المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

(25)   ‌ ‌كتاب الفتن من الصحاح: 1327 - 4142 - وعن حذيفة قال: سمعت - تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة - جـ ٣

[ناصر الدين البيضاوي]

فهرس الكتاب

- ‌ بابآداب السفر

- ‌ بابالكتاب إلى الكفارودعائهم إلى الإسلام

- ‌ بابالقتال في الجهاد

- ‌ بابحكم الأسارى

- ‌ بابالأمان

- ‌ بابقسمة الغنائم والغلول فيها

- ‌ بابالجزية

- ‌ بابالصلح

- ‌ بابالجلاء: إخراج اليهودمن جزيرة العرب

- ‌ بابالفيء

- ‌كتاب الصيد والذبائح

- ‌ باب

- ‌ باب

- ‌ بابما يحل أكله وما يحرم

- ‌ بابالعقيقة

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌ باب

- ‌ بابالضيافة

- ‌فصل

- ‌ بابالأشربة

- ‌ بابالنقيع والأنبذة

- ‌ بابتغطية الأواني وغيرها

- ‌كتاب اللباس

- ‌ باب

- ‌ بابالخاتم

- ‌ بابالنعال

- ‌ بابالترجيل

- ‌ بابالتصاوير

- ‌كتاب الطب والرقى

- ‌ باب

- ‌ بابالفأل والطيرة

- ‌ بابالكهانة

- ‌كتاب الرؤيا

- ‌كتاب الأدب

- ‌ بابالاستئذان

- ‌ بابالمصافحة والمعانقة

- ‌ بابالقيام

- ‌ بابالجلوس والنوم والمشي

- ‌ بابالعطاس والتثاؤب

- ‌ بابالضحك

- ‌ بابالأسامي

- ‌ بابالبيان والشعر

- ‌ بابحفظ اللسان والغيبة والشتم

- ‌ بابالوعد

- ‌ بابالمزاح

- ‌ بابالمفاخرة والعصبية

- ‌ بابالبر والصلة

- ‌ بابالشفقة والرحمة على الخلق

- ‌ بابالحب في الله والبغض في الله

- ‌ بابما ينهى من التهاجر والتقاطعواتباع العورات

- ‌ بابالحذر والتأني في الأمور

- ‌ بابالرفق والحياء وحسن الخلق

- ‌ بابالغضب والكبر

- ‌ بابالظلم

- ‌ بابالأمر بالمعروف

- ‌كتاب الرقاق

- ‌ بابفضل الفقراء وما كانمن عيش النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ بابالأمل والحرص

- ‌ بابالتوكل والصبر

- ‌ بابالرياء والسمعة

- ‌ بابالبكاء والخوف

- ‌ بابتغير الناس

- ‌باب

- ‌كتاب الفتن

- ‌ بابالملاحم

- ‌ بابأشراط الساعة

- ‌ بابالعلامات بين يدي الساعةوذكر الدجال

- ‌ بابقصة ابن الصياد

- ‌ بابنزول عيسى عليه السلام

- ‌ بابقرب الساعة وأن من ماتفقد قامت قيامته

- ‌ بابلا تقوم الساعة إلا على الشرار

- ‌ بابالنفخ في الصور

- ‌ بابالحشر

- ‌ بابالحساب والقصاص والميزان

- ‌ بابالحوض والشفاعة

- ‌ بابصفة الجنة وأهلها

- ‌ بابرؤية الله تعالى

- ‌ بابصفة النار وأهلها

- ‌ بابخلق الجنة والنار

- ‌ باببدء الخلق، وذكر الأنبياءعليهم السلام

- ‌ بابفضائل سيد المرسلين صلوات الله عليه

- ‌ بابأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته

- ‌ بابفي أخلاقه وشمائله صلى الله عليه وسلم

- ‌ بابالمبعث وبدء الوحي

- ‌ بابعلامات النبوة

- ‌فصلفي المعراج

- ‌فصلفي المعجزات

- ‌ بابالكرامات

- ‌ باب

- ‌ بابفي مناقب قريش وذكر القبائل

- ‌ بابمناقب الصحابة رضي الله عنهم

- ‌ بابمناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌ بابمناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌ بابمناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

- ‌ بابمناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه

- ‌ بابمناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌ بابمناقب العشرة رضي الله عنهم

- ‌ بابمناقب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ بابمناقب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ بابجامع المناقب

- ‌ بابذكر اليمن والشام، وذكر أويس القرني رضي الله عنه

- ‌ بابثواب هذه الأمة

الفصل: (25)   ‌ ‌كتاب الفتن من الصحاح: 1327 - 4142 - وعن حذيفة قال: سمعت

(25)

‌كتاب الفتن

من الصحاح:

1327 -

4142 - وعن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصيرعودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه"

"عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وآخر أسود مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه"

ص: 321

"تعرض الفتن على القلوب كالحصير" أي: تعرض عليها وتصل إليها شيئا فشيئا، وواحدا بعد الواحد، كالحصير ينسج عودا فعودا، [وتظهر لها واحدا واحدا كما يظهر للناظر عيدانه بأسرها عودا عودا].

وقيل: معناه: يعرض عليها فيؤثر فيها واحدا واحدا كما تؤثر عيدان الحصير واحدا واحدا في جنب من نام عليه.

وروي: "عود عود" بالرفع على خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عود عود.

وروي: "عودا" بفتح العين نصبا على المصدر، فإن عرض الفتن لما كان متكررا يضمن يعرض معنى: يعود.

"فأي قلب أشربها": أي: جعل متأثرا بها، بحيث يتداخل فيه حبها كما يتداخل الصبغ الثوب.

"حتى يصير": أي: جنس الإنس على قسمين: قسم ذو قلب أبيض كالصفا –وهي الحجارة الصافية الملساء- لم تؤثر فيه فتنة، ولم تضره، وقسم ذو قلب أسود.

"مربدا" أي: مكدرا، من الربدة: وهو سواد يضرب إلى الغبرة، يقال: اربد الشيء اربدادا، واربادا اربيدادا: إذا تلون بلون الرماد.

"كالكوز مجخيا": أي: مكبا منحنيا، يقال: جخى الشيخ: إذا

ص: 322

أحنى من الكبر.

1328 – 4143 – وقال حذيفة: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين: رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها قال:"ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان"

"وفي حديثه الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال"

أي: في أصل قلوبهم، وجذر كل شيء –بالفتح عن الأصمعي، والكسر عن أبي عمرو-: أصله.

1329 – 4143 – وقال حذيفة: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين،

ص: 323

رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها قال:"ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجليك فنفط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان"

"وفيه: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء"

"الوكت": الأثر اليسير كالنقطة في الشيء، ومنه: وكتة العين، ويقال: وكتت البسرة توكيتا: إذا ظهر فيها الإرطاب وحدث فيها نقاطه.

و"المجل": ما يشد من الجلد من غير نفخ لمزاولة الأعمال الشاقة وتواترها، والنقطة: ما يربومنه لحرقة، أو ضيق خف، أو خشونة آلة مقبوضة، ونحو ذلك: وتكون مجوفة مملوءة من الماء.

و (المنتبر): المرتفع، من النبر: وهو الرفع، يقال: نبرته فانتبر: إذا رفعته.

والمعنى: إن الأمانة تقبض منهم رأسا بحيث لا يبقى منها شيء

ص: 324

سوى أثر يسير لا يكون وراءه شيء، مثل هذه الآثار الضعيفة التي لا يعبأ بها، وإنما ذكر الضمير في "نفط فتراه منتبرا" على إرادة الموضع الذي دحرج عليه الجمر من رجله.

1330 – 4144 – وعن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشرمخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر، قال:"نعم" قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال"نعم". قلت: وما دخن؟ قال: "قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر" قلت: فهل بعد ذلك الخير من الشر؟ قال:"نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" قلت: يا رسول الله! صفهم لنا، قال:"هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا" قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"

وفي رواية: "تكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم كقلوب الشياطين في جثمان إنس" قال حذيفة، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟

ص: 325

قال: "تسمع وتطيع الأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"

"وفي حديثه الثالث: وفيه دخن"

أي: غش وخيانة، مأخوذ من الدخان.

1331 – 4146 – وقال: "ستكون فتن القاعد فيها خير من النائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به"

وفي رواية: "النائم فيها خير من اليقظان"، واليقظان خير من القائم"

وفي رواية: "فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت لع غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه" فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: "يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ " ثلاثا، فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال:"يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار"

"وفي حديث أبي هريرة: من تشرف لها تستشرفه"

أي: من تطلع للفتن يقع فيها بحيث تعلوه، والتشرف: التطلع،

ص: 326

والاستشراف: الاستعلاء والعلو على الشيء.

1332 – 4148 – عن أسامة قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة فقال: "هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا، قال: "فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر"

"وفي حديث أسامة: أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على آطم من آطام المدينة"

أي: على شاهق جبل، و (الأطم) في الأصل: الحصن.

1333 – 4150 – وقال: "يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج". قالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل"

"وفي حديث أبي هريرة: يتقارب الزمان"

أي: زمان الدنيا، وزمان الآخرة، فيكون المراد به اقتراب الساعة.

وقيل: أراد به تقارب أهله في الشر، أو تقاربه في النوازل والفتن.

ويحتمل أن يكون المراد به: أن تتسارع الدول إلى الانقضاء، والقرون إلى الانقراض، فيتقارب زمانهم، وتتداني أيامهم.

ص: 327

1334 – 4153 – وقال الزبير بن عدي: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال:"اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم". سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم.

"وفي حديث أنس: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي يأتي بعده أشر منه"

أخير وأشر: أصلان متروكان لا يكادان يستعملان إلا نادرا، وإنما المتعارف في التفضيل: خير وشر.

من الحسان:

1335 – 4157 – وعن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله! أيكون بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر؟ قال: "نعم". قلت: فما العصمة؟ قال:"السيف". قلت: وهل بعد السيف بقية؟ قال: "نعم، تكون إمارة على أقذاء وهدنة على دخن". قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم تنشأ دعاة الضلال، فإن كان لله في الأرض خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فأطعه، وإلا فمت وأنت عاض على جذل شجرة،. قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم يخرج الدجال بعد ذلك، معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم ينتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة"

وفي رواية: "هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء". قلت:

ص: 328

يا رسول الله! الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: "لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه". قلت: بعد هذا الخير شر؟ قال: "فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار، فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم"

"في حديث حذيفة: تكون إمارة على أقذاء، وهدنة على دخن"

أي: إمارة مشوبة بشيء من البدع وارتكاب المناهي، وصلح مع خداع وخيانة ونفاق.

"وفيه: وإلا فمت وأنت عاض على جذل شجرة"

أي: إن لم يكن لله في الأرض خليفة، فعليك بالعزلة والصبر على مضض الزمان، والتحمل لمشاقه وشدائده.

وعض جذل الشجر –وهو أصله- كناية عن مكابدة الشدائد، من قولهم: فلان يعض بالحجارة لشدة الألم، ويحتمل أن يكون المراد منه أن ينقطع عن الناس، ويتبوأ أجمة، ويلزم أصل شجرة، إلى أن يموت، أو ينقلب الأمر، من قولهم: عض الرجل بصاحبه: إذا لزمه ولصق به، ومنه:"عضوا عليها بالنواجذ"

وقيل: هذه الجملة قسيم قوله: "فأطعه"، ومعناه: إن لم تطعه أدتك المخالفة إلى ما لا يستطيع أن تصبر عليه.

ويدل على المعنى الأول قوله في الرواية الأخرى: "فتنة عمياء

ص: 329

صماء، عليها دعاة على أبواب النار، فأن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل، خير لك من أن تتبع أحدا منهم"

والمراد بكونها "عمياء صماء": أن تكون بحيث لا يرى منها مخرجا، ولا يوجد دونها مستغاثا، أو أن يقع فيها الناس على غرة من غير بصيرة، فيعمون فيها، ويصمون عن تأمل الحق، واستماع النصح.

1336 – 4158 – عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت رديفا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على حمار، فلما جاوزنا بيوت المدينة قال:"كيف بك يا أبا ذر إذا كان في المدينة جوع تقوم عن فراشك فلا تبلغ مسجدك حتى يجهدك الجوع؟ " قال: قلت: الله وسوله أعلم، قال:"تعفف يا أبا ذر" ثم قال: "كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيت العبد حتى أنه يباع القبر بالعبد؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"تصبر يا أبا ذر" قال: "كيف بك يا ابا ذر إذا كان بالمدينة قتل تغمر الدماء أحجار الزيت؟ " قال: قلت: الله وسوله أعلم، قال:"تأتي من أنت منه" قال: قلت: وألبس السلاح؟ قال: "شاركت القوم إذا" قلت: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: "إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك ليبوء بإثمك وإثمه"

ص: 330

"وفي حديث أبي ذر: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيت العبد، حتى إنه يباع القبر بالعبد"

أراد بالبيت: القبر، والمعنى: أن يموت يكثر بحيث تبلغ قيمته قيمة عبد، فيباع به.

"وفيه: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل تغمر الدماء أحجار الزيت"

"أحجار الزيت": موضع بالمدينة قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء، وقد وقعت هذه الوقعة في أيام يزيد، توجه إليها مسلم بن عقيل المزني في عسكر، ونزل بالحرة الغربية من المدينة، فاستباح حرمتها وقتل أهلها ثلاثة أيام، وقيل: خمسا، ثم توجه إلى مكة، فمات في طريق.

"وفيه: تأتي من أنت منه"

أي: ترجع إلى من أنت جئت منه، وخرجت من عنده، يعني: أهلك وعشيرتك.

1337 – 4159 – وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم"

ص: 331

واختلفوا فكانوا هكذا؟ " وشبك بين أصابعه، قال: فبم تأمرني؟ قال: "عليك بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم"

وفي رواية: "الزم بيتك، واملك عليك، لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع أمر العامة"، صحيح.

"وفي حديث عبد الله بن عمرو: كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس مزجت عهودهم وأماناتهم"

(الحثالة): ما يسقط من قشر الشعير ونحوه، والمراد بها: أرذل الناس وسقاطهم.

و (المزج): الخلط، أي: اختلطت عهودهم، وفسدت نياتهم.، واختلت أماناتهم.

1338 – 4160 – عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والماشي خير من الساعي، فكسروا فيها قسيكم، وقطعوا فيها أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة، والزموا فيها أجواف بيوتكم، فإن

ص: 332

دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم"، صحيح.

ويروي: أنهم قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "كونوا أحلاس بيوتكم"

"وفي حديث أبي موسى: كونوا أحلاس بيوتكم"

أي: ملازميها، من حلس البعير، وهو ما يلقى تحت البردعة من الأكسية.

1339 – 4162 – عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ستكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في النار اللسان فيها أشد من وقع السيف"

"وفي حديث عبد الله بن عمرو: ستكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار"

"تستنظف العرب" أي: تعمها تستوعبها، من قولهم: استنظفت الخراج: إذا أخذته كله، والمراد بقتلاها: من قتل في تلك الفتنة، وإنما هم من أهل النار، لأنهم ما قصدوا بتلك المقاتلة والخروج إليها إعلاء دين، أو دفع ظالم، أو إعانة محق، وإنما كان قصدهم التباغي والتناجز طمعا في المال والملك.

ص: 333

1340 – 4164 – عن عبد الله بن عمر قال: كنا قعودا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن، فأكثر حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: وما فتنة الأحلاس؟ قال: "هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده"

"وفي حديث ابن عمر: كنا قعودا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن، فأكثر حتى ذكر فتنة الأحلاس قال: هي هرب وحرب ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني، وليس مني، إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع"

لما شابهت تلك الفتنة الأحلاس للزومها ودوامها، أضاف إليها بهذه المناسبة، ثم لما سئل عنها ميزها بأماراتها وما يحدث فيها.

و"السراء": الواسعة، من قولهم: قناة سراء: إذا كانت وسيعة، وإضافة الفتنة إليها على تأويل: فتنة الحادثة السراء، أو: النعمة، وإضافة الفتنة إليها، لأنها مسببة عنها، فإن وقوعهم فيها وابتلاءهم بها من البطر وأشر النعمة.

ص: 334

و"دخنها": ثورانها وهيجانها، شبهه بالدخان كما تشبه الحرب بالنار.

"ثم يصطلح الناس على رجل" أي: يتفقون ويجمعون على بيعته، وشبهه بورك على ساق، لقلة ثباته وعدم لياقته لجهله وخفة عقله.

"وفيه: ثم فتنة الدهيماء"

قيل: أراد بها السوداء، وصغرها للذم، وقيل: أصلها دهيم، اسم للداهية، فألحق بها ألف التأنيث، وكان في الأصل اسم ناقة غزا عليها سبعة إخوة معاقبين، فقتلوا جميعا وحملوا عليها، فصارت مثلا في الشؤم، ثم استعيرت لكل داهية.

1341 – 4168 – عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: "مما مضى" صحيح.

"عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو لست وثلاثين، أو لسبع وثلاثين، فإن يهلكوا

ص: 335

فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قلت: أمما بقي، أو مما مضى؟ قال: مما مضى"

دوران رحى الشيء مجاز عن دوامه واستمرار أمره، والمعنى: إن أمر الإسلام يستقر ويدور على ما ينبغي من غير اختلال وفتور تلك المدة المذكورة، وكان الأمر على ذلك إلى أن قتل عثمان رضي الله عنه، وكان في سنة خمس وثلاثين من الهجرة.

قوله: "فإن يهلكوا فسبيل من هلك" أي: إن اختلفوا بعد ذلك واستهانوا بالدين، واقترفوا المعاصي وهتكوا الحرمات، فسبيلهم سبيل من هلك قبلهم من الأمم السالفة في تجرئهم واختلافهم وزيغهم عن الحق، ووهنهم في الدين، سمي أسباب الهلاك والانشغال بما يؤدي إليه هلاكا.

"وإن يقم لهم دينهم" أي: مضت تلك المدد ولم يتفق فيهم اختلاف وجور في الدين، وضعف في التقوى، تتمادى لهم قوة الدين واستقامة أمره سبعين سنة، وقد وقع المحذور في الوعد الأول، فلم يزل ذلك كذلك إلى الآن.

وقوله: "مما مضى": مبدأ المدد المذكور كلها، والمعنى: مما مضى من الهجرة، فإنها أول دولة الإسلام، ومبدأ ظهوره، ويحتمل أن يكون السؤال والجواب متعلقين بقوله:"يقم لهم سبعين عاما"

ص: 336