الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ
أَوْ يُجْرِيَ لَهَا مَاءً، وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
اتِّصَالَهُ بِمَرْعًى، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَبْلُ وَالدَّلْوُ؛ لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ، أَشْبَهَ بَقِيَّةَ مَالِهِ، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " (وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ، لِمَا رَوَى إِيَاسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالدُّخُولِ، أَوْ لَهُ فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ، فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، جُزِمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، فَعَلَيْهَا يَبِيعُهُ بِكَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، وَيَحْرُمُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ بِالرَّيِّ، أَوْ جُزَافًا، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، قَالَ: وَإِنْ بَاعَ آصُعًا مَعْلُومَةً مِنْ سَائِحٍ، جَازَ كَمَاءِ عَيْنٍ، لَا بَيْعَ كُلِّ الْمَاءِ لِاخْتِلَاطِهِ بِغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ]
ٍ) مَنِيعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ مَعَهُ إِجْرَاءُ مَاءٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِحْيَاءَ يَحْصُلُ بِالتَّحْوِيطِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِلْبِنَاءِ، أَوْ لِلزَّرْعِ، أَوْ حَظِيرَةً لِلدَّوَابِّ (أَوْ يُجْرِي لَهَا مَاءً) مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ أَكَثُرُ مِنَ الْحَائِطِ، وَيَمْلِكُهُ بِغَرْسٍ، أَوْ مَنْعِ مَاءٍ لِيَزْرَعَ لَا بِحَرْثٍ وَزَرْعٍ.
(وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْقَدِيمَةَ، مَنْسُوبَةً إِلَى عَادٍ، وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهِ
مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً فَحَرِيمُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَعِنْدَ الْقَاضِي حَرِيمُهَا قَدْرُ مَدِّ رِشَائِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَقِيلَ: قَدْرُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً) أَيْ: قَدِيمَةً (فَحَرِيمُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْبِئْرَ مَعَ الْحَرِيمِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ "، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَالشَّيْخَانِ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ:«السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَالْبَدِيءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا» ، وَرَوَى الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبِئْرُ فِيهَا مَاءٌ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَاءِ فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ، وَقَوْلُهُ: حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً، مَحْمُولٌ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي انْطَمَّتْ، وَذَهَبَ مَاؤُهَا، فَجَدَّدَ حَفْرَهَا وَعِمَارَتَهَا، أَوِ انْقَطَعَ مَاؤُهَا، فَاسْتَخْرَجَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ إِحْيَاءً لَهَا، فَأَمَّا الْبِئْرُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَارُهُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا حَفَرَ بِئْرًا بِمَوَاتٍ لِلسَّابِلَةِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ فِي شُرْبٍ وَسَقْيٍ، وَيُقَدَّمُ آدَمِيٌّ ثُمَّ حَيَوَانٌ، وَإِنْ حَفَرَهَا فِيهِ لِارْتِفَاقِهِ كَعَادَةِ مَنِ انْتَجَعَ أَرْضًا فَهُوَ أَحَقُّ مَا أَقَامَ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَلْزَمُهُ بَذْلُ فَاضِلِهِ لِشَارِبِهِ فَقَطْ، وَإِنْ رَحَلَ فَسَابِلَةٌ، فَإِنْ عَادَ فَفِي اخْتِصَاصِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ حَفَرَهَا تَمَلُّكًا، أَوْ يَمْلِكُهُ الْحَيُّ مَلَكَهَا، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لَوِ احْتَاجَتْ طَيًّا فَبَعَّدَهُ، وَتَبِعَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْبُلْغَةِ "، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الشُّرْبَ مِنَ الْآبَارِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ كُرِهَ حَفْرُهَا (وَعِنْدَ الْقَاضِي) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ (حَرِيمُهَا قَدْرُ مَدِّ رِشَائِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حَرِيمُ الْبِئْرِ مَدُّ رِشَائِهَا» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَقُدِّرَ بِمَدِّ الرِّشَاءِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِهِ (وَقِيلَ: قَدْرُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا) وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْقَاضِي، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ " فَإِنْ كَانَ بِدُولَابٍ فَقَدْرُ مَدَارِ الثَّوْرِ، وَإِنْ كَانَ بِسَانِيَةٍ فَبِقَدْرِ طُولِ الْبِئْرِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَقِي مِنْهَا بِيَدِهِ فَبِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْوَاقِفُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِلْحَاجَةِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: التَّحْدِيدُ الْوَارِدُ فِي الْخَبَرِ وَكَلَامِ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ
تَرْقِيَةِ مَائِهَا، وَقِيلَ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ مَا عَدَا إِحْيَاءً وَهُوَ عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ كَالسَّقْيِ، وَالْحَرْثِ، فَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَمَا لَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى الْمَجَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَإِنْهُ قَدْ يُحْتَاجُ إِلَى حَرِيمِهَا لِغَيْرِ تَرْقِيَةِ الْمَاءِ لِمَوْقِفِ الْمَاشِيَةِ وَعَطَنِ الْإِبِلِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لَهُ أَبْعَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْحَاجَةِ، أَوْ قَدْرُ الْأَذْرُعِ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ فِي التَّقْدِيرِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، فَأَمَّا حَرِيمُ الْعَيْنِ الْمُسْتَخْرَجَةِ فَهُوَ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْكَافِي " وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ قَدْرُ الْحَاجَةِ، وَحَرِيمُ النَّهْرِ: مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ، وَطَرِيقِ شَاوِيهِ، وَمَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَثُرَ (وَقِيلَ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ مَا عُدَّ إِحْيَاءً) وَحَكَاهُ الْقَاضِي رِوَايَةً؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَطْلَقَ الْإِحْيَاءَ وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَتَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ (وَهُوَ عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ) هَذَا بَيَانٌ لِمَا يُعَدُّ إِحْيَاءً فِي الْعُرْفِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُحْيَى دَارًا لِلسُّكْنَى، وَحَظِيرَةً، وَمَزْرَعَةً، فَإِحْيَاءُ كُلٍّ مِنْهَا بِمَا يُنَاسِبُهُ، فَإِنْ كَانَتْ لِلسُّكْنَى، فَإِحْيَاؤُهَا بِبِنَاءِ حِيطَانِهَا، وَتَسْقِيفِ بَعْضِهَا بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَعَنْهُ: وَقَسْمُ بُيُوتِهِ، وَعُلُوُّ أَبْوَابِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لَا يُعْتَبَرُ نَصْبُ أَبْوَابٍ عَلَى الْبُيُوتِ، وَإِنْ كَانَتْ حَظِيرَةً فَبِنَاءُ حَائِطٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلزَّرْعِ فَبِأَنْ يَسُوقَ إِلَيْهَا مَاءً إِنْ كَانَتْ تُسْقَى، وَيَقْلَعَ مَا بِهَا مِنَ الْأَحْجَارِ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى ذَلِكَ، وَيَقْلَعَ مَا بِهَا مِنَ الْأَشْجَارِ كَأَرْضِ الشِّعْرَى، وَيُزِيلَ عُرُوقَهَا الْمَانِعَةَ مِنَ الزَّرْعِ، أَوْ يَحْبِسَ الْمَاءَ عَنْهَا كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَزْرَعَهَا، وَيَسْقِيَهَا، وَلَا أَنْ يَحْرُثَهَا فِي الْأَصَحِّ.
وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، فَقَالَ: أَنْ يُحَوِّطَهَا بِحَائِطٍ أَوْ يُعَمِّرَهَا الْعِمَارَةَ الْعُرْفِيَّةَ (وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ كَالسَّقْيِ، وَالْحَرْثِ، فَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ فَهُوَ إِحْيَاءٌ) لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ كَثِيرَةَ الدَّغَلِ وَالْحَشِيشِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا إِلَّا بِتَكْرَارِ حَرْثِهَا، وَتَنْقِيَةِ دَغْلِهَا وَحَشِيشِهَا الْمَانِعِ مِنْ زَرْعِهَا كَانَ إِحْيَاءً.
تَنْبِيهٌ: حَرِيمُ شَجَرٍ قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا، فَإِنْ غَرَسَهَا فِي مَوَاتٍ فَهِيَ لَهُ وَحَرِيمُهَا، وَإِنْ سَبَقَ إِلَى شَجَرٍ مُبَاحٍ كَزَيْتُونٍ وَخَرُّوبٍ، فَسَقَاهُ وَأَصْلَحَهُ فَهُوَ لَهُ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ،