الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمار بن يَاسر كَانَ يتمعك فِي التُّرَاب لجنابة أَصَابَته، فَقَالَ [صلى الله عليه وسلم] :" يَكْفِيك ضربتان ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ ". فَكَانَ تيَمّم الْجنب متلقى من هَذَا الحَدِيث.
قيل لَهُ: عمار بن يَاسر لم يستفد من النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] إِلَّا كَيْفيَّة التَّيَمُّم، وَأما أصل شَرعه ففهمه من الْآيَة وَلِهَذَا تمعك فِي التُّرَاب.
وَيُؤَيّد مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن يحيى بن سعيد، عَن عميرَة، عَن عَائِشَة رضي الله عنها، قَالَت:" فقدت النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] ذَات لَيْلَة فَظَنَنْت أَنه أَتَى جَارِيَته، فالتمسته بيَدي، فَوَقَعت يَدي على صُدُور قَدَمَيْهِ وَهُوَ ساجد يَقُول: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وَأَعُوذ بعفوك من عقابك، لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك ". وَفِي الصَّحِيح:" أَن يَدهَا وَقعت على أَخْمص قَدَمَيْهِ وَهُوَ ساجد "، والأخمص مَا دخل من بَاطِن الْقدَم، وَهَذَا فِي الْأَغْلَب لَا يكون مَسْتُورا سِيمَا فِي (حَال) السُّجُود. وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد وَافَقنَا عَلَيْهَا الْحسن، وَالثَّوْري، وسبقنا بالْقَوْل بذلك عبد الله بن عَبَّاس رضي الله عنه، وَإِلَى هَذَا ذهب عَطاء وَطَاوُس رحمهمَا الله.
(بَاب مس الذّكر لَا ينْقض الْوضُوء)
التِّرْمِذِيّ: عَن قيس بن طلق بن عَليّ - هُوَ الْحَنَفِيّ - عَن أَبِيه، عَن
النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] أَنه قَالَ: " وَهل هُوَ إِلَّا مُضْغَة مِنْهُ (أَو بضعَة) (مِنْهُ) ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: " وَهَذَا أحسن (شَيْء) رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب ". وَقد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنهم لم يرَوا من مس الذّكر وضُوءًا، فَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب، وَابْن مَسْعُود، وعمار بن يَاسر، وَأَبُو الدَّرْدَاء، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَغَيرهم، وَمن التَّابِعين / سعيد بن الْمسيب، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ رحمه الله.
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن بسرة بنت صَفْوَان أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] يَقُول: " (إِذا مس أحدكُم) ذكره فَليَتَوَضَّأ ".
قيل (لَهُ: فقد) روى الطَّحَاوِيّ: عَن عَبَّاس بن عبد الْعَظِيم الْعَنْبَري، قَالَ: سَمِعت عَليّ بن الْمَدِينِيّ يَقُول: " حَدِيث ملازم هَذَا - يَعْنِي حَدِيث قيس بن طلق - أحسن من حَدِيث بسرة ". وَكَانَ ربيعَة يَقُول: " وَيحكم مثل هَذَا يَأْخُذ بِهِ أحد، وَيعْمل بِحَدِيث بسرة، وَالله لَو أَن بسرة شهِدت على هَذَا النَّعْل مَا قبلت شهادتها، إِنَّمَا قوام الدّين بِالصَّلَاةِ، وقوام الصَّلَاة بالطهور، فَلم يكن فِي صحابة رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] من (يُقيم هَذَا) الدّين إِلَّا بسرة ".
ولعمري إِنَّه (صَادِق) فِيمَا قَالَ، لِأَن هَذَا حكم (يتَعَلَّق) بِالرِّجَالِ، فَكيف تخْتَص بروايته امْرَأَة؛ هَذِه تُهْمَة توجب التَّوَقُّف، وَقبُول الصَّحَابَة رضي الله عنهم خبر عَائِشَة رضي الله عنها فِي التقاء الختانين لَا يُنَاقض مَا قُلْنَاهُ، لِأَنَّهُ حكم مُشْتَرك بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَحَدِيث التقاء الختانين ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة، و (عَكسه) عَن عُثْمَان، وَحَدِيث عَائِشَة رضي الله عنهم كَانَ مرجحا لَا مثبتا. فَإِن قيل: إِن طلقا قدم على النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] فِي ابْتِدَاء الْهِجْرَة، وَالْمَسْجِد على عَرِيش، وحديثنا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَقد أسلم سنة سِتّ من الْهِجْرَة، فَكَانَ حديثنا مُتَأَخِّرًا، وَالْأَخْذ بآخر الْأَمريْنِ وَاجِب، لِأَنَّهُ نَاسخ.
قيل لَهُ: روى أَبُو دَاوُد عَن قيس بن طلق عَن أَبِيه قَالَ: " قدمنَا على نَبِي الله [صلى الله عليه وسلم] (فَجَاءَهُ) رجل كَأَنَّهُ بدوي فَقَالَ: يَا نَبِي الله مَا ترى فِي مس الرجل ذكره بَعْدَمَا يتَوَضَّأ، قَالَ: هَل هُوَ إِلَّا مُضْغَة (مِنْهُ) أَو بضعَة (مِنْهُ) ". فَفِي قَوْله: " مَا ترى فِي مس الرجل ذكره بَعْدَمَا يتَوَضَّأ "، دلَالَة على أَنه كَانَ بلغه أَن النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] شرع فِيهِ الْوضُوء، فَأَرَادَ أَن يستيقن ذَلِك، وَإِلَّا فالمستقر عِنْدهم أَن الْأَحْدَاث إِنَّمَا كَانَت من الْخَارِج النَّجس، وَإِلَّا فالعقل لَا يَهْتَدِي إِلَى أَن مس الذّكر يُنَاسب نقض الْوضُوء، فعلى هَذَا يكون حديثنا هُوَ آخر الْأَمريْنِ، وَيكون أَبُو هُرَيْرَة قد سَمعه / من بعض الصَّحَابَة ثمَّ أرْسلهُ، أَو نقُول: الْمَشْهُور فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث بسرة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه فَلَا نسلم صِحَّته، وَدَعوى النّسخ إِنَّمَا تصح بعد ثُبُوت الصِّحَّة.