الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: الصنعة والتصنيع
الشعر في القرنين الثاني والثالث وعلاقاته الجديدة
…
الفصل الثالث: الصنع والتصنيع
لِلَهِ ما راحَ في جَوانِحِهِ
…
مِن لُؤلُؤٍ لا يُنامُ عَن طَلَبِه
يَخرُجنَ مِن فيهِ لِلنَديِّ كَما
…
يَخرُجُ ضَوءُ السِراجِ مِن لَهَبِه
بشار
1-
الشعر في القرنين الثاني والثالث وعلاقاته الجديدة:
لا نكاد نمضي في القرن الثاني للهجرة حتى يقوم على صناعة الشعر أمشاجٌ من العرب والموالي الذين كانوا يعيشون في المراكز العقلية الكبرى وخاصة البصرة والكوفة؛ فكان طبيعيًّا أن تتطور صورته وأن تختلف عن صور الشعر القديم الذي كان يستمد من علاقات البادية وصلاتها الحسية والمعنوية، لسبب بسيط، وهو أن من ينظمونه يحيون في المدن، وتؤثِّر فيهم علاقات وصلات جديدة، بعضها سياسي، وبعضها حضري واجتماعي، وبعضها عقلي وثقافي، ونحن نسوق طائفة من هذه العلاقات والصلات الجديدة.
الدعوة العباسية:
أخذت هذه الدعوة في الظهور منذ أوصى أبو هاشم بن محمد بن الحنفية بالإمامة من بعده إلى محمد بن على بن عبد الله بن العباس؛ فتحولت إليه الفرقة المعروفة في تاريخ الشيعة باسم الكيسانية التي كانت تدين بإمامة ابن الحنفية، كما تحولت إليه فرقة أبي هاشم نفسه المسماة بالهاشمية، وأخذ على رأس المائة يدير من موطنه في الحميمة دعوة سرية للقضاء على بني أمية، وأرسل دعاته
في الآفاق وخاصة في الكوفة وخراسان، وما زال يوالي الدعوة، حتى توفِّي، فخلفه وصيُّه وابنه إبراهيم، ولما طلبه الأمويون وأيقن بالهلاك أوصى لأخيه أبي العباس السفاح، وبعد مغامرات ومخاطرات جَمَّة استطاعت الجيوش الخراسانية بقيادة قحطبة وابنه الحسن القضاء على الدولة الأموية، واتخذ السفاح الهاشمية بالقرب من الكوفة حاضرة له. ولم تطل مدته فخلفه أبو جعفر المنصور، ويُعَدُّ المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، وقد ثار عليه عمه عبد الله؛ فقضى على ثورته أبو مسلم الخراساني ولم يلبث هو أن قضى على أبي مسلم إذ استدرجه إلى "المدائن" وقتله. وفي هذه الأثناء كان العلويون يرون العباسيين اغتصبوا دولتهم؛ إذ كانوا يظنون أن الخراسانيين يعملون من أجلهم وأن العباسيين صرفوهم عنهم بخبثهم ومكرهم، فثاروا أولًا في الحجاز بقيادة محمد بن عبد الله بن الحسن ثم ثاروا في البصرة بقيادة أخيه إبراهيم، واستطاع المنصور أن يقضي على الثورتين، جميعًا، ولما تم له الظفر بأعدائه فكر في أن يبتعد عن الكوفة مستقر الشيعة والعلويين؛ فاختار قرية صغيرة على الضفة اليسرى من دجلة تسمى "بغداد" لتكون حاضرة دولته وأقام فيها قصورًا لنفسه وحاشيته، كما أقام فيها دواوين دولته، واجتذب إليها التجار والعلماء. وبنى لجيشه معسكرًا على الضفة اليمنى، وأطلق عليها اسم دار السلام؛ ولكن اسمها القديم هو الذي ذاع وشاع.
وعلي هذا النحو استقر العباسيون في بغداد، ولم تقم للشيعة قائمة بعد المنصور. وكذلك الشأن في الخوارج فإن حروب الأمويين طحنتهم، ولم نعد نسمع بثوراتهم في العراق إلا مشاغبات ضئيلة، سرعان ما تخمد، وانتقلوا بنشاطهم إلى بلاد المغرب حيث لا تزال لهم بقايا هناك إلى اليوم. وقد يكون السبب في ذلك أن العرب خوارجَ وغير خوارج في هذا العصر دحرتهم الجيوش الخراسانية فعادت فلولهم إلى الصحراء، ولم تعد الدولة العباسية تشهد في العراق معارضة سياسية على نحو ما كان الأمر في عصر بني أمية. وليس معنى ذلك أن الشيعة عدموا من يتشيع لهم من الشعراء. فقد كان هناك من يتشيعون لهم، غير أن كثيرين من شيعتهم لم يجدوا بأسًا في أن ينضووا تحت لواء العباسيين، فقد رجع الحق بهم إلى أهله
وورثته الشرعيين، وخير من يمثل ذلك السيد الحميري؛ فقد كان من غلاة الشيعة، وكان يجهر بتأييد العباسيين، ومدح السفاح حين دخل الكوفة فقال1:
دونكموها يا بني هاشم
…
فجددوا من عهدها الدَّارِسا
دونكموها فالبسوا تاجها
…
لا تعدموا منكم له لابِسَا
وظلَّ يحطب في حبل الخلفاء العباسيين، وظلوا يقربونه ويُجزلون له في العطاء وهو لا ينسى عليًّا وفضائله مؤمنًا برجعة إمامه محمد بن الحنفية، ومن مستحسن شعره في آل الرسول صلوات الله عليه2:
أتى حسنًا والحسينَ الرسولُ
…
وقد برزا ضحوة يلعبانِ
وضمهما ثم فدَّاهما
…
وكان لديه بذاك المكان
وطأطأ تحتهما عاتِقَيْه
…
فنعم المطيَّةُ والراكبان
ونلتقي في القرن الثاني بكثير من هؤلاء المتشيعين الذين يسرفون في مديح العباسيين مثل منصور النَّمري، وكان يكثر من رثاء العلويين وبكائهم، ومن جيد ما قاله فيهم3:
آلُ الرسول ومن يحبُّهم
…
يتطامنون مخافة القَتْل
أَمِنَ النصارى واليهود وهم
…
من أُمَّة التوحيد في أزلِ4
ولعل أهم شاعر أعلن عقيدته الشيعية وعاش يناضل في سبيلها هو دعبل الخزاعي، وكان يتأسى بالنمري في بكاء آل البيت ورثائهم، وامتاز بأنه كان يضيف إلى ذلك هجاء لاذعًا في العباسيين، وكأنه نظر إلى بيتي النمري السابقين حين قال5:
أرى أمية معذورين إن قَتَلوا
…
ولا أرى لبني العباس من عُذرِ
قَتْلٌ وَأَسْرٌ وتحريقٌ ومنهبةٌ
…
فعلَ الغزاة بأرض الروم والْخَزَرِ
1 الأغاني "طبع دار الكتب" 9/ 240.
2 طبقات الشعراء لابن المعتز "طبع دار المعارف" ص35.
3 نفس المصدر ص247.
4 أزل: شدة وضيق.
5 أغاني "ساسي" 18/ 44.
وهو صاحب القصيدة التائية المشهورة1:
مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ
…
ومنزل وحْيٍ مقفر العَرَصَاتِ
ويقول ابن المعتز: إنها أشهر من الشمس.
وكان هؤلاء الشعراء المتشيعون يعدون شذوذًا في تلك الحقب التي استقر فيها الأمر لبني العباس. ولعلهم من أجل ذلك كانوا يداجونهم ويمدحونهم حتى دعبل فإنه كان يكثر من مديح المأمون. وكان الشعراء عامة من حوله ومن قبله وبعده يُضفون عليهم مدائحهم، ووقف كثيرون منهم يدافعون عن حقهم في الخلافة أمام العلويين، وأنهم ورثتها الشرعيون بحكم مانزل به الوحي الكريم في مثل قوله تعالى:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} وما جاء في فريضة الميراث من تقديم العم على أبناء البنات، ولعل أحدًا لم يبلغ من ذلك ما بلغه مروان بن أبي حفصة في مثل قوله للمهدي:
يا ابنَ الذي وَرِثَ النبيَّ محمدًا
…
دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحي بين بني البنات وبينكم
…
قَطع الخصام فلات حين خصام
فارضوا بما قسم الإله لكم به
…
ودعوا وراثة كلِّ أَصْيَد حَام2
أنَّى يكون وليس ذاك بكائن
…
لبني البنات وراثةُ الأعمامِ
فالعباسيون لا العلويون هم أصحاب الحق في ولاية المسلمين، وهو حق إلهي نص عليه القرآن الكريم. وكم من شاعر صور هذا الحق مضيفًا على العباسيين سيرة تقية عادلة؛ فهم ظل الله في أرضه يحكمون الناس بتفويضه وإرادته.
الشعوبية
خسر العرب بسقوط الدولة الأموية سيادتهم المطلقة التي كانت لهم في هذه الدولة؛ إذ كان السلطان عربيًّا خالصًا، ولم يعد لهم ولا لجزيرتهم أي شأن مهم في السياسية، فقد غلب الفرس على الدولة وأصبحوا هم السادة وأصحاب النفوذ في
1 معجم الأدباء لياقوت "طبع مصر" 11/ 103.
2 الأصيد: السيد. والحامي: من يحمي ذويه.
البلاط العباسي، ومن المحقق أن الثور العباسية لم تكن ثورة على العروبة من حيث هي عروبة؛ وإنما كانت ثورة على الأسرة العربية الحاكمة التي لم تكن تعترف بمبدأ المساواة بين جميع المسلمين عربًا وغير عرب في الحقوق، خارجةً بذلك على نظرية الإسلام التي تنص على هدم العصبية القبلية والجنسية في مثل قوله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} و {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وقول رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" وقوله: "المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ". وكان عليٌّ وسابقوه من الخلفاء الراشدين يأخذون بهذه النظرية المثالية، فلما انتهت مقاليد الحكم إلى بني أمية أخذ كثير من العرب يشعرون بالتفوق على الأعاجم الذين غلبوهم. وتملكهم الإحساس بالسيادة، فنظروا إلى غيرهم من الأمم نظرة السيد إلى المسود، وتبلور هذا الإحساس في الدولة وحكامها فلم يسووا بين الموالي المسلمين والعرب في الخراج وأرهقوهم بالضرائب، سوى ما كان من عمر بن عبد العزيز؛ إلا أن قصر عهده لم يتح الفرصة كاملة ليقف الموالي مع العرب على قدم المساواة، وسرعان ما أُسْدلت على سياسته الرشيدة ستور النسيان.
وأخذت هذه المشكلة المساواة بين الموالي المسلمين والعرب تتبلور في سرعة، ومن غير شك كانت أهم سبب في اعتناقهم للتشيع، فإن عليًّا حين اتخذ الكوفة حاضرة لخلافته كان يسوِّى بينهم وبين العرب في الحقوق، فلما قُتل وأخذ الأمويون يقسون عليهم في المعاملة كانوا يذكرون أيامه ويبكون عهده ويتمنون أن لو رُدَّ الحكم إلى أحد أبنائه، لعله يعيد الأمر إلى نصابه، حتى إذا نظم العباسيون الدعوة لهم في خراسان انضموا إليها أفرادًا وجماعات، وكونوا هذا الجيش الضخم الذي قضى قضاءً مبرمًا على الدولة الأموية وجيوشها العربية. ومعنى ذلك أن الثورة العباسية الأعجمية لم تكن ثورة على العروبة من حيث هي، وإنما كانت ثورة من أجل تطبيق نظرية الإسلام في المساواة بين العرب والموالي؛ غير أن الظروف أدت إلى أن يكون الفرس في جانب العرب وفي جانب
وأن تعلو كفة الفرس وأن يشعروا شعورًا قويًّا بقوميتهم؛ إذ أصبح النفوذ في أغلبه لهم، واستطاعت أسرة من أسرهم، وهي أسرة البرامكة أن تحتفظ بالوزارة أعوامًا طويلة من القرن الثاني، وكان لها أثر عظيم في حياة الجماعة، إذا عملت على إشاعة التقاليد الفارسية في الحكم، وشجعت على نقل آداب قومهم إلى العربية. وخلفهم بنو سهل في عهد المأمون، وهم فرس أيضًا، ويمضي العصر العباسي إلى خلافة المعتصم فارسيًّا، حتى يُخرج هذا الخليفة أمر الجيش من أيدي الفرس؛ فجلب له جنودًا من الترك ويبني لهم سامرَّا "سُرَّ مَنْ رَأَى". على أن العنصر العربي ظل ممثلًا بقوة، في الخلفاء العباسيين وفي الدين الإسلامي واللغة العربية وفي بعض الأفراد من الوزراء والولاة والقواد أمثال يزيد بن حاتم المهلبي ومعن بن زائدة ويزيد بن مزيد وحُمَيد الطوسي وأبو دُلَف العجلي؛ ولكن مما لا شك فيه أن الأعاجم كانوا متفوقين طوال العصر العباسي الأول، فوقفوا من العرب نفس الموقف الذي كانوا يقفونه منهم في عصر بني أمية.
وهنا نجد مشكلة المساواة بين الموالي والعرب تثار في نطاق واسع تحت اسم الشعوبية، وكان واضحًا أن الموالي يسبقون العرب في العلم، إذ كان منهم أكثر العلماء لا في العصر العباسي وحده، بل منذ العصر الأموي، وطبعًا كانوا يسقونهم في الزراعة والحرف المختلفة، وهم اليوم يسبقونهم في السياسة، وأخذت الدولة تفيد فائدة واسعة من النظم الساسانية القديمة، كما أخذت تنظم ترجمة الثقافات الأجنبية. وأصبحت كثرة الأدباء كتّابًا وشعراء من الموالي وخاصة الفرس؛ إذ كان ابن المقفع أكبر كتّاب عصره فارسيًّا، وكذلك كان بشار بن برد زعيم المجددين في الشعر. كذلك هَيَّأ لفتح هذا الباب الكبير: باب الشعوبية، وواضح من اسمها أنها تبحث في فضائل الشعوب وأيها يتقدم غيره من الأمم، وقد تحولوا بها من المساواة التي كانوا يريدونها بينهم وبين العرب إلى إثبات أنهم فوقهم وأفضل منهم، وانبرى لذلك جماعة من علمائهم جعلوا همهم الحط من شأن العرب في جاهليتهم بما كانوا فيه من البداوة والفظاظة ولبعدهم عن أسباب المدنية والحضارة، ووضعوا كثيرًا من الكتب في
مثالبهم، يذكرون فيها مثالب القبائل قبيلة قبيلة، واشتهر بالكتابة في هذه المثالب أبو عبيدة وعَلَّان الشعوبي والهيثم بن عديّ، وتعرضوا لفضائلهم ينقضونها على نحو ما نقض سهل بن هارون فضيلة الكرم في رسالته التي رواها الجاحظ في فاتحة بخلائه، ووضعوا عليهم كثيرًا من القصص وأنطقوهم أشعارًا لم ينظموها، وتعرضوا لأدواتهم وأسلحتهم في القتال ولما كانوا يأخذون به أنفسهم في الخطابة من الاعتماد على العصيّ والقسيّ. وَرَدّ عليهم الجاحظ في البيان والتبيين1 وابن قتيبة2 وغيرهما ردًّا مفحمًا. وكانت هذه الدعوة من غير شك سيئة لأنها تدعو إلى تفريق الجماعة الإسلامية وتثير الأحقاد والضغائن بين شعوبها؛ غير أن ثورة الفرس -فيما يظهر- كانت جامحة، وكان يمدها من اعتلوا منهم المناصب الكبرى في الدولة وخاصة البرامكة، فانقلبت تلك الدعوة إلى ما يشبه ثورة على العرب، وأُغْرِي شعراؤهم بإعلانها؛ فإذا بنا نجد بشارًا الذي كان يفخر في عصر بني أمية بمواليه القيسيين في مثل قوله:
أمنتُ مضرة الفحشاء أني
…
أرى قَيْسًا تضرُّ ولا تُضَارُ
كأن الناس حين تغيب عنهم
…
نبات الأرض أخطأه القِطَارُ4
وقوله5:
إنني من بني عُقَيل بن كعب
…
موضَع السيف من طُلَى الأعناق6
يتغيَّر على العرب وكأنما يشعر أن الحياة واتته وأنها استقامت على هواه؛ فيتبرأ من ولائهم ويرده عليهم، فولاؤه لربه يقول7:
أصبحت مَوْلَى ذي الجلال وبعضهم
…
مولى العُرَيب فخذ بفضلك فافْخَرِ
1 انظر كتاب العصا في فاتحة الجزء الثالث من البيان والتبيين.
2 راجع كتاب العرب لابن قتيبة في رسائل البلغاء نشر محمد كرد علي.
3 أغاني "طبع دار الكتب" 3/ 139.
وديوان بشار "طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر" 3/ 250.
4 القطار: المطر.
5 أغاني: 3/ 139.
6 الطلى: أصول الأعناق، واحدتها طلية.
7 أغاني 3/ 139.
مولاك أكرم من تميم كلها
…
أهل الفعال1 ومن قريش الْمَشْعَرِ
فارجع إلى مولاك غير مدافع
…
سبحان مولاك الأجلِّ الأكبر
ويفخر بقومه فخرًا عنيفًا، ويحاول الغض من العرب بكل ما وسعه، ومما يصور عنف ذلك عنده قصيدته2:
هل من رسول مخبر
…
عني جميع العرب
بأنني ذو حسب
…
عالي على ذي حسب
جدي الذي أسمو به
…
كسرى، وساسان أبي
وقيصر خالي إذا
…
عددت يومًا نسبي
ومضى يتحدث عن أجداده من الفرس وأخواله من الروم وأنهم كانوا ملوكًا متوجين يتحلون بالجواهر ويلبسون الفراء الثمينة، وذكروا ما كانوا يضربونه حولهم من الحجابة، وكيف كان الوصفاء يسعون بين أيديهم بصحاف الذهب وأوانيه. وافتخر بأن الدولة العباسية قامت على حرابهم، وعدَّد كثيرًا من مظاهر الخشونة عند العرب، وهي شعوبية جامحة دفعته دفعًا إلى أن يهجو العرب بقصيدة أخرى أكثر مرارة3. ويُرْوَى أنه دخل على المهدي وقد عرف ثورته على العرب وشعوبيته فقال له: فيمن تعتد يا بشار؟ فرد عليه: أما اللسان والزي فعربيان وأما الأصل فعجمي كما قلت في شعري يا أمير المؤمنين:
ونبئت قومًا بهم جِنَّةٌ
…
يقولون من ذا وكنت العَلَم
ألا أيها السائلي جاهدًا
…
ليعرفني أنا أنف الكرم
نمتْ في الكرام بنو عامر
…
فروعي وأصلي قريش العجم
وسأله المهدي: فمن أي العجم أصلك؟ فقال: من أكثرها في الفرسان، وأشدها على الأقران، أهل طخارستان4. ولا يغضب المهدي ولا يثور على
1 الفعال: الفعل الجميل من الكرم ونحوه.
2 الديوان 1/ 377.
3 انظر الديوان 3/ 299.
4 أغاني "طبع دار الكتب" 3/ 138.
نحو ما غضب وثار هشام بن عبد الملك في العصر الأموي حين افتخر إسماعيل بن يسار النسائي في بعض مديحه له بآبائه الفرس1. ولم يكن إسماعيل يقصد إلى شعوبية ثائرة على العرب على نحو ما كان يقصد بشار. ومعنى ذلك أن تحولًا واضحًا حدث في الحياة، حتى أصبح الخلفاء يغضبون على هذه الشعوبية، وما يُطْوَى فيها من عصبية جنسية، وكان من أهم الأسباب في هذا الإغضاء أن العجم هم الذين دفعوهم إلى منصة الحكم.
وإذا تركنا بشارًا إلى الجيل التالي المعاصر للبرامكة في زمان الرشيد وجدنا هذه الشعوبية تشتد، إذ ازداد تأثر الشعراء بالحضارة الفارسية المادية، ودفعهم ذلك إلى التمرد على التقاليد العربية والإسلامية، فخرجوا على عادات العرب الاجتماعية ونُظم الإسلام وقوانينه، ولعل أبا نواس خير من يمثل هذا الجيل، وأغلب الظن أن ثورته لم تكن ثورة جنسية؛ بل كانت ثورة حضارية من نوع خاص، ثورة الحضارة الفارسية وكل ما اتصل بها من خمر ومجون على العرب وحياتهم الإسلامية، وهو يثور في ضجيج وعجيج وصياح وهجوم حتى على الشعر وتقاليده، على نحو ما نرى في قوله2:
قل لمن يبكي على رَسْم دَرَس
…
واقفًا ما ضرَّ لو كان جلسْ
تصف الرَّبع ومن كان به
…
مثل سَلْمَى ولُبَيْنَى وخَنَسْ
اترك الربع وسلمى جانبًا
…
واصطبح كَرْخِيَّة3 مثل القَبَسْ
وقوله4:
عاج الشقي على رسم يسائله
…
وعجت أسأل عن خمارة البلد5
يبكي على طلل الماضين من أسد
…
لا دَرَّ دَرُّك قل لي من بنو أسد؟
ومن تميم ومن قيس ولَفُّهما؟
…
ليس الأعاريب عند الله من أحد
1 أغاني "طبع دار الكتب" 4/ 422.
2 ديوان أبي نواس "طبعة آصاف" ص299.
3 كرخية: خمرة منسوبة إلى الكرخ، ناحية بغداد.
4 الديوان ص266.
5 عاج: وقف وعطف على المكان.
ولم تقف الشعوبية عند ذلك فقد كان الشعراء من العجم يتعصبون للوزراء منهم حين يَلون الحكم، وكان هؤلاء يغدقون عليهم في العطاء، كما كانوا يغدقون على الشعراء من العرب حين يمدحونهم، وقلما وجد في عصر الرشيد شاعر لم يمدح البرامكة، وتنبه زعماء العرب للفكرة؛ فكانوا يجزلون للشعراء في عطاياهم، ومدائح مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة مشهورة، وكذلك مدائح على بن جبلة في أبي دُلَف العجلي وحميد الطوسي. وقد جذبوا بنوالهم كثيرين من شعراء الفرس، ومدائح مسلم بن الوليد في يزيد بن مَزْيد تدور على كل لسان. وقلْ ذلك نفسه في الخلفاء، فقد كان بأيديهم خزائن الدولة، فملئوا منها حجور الشعراء، وكان ذلك باعثًا في تجويد الشعراء لمدائحهم ومراثيهم حتى أتوا فيها بالعجب العجاب.
اللهو والمجون
لعل مجتمعًا عربيًّا لم يعرف اللهو والمجون كما عرفها المجتمع العباسي في القرنين الثاني والثالث، فقد غرق الناس في الكوفة والبصرة وبغداد إلى آذانهم في الحضارة الفارسية المادية وما يُطْوَى فيها من غناء وخمر. وحقًّا بدأت طلائع ذلك في أواخر العصر الأموي حين ظهر الوليد بن يزيد وحين أخذت الكوفة تسرف على نفسها في اللهو وما يتبعه؛ لكن ذلك لا يقاس في شيء إلى ما كان في العصر العباسي الذي شعر فيه الفرس بحريتهم، حتى لتأخذ شكل ثورة عاصفة على جميع التقاليد العربية. ومضى أبناء هذه الثورة يعبُّون من كئوس اللهو والخمر حتى الثمالة، وانتشرت دورهما في كل مكان، ولم تكن تزخر بالخمر والغناء وحدهما، بل كانت تزخر أيضًا بالقيان والغلمان.
وساعد في اتساع هذه الموجة شيئان: ظهور مذاهب شاكّة بلبلت الأفكار وعلى رأسها مذاهب الزنادقة والدهريين، ثم انتشار دور القيان، التي كانت تعرضهن
للبيع، وكانت تثقفهن وتؤدبهن وتعلمهن الغناء، ومر بنا في الفصل السابق تفصيل الحديث عن هذه الحركة وأثرها في الشعر ومعانيه وأوزانه. وهي لم تقف
عند ذلك فإن أصحاب هذه الدور كانوا يتخذونهم لتسلية روادها وابتزاز أموالهم؛ فكانت مألفًا للشعراء يختلفون إليها، وكانوا ينظمون فيهن أشعارهم، وهن يغنينهم فيها؛ بينما هم يشربون ويقصفون، ومن غير شك كنَّ من أهم الأسباب في إذاعة الشعر العباسي الحديث عند مطيع بن إياس وبشار وأبي نواس وأضرابهم، إذ كنَّ يحملنه معهم حين يُبَعْنَ، فيدخلنَ به في دار الخلافة ودور الأشراف، كما ينقلنه إلى الأمصار الإسلامية اللائي يرحلن إليها.
ويصور كتاب الأغاني هذ الجانب العابث من الحياة العباسية، جانب القيان وغنائهم والأغاني التي تغنوا بها وأخبارهن مع الشعراء الذين كانوا يختلفون إلى دورهن وما نشأ بينهم وبين هؤلاء القيان أو الجواري من حب، صوروه تصويرًا طريفًا في أشعار كنَّ يتغنين بها، وذاعت في كل مكان. وقلما يلمع شاعر إلا وله جارية أو جوارٍ يُذعن شعره، فلمطيع بن إياس جواريه، ولبشار جواريه الأخرى، واشتهر غير شاعر بجارية وقف عليها شعره، اشتهر أبو نواس بجنان، واشتهر أبو العتاهية بعُتْبَة والعباس بن الأحنف بفوز ومحمود الوراق بِسَكن وسعيد بن حميد بفضل. وكان مسلم بن الوليد يلقب بصريع الغواني.
وطبيعي أن تكون حياة هؤلاء القيان والجواري حياة ماجنة، ليس فيها طهر إلا شذوذًا، وصور الجاحظ العلة في ذلك، فقال: "كيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة؛ وإنما تكتسب الأهواء وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي إنما تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها فيما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث
…
وبين الخلعاء والمجان ومن لا يسمع منه كلمة جِدّ، ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ولا صيانة ولا مروءة، وتَروي الحاذقة منهم أربعة آلاف صوت "أغنية" فصاعدًا، يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، وعدد ما يدخل في ذلك من الشعر، إذا ضُرب بعضه ببعض، عشرة آلاف بيت، ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة، ولا ترهيب من عقاب ولا ترغيب في ثواب، وإنما بنيت كلها على ذِكْر العشق والصبوة والشوق والغُلمة، ثم
لا تنفك من الدراسة لصنعتها منكبَّة عليها تأخذ من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش1.." وهؤلاء الجواري كن يختلفن ما بين عَوَّادة وزامرة وصناجة ورقاصة وطنبورية ودفاقة. وكانت كثيرات منهن يحسنَّ الشعر كما يحسن الغناء. يقول أبو الفرج في دنانير جارية البرامكة: "كانت من أحسن الناس وجهًا وأظرفهم وأكملهم وأحسنهم أدبًا وأكثرهم رواية للغناء والشعر2" ويقول في متيَّم: "كانت صفرء مولدة من مولدات البصرة، وبها نشأت وتأدبت وغنت، وأخذت عن إسحاق الموصلي وعن أبيه من قبله، وكانت من أحسن الناس وجهًا وغناء وأدبًا، وكانت تقول الشعر ليس مما يستجاد؛ ولكنه يستحسن من مثلها3" ويقول في عَربب:"كانت مغنية محسنة وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخطّ والمذهب في الكلام ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة وجودة الضرب واتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار والرواية للشعر والأدب4". وكن يستخدمن معرفتهن بالشعر في اجتذاب الرجال إليهن بوسائل مختلفة؛ إذ كن يكتبن أبياتًا مثيرة على عصائبهن ومشادّ الطُّرَرِ والذوائب وعلى المناديل والوسائد والأسرة أو يكتبنها بالحناء على الأقدام5، ويروي بعض العباسيين أنه رأى عريب وعليها قميص موشح بالذهب مكتوب في وشاحة:
وإني لأهواه مسيئًا ومحسنًا
…
وأقضي على قلبي له بالذي يقضي
فحتى متى روح الرضا لا ينالني
…
وحتى متى أيام سخطك لا تمضي6
وترجم ابن المعتز في آخر طبقاته لطائفة منهن كن يحسن الشعر7، لعل أهمهن فضل عاشقة سعيد بن حُمَيد، وشعرها في الأغاني يصور عشقها له ومراحله8.
وقد بعثت هؤلاء الجواري في الكوفة والبصرة وبغداد لهوًا واسعًا على نحو
1 انظر ثلاث رسائل للجاحظ "نشر فنكل" ص72.
2 أغاني "طبعة الساسي" 16/ 130.
3 أغاني "طبعة دار الكتب" 7/ 253.
4 أغاني "طبعة الساسي" 18/ 175.
5 الموشي للوشاء "طبعة مصر" ص172 وما بعدها.
6 الموشي ص173.
7 انظر الطبقات ص421 وما بعدها.
8 أغاني "طبعة الساسي" 21/ 114.
ما مرَّ بنا في غير هذا الموضع عند مطيع بن إياس: طليعة اللهو الماجن في الكوفة وتبعته جماعته هناك من أمثال والبة والحمادين الثلاثة: حماد عجرد، وحماد بن الزِّبْرقان، وحماد الراوية. وكان بشار في البصرة لا يتغنى بالخمر فحسب؛ بل أكثر ما يتغنى به وصف ما يدور بين المرأة والرجل من علاقات حسية. ثم ظهر أبو نواس والحسين بن الضحاك الخليع وجيلهما فبلغوا من تصوير اللهو والمجون والشذوذ كل مبلغ، وكأن الحياة لم يعد فيها إلا العبث والفجور والاختلاف إلى الحانات ودور القيان، رَوَى الأغاني أنه اجتمع يومًا أبو نواس والحسين بن الضحاك وأبو العتاهية وهم مخمورون، فقالوا أين نجتمع؟ فقال القراطيسي:
ألا قوموا بأجمعكم
…
إلى بيت القراطيسي
لقد هَيَّا لنا النزل
…
غلام فاره طوسي
وقد هَيَّا الزجاجات
…
لنا من أرض بلقيس
وقيناتٍ من الحور
…
كأمثال الطواويس1
وكان بيت القراطيسي من بيوت القيان الكبيرة التي كان يجتمع فيها الشعراء، ومثله بيت ابن رامين2 وبيوت أخرى كثيرة كانت لياليها كأنها أعراس، يحتفل فيها الشعراء بحبهم وبمجونهم وإثمهم، فإن تركوها فإلى ليالي يحيونها في بيوت الأعيان والأشراف بين السماع والعزف والقصف والخمر والعواطف الشاذة وغير الشاذة، ومن خير ما يصور هذا المجتمع الماجن قصيدة أبي العتاهية3:
لهفي على الزمن القصير
…
بين الخورنق والسَّدير4
إذ نحن في غُرَف الجنا
…
ن نعوم في بحر السُّرور
في فتية ملكوا عِنا
…
ن الدهر أمثالِ الصقور
1 أغاني "طبعة الساسي "20/ 89.
2 أغاني "طبعة الساسي" 13/ 122.
3 أغاني "طبعة دار الكتاب" 4/ 60.
4 الخورنق والسدير: قصران تروى الأساطير أن النعمان الأكبر بناهما بالقرب من الكوفة.
يتعاورون مُدَامةً
…
صَهباء من حَلَب العصير1
عذراء ربَّاها شعا
…
ع الشمس في حَرِّ الهجير
لم تُدْنَ من نارٍ ولم
…
يعلق بها وضَرُ القُدور2
ومقرطقٍ يمشي أمام
…
القوم كالرَّشَأ الغَريرِ
بزجاجة تستخرج السِّـ
…
ـرَّ الدفين من الضمير
زهراءَ مثل الكوكب الـ
…
ـدري في كف الْمُدير
تدع الكريم وليس يَدْ
…
رِي ما قبيلٌ من دَبِيرِ3
ومخصَّرات زُرْنَنَا
…
بعد الهدوّ من الخدور4
ريَّا روادفهنَّ يلـ
…
ـبَسْنَ الخواتم في الخصور5
غُرّ الوجوه محجبا
…
ت قاصرات الطَّرف حُور6
متنعِّمات في النعـ
…
ـيم مضمَّخاتٍ بالعبير7
يَرْفُلْنَ في حلل المحا
…
سن والمجاسد والحرير8
ولم تكن حياة أبي العتاهية كلها لهوًا ومجونًا؛ فقد انصرف عن هذا العبث وتلك الخلاعة إلى الزهد. وربما كان أبو نواس أهم من حمل ذنوب عصره على ظهره؛ فقد عاش حياة متهتكة آثمة يندى لها جبين الأخلاق والآداب الاجتماعية، واشتهر بإجادته لفن الخمريات إذا نظم فيها أروع شعره، حتى عُدَّ شاعر الخمر في العربية، وهو حقًّا لا يبارَى في التغني بها، إذ كانت تملك عليه شغاف قلبه عي نحو ما نرى في قوله9:
أثنِ على الخمر بآلائها
…
وسَمِّها أحسن أسمائها
1 يتعاورون: يتداولون.
2 الوضر: الأذى والدنس.
3 القبيل: ما قابلك، والدبير: ما خالفك، والعبارة كناية عن أنه لا يدري شيئًا.
4 مخصرات: دقيقات الخصور، والهدو: أوائل الليل.
5 ريّا: ممتلئة.
6 قاصرات الطرف: حابسات عيونهن عن النظر إلى الرجال.
7 مضمخات: مطيبات، والعبير: أخلاط من الطيب والزعفران.
8 المجاسد: جمع مجسد، وهو القميص الذي يلي البدن.
9 الديوان "طبعة آصاف" ص239.
فهي وثنه وصنمه، وذهب يعلن في جرأة أن هذا الصنم هو الذي ينبغي أن يقف به الشعراء ويطوفوا حوله، لا حول الأطلال والنساء والبدويات؛ فقد تغيرت الحياة وخَلَف تلك النساء جوارٍ حسان تشع منهن الفتنة والإغراء، ومن قوله في ذلك1:
لا تَبْكِ ليلى ولا تَطْرَبْ إلى هند
…
واشرب على الورد من حمراء كالوَرْد
كأسًا إذا انحدرت في حَلْق شاربها
…
أجْدَتْه حمرتها في العين والخد2
فالحمر ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ
…
في كف جاريةٍ ممشوقة القَدِّ
تسقيك من طَرْفها خمرًا ومن يدها
…
خمرًا فمالك من سُكرين من بُدِّ
ولا يزال يصف الخمر وسقاتها وندمانها وكئوسها ودناتها ومجالسها وما بها من أزهار وريحان وقيان وغلمان. وتحدث في غير خمرية إلى أصحاب حاناتها من اليهود والمجوس والنصارى، وأفاض في وصف خمر الأديرة ورهبانها وراهباتها، وكان يكثر من الإلمام بدير حَنَّة، وفيه يقول3:
يا دير حَنَّةَ من ذات الأكَيْراح
…
من يَصْحُ عنك فإني لست بالصاحي
رأيت فيك ظباءً لا قرون لها
…
يَلْعَبن منا بألبابٍ وأرواح
ومما يميزه في خمرياته تنويعه في معانيها وإحكامه لتأليفها حتى لتبدو الوحدة العضوية تامة في كثير من مقطوعاتها، وفي أثناء ذلك يعبر عن شغفه بها وذكرياته لها على شاكلة قوله4:
ودار نَدامى عطَّلوها وأدْلَجُوا
…
بها أثرٌ منهم جديدٌ ودارسُ5
مساحبُ من جَرِّ الزِّقاق على الثَّرَى
…
وأضغاثُ ريحان جَنِيٌ ويابس6
حبستُ بها صحبي فجددت عهدهم
…
وإني على أمثال تلك لحابس
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا
…
ويومًا له يوم التَّرَحُّل خامس
1 طبقات ابن المعتز ص73.
2 أجدته: أعطته.
3 الديارات النصرانية في الإسلام لحبيب زيات "طبع بيروت" ص22.
4 طبقات ابن المعتز ص206.
5 أدلجوا: ساروا الليل كله أو آخره.
6 الزقاق: جمع زق، وهو دن الخمر، أضغاث: أخلاط.
تُدار علينا الرَّاح في عَسْجَدِيَّةٍ
…
حَبَتْهَا بألوانِ التصاوير فارسُ1
قراراتُها كسرى وفي جَنباتها
…
مَهًا تَدَّريها بالقِسيِّ الفوارس
فللخمر ما زُرَّتْ عليه جُيوبها
…
وللماء ما دارت عليه القلانس
والذكرى تعبق بنفسه لتلك الدار فيصفها على طريقة وصف المحبين لأطلال محبوباتهم وما بقى من آثار ديارهن؛ فيقول إن ندامى انصرفوا عنها ولا يزال فيها من آثارهم أضغاث ريحان رطبة ويابسة، ولا يزال بها علامات جَرِّ الزقاق. وقد عاج بها مع صحبه فقضى حقها من الوقوف بها، بل من المكث خمسة أيام يقصف ويشرب وينتشي. ويصف الكأس التي كانوا يتداولونها ويقول إنها كأس ذهبية رُسمت عليها تصاوير فارسية، تمثِّل كسرى في صيده مع فوارسه. وكانوا يصبون فيها الخمر حتى تبلغ أطواق الثياب، ثم يضيفون الماء حتى يدور بالقلانس. وانظرْ إلى هذه الأبيات التي يقولها في إحدى خمرياته4:
صفراءُ لا تنزل الأحزان ساحتها
…
لو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْه سَرَّاءُ
رقَّتْ عن الماء حتى ما يلائمها
…
لطافةً وجفا عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نورًا لمازجَها
…
حتى تولَّد أنوار وأضواء
دارت على فتية دان الزمان لهم
…
فما يصيبهم إلا بما شاءوا
فَقُل لمن يدَّعي في العلم فلسفةً
…
حفظت شيئًا وغابت عنك أشياءُ
فإنك تحس عمق لذة أبي نواس بالخمر، حتى لتصبح هذه اللذة فلسفة له في الحياة، بل إنه ليزعم لأصحاب الفلسفة الكلامية من أمثال النظَّام أنه ينقصهم جزء مهم من فلسفتهم، هو فلسفة الخمر أو هو فلسفة اللذة والنشوة بها. وذهب يُعْلِنُ هذه الفلسفة، ويعلن معها استخفافًا بالدين وعقائده التي تحرِّمها وتحرم معها جملة الآثام التي كان يرتكبها على نحو ما نرى في قوله5:
وخذها إن أردت لذيذَ عيشٍ
…
ولا تَعْدِلْ خليلي بالْمُدَامِ
1 عسجدية: كأس ذهبية.
2 المها: البقر الوحشي. تدريها: تخاتلها.
3 الجيوب: أطواق القمصان والثياب.
4 الديوان ص234.
5 الديوان ص327.
وإن قالوا حرامٌ قل حرامٌ
…
ولكن اللذاذةَ في الحرامِ
وقوله1:
الرَّاح شيء عجيبٌ أنت شاربها
…
فاشرب وإن حَمَّلَتْك الراحُ أوزارا
يا مَنْ يلوم على حمراءَ صافيةٍ
…
صِرْ في الجنان ودعني أسكن النارا
ودفعه ذلك إلى كثير من الإلحاد، يذيعه في خمرياته، متعابثًا متماجنًا، وأكثر هذا التباعث والتماجن إنما كان يأتيه في أثناء سكره وشربه، فهو ليس إلحادًا صادرًا من قلبه، وإنما هو عربدة وخلاعة، حتى لينكر البعث والنشور، في مثل قوله2:
وملحة باللوم تحسب أنني
…
بالجهل أوثر صحبة الشُّطَّار
بكرت عليّ تلُومني فأجبتها
…
إني لأعرف مذهب الأبرارِ
فَدَعي الملام فقد أطعت غوايتي
…
وصرفتُ معرفتي إلى الإنكار
ورأيت إتياني اللذاذة والهوى
…
وتعجُّلًا من طيب هذي الدار
أحرى وأحزم من تنطُّر آجلٍ
…
علمي به رَجْمٌ من الأخبار
ما جاءنا أحد يخبر أنه
…
في جنةٍ من مات أو في النار
ولم يكن الحسين بن الضحاك يقل عنه خلاعة. وكان مثله يكثر من الغزل بالغلمان، ويظهر أنه كان من ذوق هذا العصر ومُجَّانِهِ الآثمين أن يكون الغلام ألثغ أغن الصوت، يتطيب، ويصفف شعره ويجعله كالعقرب على صُدغة، يقول الحسين في غلام3:
بأبي ماجن السريـ
…
ـرة يبدي تَعَفُّفًا
حَفَّ أصداغه وَعَقْـ
…
ـرَبها ثم صَفَّفَا
وحَشا مَدْرَجَ القُصا
…
ص بمسكٍ ورصَّفا
ويَرْوي الأغاني للحسين كثيرًا من المقطوعات في وصف الغلمان، مما يدل
1 الديوان ص283.
2 انظر الموشح للمرزباني ص278 وما بعدها، والوساطة بين المتنبي وخصومه "طبعة الحلبي" ص63 وما بعدها.
3 أغاني "طبعة دار الكتب" 7/ 180.
على أنه كان مولعًا بالشذوذ الجنسي، ومما روي له من ذلك قوله في غلام1:
عالِمٌ بِحُبِّيهِ
…
مُطْرِقٌ من التِّيهِ
يوسفُ الجمال وفر
…
عونُ في تعدِّيه
لا وحقِّ ما أنا من
…
عطفه أرجِّيه
ما الحياة نافعة
…
لي على تأبِّيه
النعيم يشغله
…
والجمال يطغيه
فهو غير مكترثٍ
…
للذي ألاقيه
تائه تزهّده
…
في رغبتي فيه
والولع بالغلمان كان آفة هذا العصر، ومن يقرأ الأغاني يخيل إليه أن هذا الولع كان عامًّا بين الشعراء، وكان دور اللهو تعج بهم؛ فقلما توجد دار لهو دون أن يكون فيها ظبي غرير أو ظبية غريرة بل ظباء مختلفة، ولعلنا لا نغلو إذا زعمنا أن ما خلفه العصر العباسي من الغزل الشاذ بالغلمان يعدل ما خلفه من الغزل بالجواري والقيان. وكان الشعراء في هذا الغزل جميعه لا يعبرون غالبًا عن عواطف روحية؛ إنما يعبرون عن لذائذ حسية مسفَّة. وتعلَّق الحسين على شاكلة أبي نواس بالأديرة ووَصف قساوستها ورهبانها، ومن قوله في دير مُدْيان2:
يا دَيْرَ مُديان لا عرِّيت من سكن
…
هَيَّجت لي سقمًا يا دير مُدْيانا
هل عند قَسّك من علم فيخبرنا
…
أم كيف يُسعف وجه الصَّبر مَن بانا
حُثَّ المدام فإن الكأس مترعةً
…
مما يهيج دواعي الشوق أحيانًا
وأكثر الشعراء من التغني بالأديرة وخمورها، حتى ليؤلف ذلك ديوانًا خضمًا من دواوين الشعر العباسي، ولعل ذلك ما جعل القدماء يكثرون من التأليف في هذا الموضوع، وربما كان أهم شاعر أكثر من النظم فيه في أثناء القرن الثالث الهجري هو ابن المعتز، فديوانه يطفح بالحديث عن الأديرة المطيرة ودير السوسي
1 أغاني 7/ 185.
2 أغاني 7/ 193.
ودير عَبْدون، وفيه يقول1:
سقَى الجزيرة ذات الظلّ والشجر
…
وَدَيْر عبدون هَطَّالٌ من المطر
يا طالما نبَّهتني للصَّبوح به
…
في ظلمة الليل والعصفور لم يَطِر
أصوات رهبانِ دَيْرٍ في صلاتهم
…
سود المدارع نَعَّارين في السَّحَر
ويظهر أن الرهبان كانوا يعنون بخمورهم؛ فتعلق بها الشعراء، وطلبوها من كل دَيْر، ووصفوا ما لذ لهم منها وطاب كشراب القربان الذي يقول فيه ابن المعتز2.
أسكنوها في الدَّنِّ من عهد نوحٍ
…
كظلام فيه نهارٌ حبيسُ
من شراب القرْبان يوصى بها الشمـ
…
ـاسُ خزَّان بيتها والقسوسُ
والحق أن كثيرًا من الشعراء في القرنين الثاني والثالث أسرفوا على أنفسهم في اللذات، تدفعهم إلى ذلك الحضارة المادية التي عاشوها، وذهبوا يصورون ذلك في صراحة صريحة وإباحية سافرة، لا يردعهم خلق ولا دين، فخلفوا لنا دواوين ضخمة من أدب عار مكشوف، قلما عرف أصحابه شيئًا من الخجل والحياء.
الزندقة والزهد:
رأينا الفرس يسيطرون بحضارتهم المادية على حياة الشعر والشعراء؛ فإذا تلك الحياة تطبع بطوابع قوية من اللهو والمجون. وأخذوا ينقلون تراثهم الأدبي الفارسي بكل ما فيه من معتقدات دينية عرفت بين آبائهم، فنقلوا "الأفستا" كتاب داعيتهم زرادشت وما كان يذهب إليه من أن في العالم إلهين: إلَهًا للخير والنور هو أهورا مزدا، وإلَهًا للشر والظلمة هو دروج أهرمن. وكان هذا الكتاب يشتمل على صلوات ومواعظ. وظهر بعده ماني ومزج بين عقيدته والنصرانية ودعا إلى زهد شديد، وأخذ يفسر كتاب الأفستا تفسيرًا عقليًّا؛ فعدوه في أول الأمر مارقًا، وسموا أتباعه زنادقة أي ملحدين، ولم تلبث تعاليمه أن عمت في بلاد الفرس. ولم يستطع مزدك داعيتهم الثالث الذي ظهر في أواخر القرن الخامس الميلادي أن
1 الديارات لحبيب زيات ص29.
2 الديارات ص41.
يكسر من تعاليم المانوية أو أن يخضد من شوكتها. وظل الإيرانيون بعد الإسلام يتعلقون بها؛ حتى إذا انتهينا إلى زمن العباسيين وجدناها لا تزال حية مزدهرة، ولا يزال كثير منهم ثنويًّا يؤمن بإلهي النور والظلمة. وكان نَفَرٌ منهم يعلن إسلامه في الظاهر ويضمر في الباطن تلك الزندقة أو تلك المانوية وما أذاعه ماني من عقائد وتعاليم، ويشرح الجاحظ طرفًا من هذه التعاليم فيقول1:
"إن المنانيَّة تزعم أن العالم بما فيه من عشرة أجناس، خمسة منها خير ونور وخمسة منها شر وظلمة، وكلها حاسَّة وحارّة، وأن الإنسان مركب من جميعها على قدر ما يكون في كل إنسان من رجحان أجناس الخير على أجناس الشر ورجحان أجناس الشر على أجناس الخير، وأن الإنسان وإن كان ذا حواس خمسة فإن في كل حاسة متونًا من ضده من الأجناس الخمسة؛ فمتى نظر الإنسان نظرة رحمة فتلك النظرة من النور ومن الخير، ومتى نظر نظرة وعيد فتلك النظرة من الظلمة، وكذلك جميع الحواس. وإن حاسة السمع جنس على حدة وإن الذي في حاسة البصر من الخير والنور لا يعين الذي في حاسة السمع من الخير؛ ولكنه لا يضاده ولا يفاسده ولا يمنعه فهو لا يعينه لمكان الخلاف والجنس ولا يعين عليه لأنه ليس ضدًّا. وإن أجناس الشر خلاف لأجناس الشر ضد لأجناس الخير، وأجناس الخير يخالف بعضها بعضًا ولا يتضادُّ. وإن التعاون لا يقع بين مختلفها ولا بين متضادها؛ وإنما يقع بين متفقها". وكان ماني يحرم ذبح الحيوان، ودعا إلى الزهد في الحياة والتقشف، وفرض على أتباعه صلوات كانوا يستقبلون بها الشمس، فيدعون ويزمزمون.
وكلمة زنديق أي مانويّ ليست عربية وإنما هي فارسية، عربت وأطلقت بنفس الاصطلاح الذي كانت تطلق به في بيئتها الأصلية أي على أصحاب ماني، وقد كثر هؤلاء الزنادقة منذ فاتحة العصر العباسي، حتى إذا كنا في عصر المهدي وجدنا موجتها تبلغ أقصى حدتها، حتى يضطر إلى اتخاذ ديوان للفحص عنهم والتنكيل بهم، وأكبر الظن أنه لم يجد فيهم خطرًا على الإسلام وحده،
1 الحيوان 4/ 441.
بل رآهم أيضًا خطرًا على دولته، وكذلك شعر الخلفاء من بعده، وخاصة لتلك الثورات التي كانت تنشب ضدهم في إيران مثل ثورة المقنَّع الخراساني الذي كان يزعم أن الذات الإلهية تجسدت في أبي مسلم ثم حلَّت فيه، ومثل ثورة خليفته بابك الْخُرَّمي لعهد المأمون. ويجمل لنا المهدي تعاليمهم في وصيته لابنه الهادي إذ يقول له1:
"يا بني إن صار لك الأمر فتجرد لهذه العصابة "الزنادقة"؛ فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجهم إلى تحريم اللحم ومس الماء الطهور وترك قتل الهوامّ تحرجًا وتحوُّبًا، ثم تخرجهم من هذه إلى عبادة اثنين أحدهما النور والآخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور؛ فارفع فيها الخشب وجرد فيها السيف، وتقرب بأمرها إلى الله لا شريك له".
ولم يُقم المهدي لهم ديوان الزنادقة فحسب؛ بل دعا أيضًا المتكلمين والمعتزلة للرد عليهم وتأليف الكتب في نقض عقيدتهم، ومن يقرأ الحيوان للجاحظ يرى إلى أي حد شغل المعتزلة من أمثال النظّام أنفسهم بمناظراتهم ودَحْض معتقداتهم؛ فهم وأمثالهم من الدهريين شغلهم الشاغل. ويسوق الجاحظ ثبتًا طريفًا يضم من كان يتزندق من الشعراء، وهم -حسب إحصائه- الْحَمَّادون الثلاثة: حماد عجرد حماد الراوية وحماد بن الزّبْرِقان ويونس بن أبي فروة وعلى بن الخليل ويزيد بن الفيض ويونس بن هارون وعمارة بن حمزة وجميل بن محفوظ ومطيع بن إياس وقاسم بن زنقطة ووالبة بن الحباب وأبان بن عبد الحميد2. ويَعجَبُ من زندقة أبان ويقول3:
"أما اعتقاده فلا أدري ما أقول لك فيه؛ لأن الناس لم يؤتوا في اعتقادهم الخطأ المكشوفَ من جهة النظر، ولكن للناس تأسٍّ وعادات وتقليد للآباء
1 الطبري "طبعة أوروبا" 3/ 588.
2 انظر الحيوان 4/ 446 وما بعدها، وقارن بأمالي المرتضي 1/ 131.
3 الحيوان 4/ 451.
والكبراء، ويعملون عن الهوى، وعلى ما يسبق إلى القلوب، ويستثقلون التحصيلَ ويهملون النظر، حتى يصيروا في حال متى عاودوه وأراده نظروا بأبصار كليلة وأذهان مدخولة ومع سوء عادة. والنفس لا تجيب هي مستكرهة، وكان يقال: العقل إذا أكره عمي. ومتى عمي الطبع وجَسا وغلظ وأهمل حتى يألف الجهل لم يكد الفهم ما عليه وله؛ فلهذا وأشباهه قاموا على الإلف والسابق إلى القلب".
ويظهر أن أصحاب هذه الدعوة من الفرس كانوا لا يكتفون باعتناقها؛ فقد كانوا يدعون إليها مَنْ حولهم، ودخل في اعتقادهم غير عربي مثل مطيع بن إياس الكناني ووالبة بن الحباب الأسدي إن صحت عروبتهما؛ على أننا نلاحظ أن كثير ممن كانوا يتهمون بالزندقة في العصر إنما اتهموا بها من أجل فسقهم ومجونهم واستجابتهم لغرائزهم الشاذة، ونحن لا نستطيع أن نبرئ منها مطيعًا، فقد أحضرت ابنته إلى الرشيد للتحقيق معها في تهمة الزندقة، فأقرت بها، وقالت:"هذا دين علَّمنيه أبي". وهناك جماعة قتلوا بها، ونفس قتلهم يشهد شهادة قاطعة بزندقتهم؛ فقد قتل المهدي بشارًا، وإذا رجعنا إلى شعره وجدناه يشيد بعبادة النار في بيته المشهور1:
الأرضُ مظلمةٌ والنَّارُ مشرقةٌ
…
والنار معبودةٌ مذ كانت النارُ
واستمد من ذلك دليلًا على أن إبليس خير من آدم؛ لأنه خلق من نار، أما آدم فخلق من طين، فقال2:
إبليس أفضل من إبيكم آدم
…
فتنبهوا يا معشر الفُجَّار
النارُ عنصره وآدم طينةٌ
…
والطين لا يسمو سُمُّو النارِ
ولما كثر منه ذلك نادى واصل بن عطاء في الناس أن يقتلوه؛ ففرَّ إلى البصرة ولم يزل غائبها عنها حتى توفِّي واصل، بل حتى عمرو بن عبيد، وردَّ عليه صفوان الأنصاري بشعر مفحم3 غير أنه عاد إلى البصرة وعادت معه زندقته، حتى سفك
1 البيان والتبيين 1/ 16.
2 رسالة الغفران "نشرة كامل كيلاني" 2/ 137.
3 البيان والتبيين 1/ 27 وما بعدها.
المهديُّ دمه. وممن قتله المهدي على الزندقة صالح بن عبد القُدُّوس الأزدي، وكان يعلن في البصرة مذهبه في الثنوية. ويقال أن أبا الهذيل العلاف المتكلم ناظره فقطعه، ثم قال له: على أي شيء تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأومن بالاثنين. ولما علم بأن ديوان الزنادقة يرصده هرب إلى دمشق؛ فطلبه المهدي وزجَّ به في سجن تلك الفئة الباغية، حتى يحاكمَ، فقال في سجنه:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها
…
فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
قُبِرْنَا ولم ندفن فنحن بمعزلٍ
…
من الناس لا نُخْشَى فنُغْشى ولا نَغْشى
وقيل: إنه صلى صلاة تامة الركوع والسجود؛ فقيل له: ما هذا ومذهبك معروف: قال سُنَّة البلد وعادة الجسد وسلامة الأهل والولد. وأحضر للمحاكمة بحضرة المهدي فنوظر فيها اتُّهم به من الزندقة؛ فأظهر التوبة، فقال له المهدي ألست القائل في حفظك ما أنت عليه:
رُبَّ سرٍّ كتمتُه فكأني
…
أخرسٌ أو ثَنَي لسَانِي خَبْلُ
ولو أني أبديتُ للناس علمي
…
لم يكن لي في غير حَبْسىَ أَكْلُ
قال: فإني أتوب وأرجع، فقال له المهدي: هيهات! ألست القائل:
والشيخُ لا يترك أخلاقه
…
حَتى يُوَارَى في ثَرَى رَمْسه
إذا ارعوى عاوده جهلُه
…
كذي الضَّنا عاد إلى نُكْسِه
ثم قُدِّم، فقتل وصُلب على الجسر ببغداد1. ووراء صالح وبشار شعراء كانوا زنادقة حقًّا، ولم يقتلوا، وكأن التهمة لم تثبت عليهم في جلاء لديوان الزنادقة والقائمين عليه. ومن كبار الزنادقة حماد عجرد، يقول أبو نواس:"كنت أتوهم أن حماد عجرد؛ إنما يرمى بالزندقة لمجونه في شعره، حتى حُبِسْتُ في حَبْس الزنادقة، فإذا حماد عجرد إمام من أئمتهم، وإذا له شعر مزاوج بيتين بيتين يقرءون به في صلاتهم2". وأبو نواس خير من يصور الصنف الثاني من الزنادقة التي كانت تلصق بهم هذه التهمة بسبب مجونهم، وبسبب ما قد يبدر على
1 انظر في أخبار صالح أمالي المرتضي 1/ 144 وما بعدها، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي 9/ 303.
2 أغاني "طبعة دار الكتب" 14/ 324.
ألسنتهم في قصفهم وشربهم من أبيات مارقة على شاكلة قوله1
يا ناظرًا في الدين ما الأمر
…
لا قدرٌ صحَّ ولا جَبْرُ
ما صح عندي من جميع الذي
…
تذكر إلا الموت والقَبْرُ
ولكن هذا كان تعابثًا ومجانة، وكان القائمون على ديوان الزنادقة يميزون بينه وبين الزندقة الحقيقية؛ فيكتفون بحبس أبي نواس حين يأمرهم بعض الخلفاء أو بعض الوزراء تعذيرًا له، حتى يرتدّ عن غيّه.
على أن هذا الجانب في حياة المجتمع العباسي وما انطوى فيه من زندقة ومجون ينبغي ألا يضع غشاوة على أعيننا فلا نرى هذا المجتمع على حقيقته.
لقد كان فيه لهو وترف، وكان تحفة عقائد الزنادقة والدهريين؛ ولكن ذلك إنما كان يشيع في بعض البيئات وفي دور المجانة والخلاعة. أما بعد ذلك فقد كانت هناك كثرة من يتّبعون سبيل الرشاد، وكان هناك الزهاد والعباد من أمثال عمرو بن عبيد وموسي بن سيّار الأسواري وعمرو بن فائد والقاسم بن يحيى وصالح المرِّي، هؤلاء الذي ملئوا العراق بزهدهم ومواعظهم. وكان هناك تلاميذ أبي حنيفة وابن حنبل وأضرابهما من أصحاب الشريعة الإسلامية وحملة الحديث. وكان هناك المعتزلة الذين وهبوا أنفسهم للذود عن حياض الإسلام والرد على الملاحدة والزنادقة. وكان هناك رابعة العدوية وأمثالها من الزاهدات.
فموجة الزهد لم تكن أقل حدة من موجة المجون، ويُظَنُّ أنه دخلتها عناصر أجنبية مختلفة من زهد الهنود، وزهد المسيحية ورهبانها، وحتى من زهد المانوية. ولعلنا لا نعجب بعد ذلك إذا رأينا بعض الشعراء الماجنين مثل أبي نواس تجري على ألسنتهم أشعار رقيقة في الزهد2.
وكان صالح بن عبد القدوس على زندقته يكثر من الترغيب عن الدنيا والزهد فيها، ولا يني يذكر الموت والقبر3. وكان شعره كله أمثالًا وحكمًا،
1 انظر الوساطة ص63، والموشح ص276.
2 انظر باب الزهد في ديوان أبي نواس.
3 طبقات الشعراء لابن المعتز ص91.
حتى قالوا إن ديوانه يشتمل على ألف مثل عربي وألف مثل أعجمي1، ويعجب ابن المعتزة مما يُرْوَى عنه من زندقته، ويَرْوي له بعض أشعاره زاهدة2 من مثل قوله:
وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى
…
ولا باحتيال أدرك المال كاسبه
ولكنه قبضُ الإله وبَسْطُه
…
فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
إذا كمَّل الرحمن للمرء عقلَهُ
…
فقد كملتْ أخلاقه ومناقبه
وقوله في أصحاب القبور:
ألا أحد يبكي لأهل محله
…
مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
كأنهم لم يعرفوا غير دارهم
…
ولم يعرفوا غير التضايق والبلوى
وقوله:
فوحقِّ من سمك السماء بقدرة
…
والأرض صيَّر للعباد مِهَادا
إن المصرَّ على الذنوب لهالكٌ
…
صَدَّقت قولي أو أردت عنادا
وربما كان أكبر من تغنَّى بالمهد في هذا العصر أبو العتاهية، وقد بدأ حياته ماجنًا أشد ما يكون المجون، ثم حانت منه التفاتة فزهد في حطام الدنيا ولبس الصوف، وأخذ يتغنى بالموت والفناء وما ينتظر الناس من ظلمة القبر ووحشته على شاكلة قوله3:
حتى متى أنت في لهو وفي لعب
…
والموت نحوك يهوى فاغرًا فاه؟
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
…
رب امرئ حتفه فيما تمناه
تغترّ للجهل بالدنيا وزخرفها
…
إن الشقيّ لمن غرته دنياه
كأن حيًّا وقد طالت سلامته
…
قد صار في سكرات الموت تغشاه
نلهو وللموت مُمْسَانا وَمُصْبَحنا
…
من لم يصبِّحه وجه الموت مسَّاه
ولا يزال على هذا النحو يتحدث عن مصير الإنسان الذي ينتظره وأن من
1 التحفة البهية 217.
2 طبقات الشعراء ص91 وما بعدها.
3 ديوان أبي العتاهية "طبعة بيروت سنة 1886" ص292.
الخير أن يقدِّم لهذا المصير العملَ الصالح، قبل أن تفيض روحه وينكشف عنه الغطاء. ونراه يكثر في أثناء ذلك من الابتهالات ومن الدعاء، منقبضًا عن الدنيا وملاذها وكل ما فيها من متاع؛ بل إنه ليقبِّح هذا المتاع وما يُطْوَى فيه من نعيم حتى ليقول1:
رغيفُ خُبْزٍ يَابِسٍ
…
تأكله في زاويَهْ
وكوز ماء باردٍ
…
تشربه من صافيهْ
وغرفةٌ ضيِّقَةٌ
…
نفسُك فيها خاليهْ
خيرٌ من الساعات في
…
ظلِّ القصور العاليهْ
وكان يتَّهم بالزندقة وأن هذه الألحان يستمدها منها على نحو ما استمدها قبله صالح بن عبد القدوس. وكان وراءه ووراء صالح كثيرون زهدوا زهدًا إسلاميًّا خالصًا، ومن ثم لم يتهموا في زهدهم؛ لأنهم صدروا فيه عن عقيدة صحيحة مثل أبي محمد اليزيدي، وله أشعار كثيرة في الموعظة والحكمة،2 من مثل قوله3:
إذا نكبات الدهر لم تعظِ الفتى
…
وأفزع منها لم تعظه عواذله
ومن لم يؤدبه أبوه وأمه
…
تؤدبه روعات الرَّدَى وزلازله
فدع عنك ما لا تستطيع ولا تُطِع
…
هواك ولا يغلب بحقك باطله
وممن كانوا يكثرون من أشعار الزهد محمود الوراق، وأكثر أشعاره أمثال وحكم ومواعظ وأدب4 على شاكلة قوله5:
بكيت لقرب الأجل
…
وبعد فوات الأمل
ووافد شيب طَرَا
…
بعَقْب شبابٍ رَحَلْ
شبابٌ كأن لم يكن
…
وشيبٌ كأن لم يزل
1 الديوان ص304.
2 طبقات الشعراء لابن المعتز ص275.
3 معجم الأدباء لياقوت "طبعة مصر" 20/ 32.
4 ابن المعتز ص368.
5 انظر في هذه القطعة وتاليتها البيان والتبيين 3/ 198، وقارن بزهر الآداب 1/ 89، وعيون الأخبار 2/ 326.