أشهى إلى ناظر من خدّها التّرب4
سماجةٌ غنيت منا العيون بها
…
عن كل حسن بدا أو منظر عجب5
وحسن منقلبٍ تبدو عواقبُهُ
…
جاءت بشاشتُه عن سوءِ منقلبِ
وعلى هذه الشاكلة يستمر أبو تمام في هذه القصيدة فيجعلك تحس باستعلائه على الشعراء؛ إذ يمزج بين الثقافات وألوان الشعر مزجًا طريفًا، فأنت تراه في البيت الأول يعمد إلى عنصر قديم هو عنصر الحلب، فيحوره تحويرًا جديدًا إذ يضيف إليه العسل فيعطيه طعمًا طريفًا. وتراه يخرج من ذلك إلى الحديث عن الصراع بين الإسلام والمسيحية وهو في أثناء ذلك يغمس الشعر في الطباق بين الصَّعَد والصَّبَب، ثم لا يلبث أن يخرج إلى وعاء التشخيص يعبر به عن عزة عمورية وما دهاها، تلك السيدة الفاتنة التي كانت تُدلُّ على الملوك والأكاسرة، حتى آتاها المعتصم فأقبلت عليه طائعة ذليلة. وهنا نراه يعرض التاريخ عرضًا غريبًا، عرضًا فنيًّا إن صح هذا التعبير؛ فها هما كسرى وأبو كرب يأتيان في الشعر عاشقين مدلهين، وهو تاريخ؛ ولكنه تاريخ فني وهو تاريخ قصد به إلى الفن. وهذا هو معنى ما قلناه كثيرًا من أن أبا تمام كان يحول الثقافة إلى بدع من الشعر والفن، حتى التاريخ يتحول بطريقة غريبة إلى لون من ألوان الفن. وقد جاء بالإسكندر ليدل على ثبات عمورية وقدمها، وهنا نحس أثر الثقافة اليونانية في هذا القدم والثبات الذي يقصد إليه، ونحن نحسها دائمًا في صياغته العقلية وما أشرنا إليه من استخدامه لنوافر الأضداد التي نشرها في جميع أشعاره. وما يزال أبو تمام يلائم بين هذه الثقافات وعناصرها من فارسية وعربية وإسلامية ويونانية،
1 تصرح: تكشف، الهيجاء: الحرب، طاهر جنب: يعني بالطهر جهاد العدو، وبالجنابة ما كان فيه من سبي.
2 بانٍ بأهل: متزوج. ولم تغرب على عزب: أي من المسلمين.
3 غيلان هو ذو الرمة، ومية: محبوبته.
4 الترب: المعفر بالتراب.
5 سماجة: قبح، غنيت: استغنت.
وهو يغمر ذلك كله في ألوان تصنيعه من جناس وطباق وتشخيص؛ فهذه نواصي الليالي قد شابت، ولا تزال عمورية تكسوها غفلات الزمان شبابًا وفتنة. ونستمر حتى نجد تلك الصورة التي يصور فيها الأجيال تمخض عمورية مخض البخيلة حتى كانت زبدة الدهور. وهي صورة قد تكون غير مألوفة، ولكن أذواقنا لا ترفضها، وكان أبو تمام كثيرًا ما يعرض مثل هذه الصورة بحكم تصنيعه وتعمقه في مذهبه. ونراه بعد ذلك يستخدم نوافر الأضداد؛ فهذه عمورية كانت تفرج الكرب. وهي اليوم تسببها، وهو عنصر فلسفي أو يوناني، ولعلك تعجب إذ تراه يلائم بينه وبين عناصر الفأل والنحس والجرب، وهي عناصر عربية؛ ولكن أبا تمام كان يعرف كيف يوحِّد بين عناصر الثقافات المختلفة في عصره، ويكون منها هذا الزخرف الفني الغريب الذي ما يزال يرصع به قصائده على أشكال وصور شتى.
وإذا مضينا في القطعة وجدناه يعنى بالتدبيج؛ إذ يقف عند الدم السرب، وحينئذ يعمد إلى المقابلة؛ فهذا الخضاب على الرءوس ليس خضاب سُنَّة؛ وإنما هو خضاب سيوف، وأنت ترى في ذكر السنة هنا شيئًا من العناصر الإسلامية. ثم يتحدث عن اليوم الذي حرقت فيه عمورية، فيصفه بأنه يوم ذليل الصخر والخشب، وهي ذلة غريبة؛ فكيف يذل الصخر والخشب؟ ولكنه عنصر عربي يستغله في التعبير عما أصابها من ذلة وهوان؛ إذ يرى العرب يقولون: فلان أذل من الوتد. ونراه يستمر في الحديث فيصف النار وهي مشتعلة في عمورية آناء الليل. وحينئذ يلعب بالنار والظلماء؛ فهو ينظر ولكن ماذا ينظر؟ إنه في ضحى بل هو في صبح. فليس حوله إلا النور وإلا تباشير الصباح وقد خيل إليه كأن جلابيب الدجى رغبت عن لونها. وما أجمل تلك الصورة التي جعلها ترسخ في أذهاننا بقوله: أو كأن الشمس لم تغب! وهنا تطل علينا من بين أبياته ثقافته الدينية؛ إذ يستغل قصة يوشع التي تذهب إلى أن الشمس تأخرت من أجله عن مغربها. فكأن هذا يوم يوشع! إنه يوم المعجزة الكبرى في تاريخ العرب. يوم عمورية. وإنه ليعجب حين يذكر نهار
هذا اليوم وليله، أما نهاره فظلمة من دخان في ضحى قاتم. بل في ضحى شاحب. وأما ليله فضوء من النار في ظلام عاكف، وإنه لتعلوه الحيرة، فالشمس طالعة وقد رآها غاربة، والشمس يراها غاربة وهي غير غاربة، أرأيت إلى وصف هذا الحريق وما استخدم فيه أبو تمام من ألوان التجسيم والطباق ونوافر الأضداد؟ إن أبا تمام كان يُحكم استخدام الألوان في فنه إحكامًا شديدًا فإذا هو يستخرج منها هذا الزخرف النادر.
ونراه يتحدث بعد ذلك عن هذا اليوم الطاهر الْجُنُب وما فيه من الزواج والعزوبة، وهي فكرة كانت تروق الجيش الظافر الذي اقتسم السَّبْي، وقد استخدم فيها التعبير بنوافر الأضداد ليكسبها ضربًا من الروعة الفنية. وأخيرًا يعرض علينا هذه الصور الغريبة التي مزجها بعناصر قديمة؛ فهذه عمورية على ما بها من الجرب وعلى ما أصاب خدها من نمش النار وتشويه الدخان أحب في عينه من ربع ميَّة في عين ذي الرمة الذي عاش يتعبد جمالها ويتغنى بوصفها، أرأيت كيف يتحول تاريخ الأدب إلى عجب من الفن والتصوير؟ ثم أرأيت إلى هذه السماجة التي تصبح باستخدام نوافر الأضداد أجمل من كل جميل وأبدع من كل بديع؟ إن أبا تمام كان يعرف كيف يحول الثقافة وألوانها القاتمة إلى فن وألوان زاهية. وإن الإنسان ليدهش حين يراه يلائم بين الفكر الحديث والعناصر العربية القديمة ويستغل تلك العناصر لتعبر عن ثقافته وفكره الحديث، واستمر في القصيدة فسترى الدلاء والأوتاد والطُّنُب تأتي لتعبر عن أروع الأفكار، كأن يقول هذا البيت الذي سبق أن عرضنا لما فيه من رمز.
إن الحِمامين من بيضٍ ومن سمرٍ
…
دلوا الحياتين من ماءٍ ومن عشبِ
فانظر أين وضع الدلاء ليعبر عن فكرة فلسفية دقيقة، ثم اقرأ قوله:
حتى تركت عمودَ الشركِ منقعرًا
…
ولم تعرج على الأوتادِ والطّنب
فقد عبر عن أخذ المعتصم لعمورية دون ما حولها من القرى والمدن الصغيرة هذا التعبير الرمزي الطريف بقطعه للعمود والأس من أصله دون ما حوله من