الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد استطاع ابن الرومي في هذه الأبيات لا أن يجسم الهنوات فقط، بل أن يقيم بينه وبينها هذا الحوار الغريب. ومهما يكن فقد كان ابن الرومي يكثر من استخدام أداة التجسيم في شعره، كما كان يكثر من استخدام أداة التشخيص وأكبر الظن أنه اندفع إلى ذلك تحت تأثير حساسيته الخاصة فمثله ممن يتطير ويتشاءم ويكبر التوافه لا بد أن يلتزم ذلك في تصويره ومعانيه؛ فهو كثير الخيال والأحلام، يتصور الخيال والحلم حقيقة فينفعل ويعظم انفعاله.
ويكبر تصوره ويتضخم، فإذا المعاني والأشياء تتجسم أمامه وتشخص، وإذا لها كل ما للأحياء من خواص وصفات، فهي تعقل عقلها، وهي تحس إحساسها وهي تشعر شعورها، ولعل هذا هو ما جعله يستعير من أبي تمام هاتين الأداتين من التجسيم والتعقيد وإن كان أبو تمام يستعلي عليه بما يستعين به من الغموض والدقة والتعقيد في التصوير. وهذا هو ما يفرق دائمًا بين الصانعين والمصنعين في القرن الثالث، فإن الأولين يستخدمون أدوات الأخيرين، ولكن دون أن يعقدوا فيها، أو يغيروا في صورها وأشكالها. وكما حدث ذلك عند ابن الرومي في استخدام ألوان التصنيع حدث كذلك في استخدامه لألون الثقافة القاتمة فإنها لم تتحول عنده إلى ألوان فنية زاهية. والحق أن أصحاب الصنعة كانوا من ذوق آخر فهم لا يهتمون باستخدام أدوات التصنيع دائمًا، وهم حين يستخدمونها لا يكثرون منها ولا يعقدون فيها ولا يضيفون إليها ألوانًا جديدة من ثقافة أو فلسفة على نحو ما سنرى عند أبي تمام.
7-
الهجاءُ السَّاخِرُ:
لعل من أهم الجوانب التي تلفت النظر في شعر ابن الرومي جانب الهجاء؛ فقد أعده مزاجه الحاد وقدرته البارعه في لمح الدقائق والعيوب الجسمية لضرب من الهجاء يمكن أن نسميه "الهجاء الساخر"؛ إذ كان يعبث بمهجويه عبثًا.
لاذعًا يشبه عبث أصحاب الصور "الكاريكاتورية"؛ فهو يقف عند نواحي الضعف ويكبرها ويظهرها في أوسع صورة لها، حتى ليثير الضحك والإشفاق على من يتناوله منهم؛ إذ يصنع بهم صنيع أصحاب الصور "الكاريكاتورية" فهم يضعون رأسًا كبيرًا على جسم صغير، أو يخالفون في أعضاء الجسم فيركبونها عليه تارة بالطول وتارة بالعرض، وهو تركيب مضحك في كل صوره وهيئاته، وكذلك كان ابن الرومي يتناول من يهجوه فيشوهه تشويهًا غريبًا، مستخدمًا ما يمتاز به من بعض النقائص الجسدية، وانظر إليه يقول في الأحدب الذي كان يتطير به:
قصُرت أخادعُه وغاب قذالُهُ
…
فكأنَّه متربِّص أن يُصفعا1
وكأنما صفعت قفاه مرَّة
…
وأحسَّ ثانيةً لها فتجمَّعا
ويقول في بعض مهجويه:
وجهكَ يا عمرو فيه طولُ
…
وفي وجوهِ الكلابِ طولُ
والكلبُ وافٍ وفيك غدرٌ
…
ففيك عن قدره سُفُولُ
وقد يحامي عن المواشي
…
وما تحامي ولا تصولُ
وأنت من أهلِ بيتِ سوءٍ
…
قصتُهم قصةٌ تطولُ
وجوههم للوري عظاتٌ
…
لكن أقفاءهم طبولُ
مستفعلن فاعلن فعولُ
…
مستفعلن فاعلن فعولُ
بيتٌ كمعناك ليس فيه
…
معنى سوى أنه فضولُ
وعلي نحو ما كان يلتقط العيوب الجسدية كان يلتقط العيوب الصوتية والمعنوية، يقول في مغنٍّ قبيح الصوت:
وتحسب العين فكيه إذا اختلفا
…
عند التنغُّم فكَّي بغلِ طحَّانِ
ويقول في بخيل يسمى عيسى:
1 الأخادع: جمع أخدع، وهو عرق في العنق، ويقصد صفحة العنق، القذال: القفا.