المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل في المعجزات من الصحاح: 1496 - 4583 - وقال البراء بن عازب - تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة - جـ ٣

[ناصر الدين البيضاوي]

فهرس الكتاب

- ‌ بابآداب السفر

- ‌ بابالكتاب إلى الكفارودعائهم إلى الإسلام

- ‌ بابالقتال في الجهاد

- ‌ بابحكم الأسارى

- ‌ بابالأمان

- ‌ بابقسمة الغنائم والغلول فيها

- ‌ بابالجزية

- ‌ بابالصلح

- ‌ بابالجلاء: إخراج اليهودمن جزيرة العرب

- ‌ بابالفيء

- ‌كتاب الصيد والذبائح

- ‌ باب

- ‌ باب

- ‌ بابما يحل أكله وما يحرم

- ‌ بابالعقيقة

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌ باب

- ‌ بابالضيافة

- ‌فصل

- ‌ بابالأشربة

- ‌ بابالنقيع والأنبذة

- ‌ بابتغطية الأواني وغيرها

- ‌كتاب اللباس

- ‌ باب

- ‌ بابالخاتم

- ‌ بابالنعال

- ‌ بابالترجيل

- ‌ بابالتصاوير

- ‌كتاب الطب والرقى

- ‌ باب

- ‌ بابالفأل والطيرة

- ‌ بابالكهانة

- ‌كتاب الرؤيا

- ‌كتاب الأدب

- ‌ بابالاستئذان

- ‌ بابالمصافحة والمعانقة

- ‌ بابالقيام

- ‌ بابالجلوس والنوم والمشي

- ‌ بابالعطاس والتثاؤب

- ‌ بابالضحك

- ‌ بابالأسامي

- ‌ بابالبيان والشعر

- ‌ بابحفظ اللسان والغيبة والشتم

- ‌ بابالوعد

- ‌ بابالمزاح

- ‌ بابالمفاخرة والعصبية

- ‌ بابالبر والصلة

- ‌ بابالشفقة والرحمة على الخلق

- ‌ بابالحب في الله والبغض في الله

- ‌ بابما ينهى من التهاجر والتقاطعواتباع العورات

- ‌ بابالحذر والتأني في الأمور

- ‌ بابالرفق والحياء وحسن الخلق

- ‌ بابالغضب والكبر

- ‌ بابالظلم

- ‌ بابالأمر بالمعروف

- ‌كتاب الرقاق

- ‌ بابفضل الفقراء وما كانمن عيش النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ بابالأمل والحرص

- ‌ بابالتوكل والصبر

- ‌ بابالرياء والسمعة

- ‌ بابالبكاء والخوف

- ‌ بابتغير الناس

- ‌باب

- ‌كتاب الفتن

- ‌ بابالملاحم

- ‌ بابأشراط الساعة

- ‌ بابالعلامات بين يدي الساعةوذكر الدجال

- ‌ بابقصة ابن الصياد

- ‌ بابنزول عيسى عليه السلام

- ‌ بابقرب الساعة وأن من ماتفقد قامت قيامته

- ‌ بابلا تقوم الساعة إلا على الشرار

- ‌ بابالنفخ في الصور

- ‌ بابالحشر

- ‌ بابالحساب والقصاص والميزان

- ‌ بابالحوض والشفاعة

- ‌ بابصفة الجنة وأهلها

- ‌ بابرؤية الله تعالى

- ‌ بابصفة النار وأهلها

- ‌ بابخلق الجنة والنار

- ‌ باببدء الخلق، وذكر الأنبياءعليهم السلام

- ‌ بابفضائل سيد المرسلين صلوات الله عليه

- ‌ بابأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته

- ‌ بابفي أخلاقه وشمائله صلى الله عليه وسلم

- ‌ بابالمبعث وبدء الوحي

- ‌ بابعلامات النبوة

- ‌فصلفي المعراج

- ‌فصلفي المعجزات

- ‌ بابالكرامات

- ‌ باب

- ‌ بابفي مناقب قريش وذكر القبائل

- ‌ بابمناقب الصحابة رضي الله عنهم

- ‌ بابمناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌ بابمناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌ بابمناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

- ‌ بابمناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه

- ‌ بابمناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌ بابمناقب العشرة رضي الله عنهم

- ‌ بابمناقب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ بابمناقب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ بابجامع المناقب

- ‌ بابذكر اليمن والشام، وذكر أويس القرني رضي الله عنه

- ‌ بابثواب هذه الأمة

الفصل: ‌ ‌فصل في المعجزات من الصحاح: 1496 - 4583 - وقال البراء بن عازب

‌فصل

في المعجزات

من الصحاح:

1496 -

4583 - وقال البراء بن عازب لأبي بكر: يا أبا بكر! حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانا بيدي ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله! وأنا أنفض ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل، قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم، فأخذ شاة فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي فيها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكرهت أن أوقظه فوافقته حتى استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتى رضيت، ثم قال:"ألم يأن للرحيل؟ "قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أتينا يا رسول الله! فقال: "لا تحزن، إن الله معنا" فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها في جلد من الأرض، فقال: إني أراكما دعوتما علي فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فنجا،

ص: 497

فجعل لا يلقى أحدا إلا قال: كفيتم ما هنا، فلا يلقى أحدا، إلا رده"

(فصل في المعجزات)

"في حديث البراء، عن أبي بكر رضي الله عنهما: فرفعت لنا صخرة"

أي: أظهرت، ومنه: رفع الحديث، وهو إذاعته وإظهاره.

"وفيه: وأنا أنفض ما حولك"

يريد: أتفحص عن العدو، وأتحسس عن الحال، وأرى هل هناك مؤذ من عدو أو غيره؟ ومنه: النفضة والنفيضة لجماعة تبعث للتجسس عن حال العدو.

"وفيه: فحلب في قعب كثبة من لبن"

(القعب): قدح كبير من خشب مقعر.

و (الكثبة) من اللبن: قدر حلبة، وقيل: ملء القدح من اللبن.

"وفيه: فوافقته حتى استيقظ"

أي: وافقته في النوم، أو تأنيت به حتى استيقظ.

وفي بعض نسخ"البخاري": فوافقته حين استيقظ" أي: وافق إتياني وقت استيقاظه، ويدل عليه: أم مسلم بن الحجاج ذكرفي بعض طرقه: "فوافقته وقد استيقظ"

وفي بعضها: "فوافقته"بتقديم القاف، أي: توقفت إلى أن استيقظ.

ص: 498

"وفيه: فارتطمت به فرسه إلى بطنها في جلد من الأرض"

أي: خسفت في الأرض، يقال: ارتطم في الوحل إذا وقع فيه بحيث لا يقدر على الخروج منه، وارتطم عليه الأمر: إذا انسد عليه طرقه.

و (الجلد): الأرض الصلبة.

1497 – 4585 – وقال أنس رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاورنا حين بلغنا إقبال أبي سفيان، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله! والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا مصرع فلان" ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

"وفي حديث أنس: فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيض البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا"

(الإخاضة): الإدخال في الماء، والكناية للخيل والإبل، وإن لم يجر ذكرهما، لقرينة الحال.

ص: 499

و (ضرب الأكباد): عبارة عن تكليف الدابة للسير بأبلغ ما يمكن.

و"برك الغماد" بكسر الباء وفتحها، وضم الغين: موضع باليمن، وقيل: في أقاصي هجر، وقيل: مدينة من مدائن الحبسة.

"وفيه: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

أي: فما بعد أحدهم عن مصرعه الذي عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ومنه:(ماط في حكمه) ، إذا جار وعدل عن الحق.

1498 – 4588 – وقال ابن عباس رضي الله عنه: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أملمه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم! إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة"

"وفي حديث ابن عباس: أقدم حيزوم"

"أقدم": أمر من (الإقدام) ، يذكر زجرا للفرس.

و"حيزوم": علم فرس جبريل، وهو في الأصل: اسم لوسط الصدر، فلعله سمي به لغاية قوته.

"وفيه: فإذا هو قد خطم أنفه"

ص: 500

أي: كسر، وظهر فيه أثره، من (خطمت البعير) ، إذا وسمته بالكي بخط من الأنف إلى أحد خديه.

1499 – 4590 – وعن البراء رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم رهطا إلى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله، فقال عبد الله بن عتيك: فوضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب حتى انتهيت إلى درجة، فوضعت رجلي، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، فانطلقت إلى أصحابي فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال:"ابسط رجلك"، فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط"

"وفي حديث البراء: بعث النبي صلى الله عليه وسلم رهطا إلى أبي رافع"

أبو رافع كنية أبي الحقيق اليهودي، أعدى عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبذ عهده، وتعرض له بالهجاء، وتحصن عنه بحصن كان له، فبعثهم إليه ليقتلوه، فدخل عليه عبد الله بن عتيك فقتله، كما دل عليه الحديث.

1500 – 4591 - وقال جابر: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صصصص فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال:"أنا نازل" ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا

ص: 501

ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا، فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم فساررته فقلت: يا رسول الله! ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أهل الخندق! إن جابرا صنع سورا، فحي هلا بكم" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء" وجاء فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال:"ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تزلوها" وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو"

"وفي حديث جابر: فعرضت كدية شديدة"

أي: قطعة من الأرض غليظة.

"وفيه: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا"

(الكثيب): التل من الرمل، و (الأهيل) والهيال: المصبوب السيال، والمعنى: أن الكدية التي عجزوا عن رضها صارت بضربة

ص: 502

واحدة ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم كتل من الرمل مصبوب سيال.

و (الانكفاء): الانصراف.

(الخمص) بسكون الميم: الجوع، سمي بذلك لأن البطن يضمر به.

"وفيه: لنا بهيمة داجن"

"بهيمة": تصغير بهمة، وهي الأنثى من ولد الشاة، وقيل: من ولد الضأن ذكرا كان أو أنثى.

و (الداجن): الذي ألف البيت.

"وفيه: واقدحي من برمتكم"

أي: اغترفي، من قدحت المرق: إذا اغترفته، ومنه: المقدحة، وجه إليه الخطاب ولونه إلى الطباخة.

"وفيه: وإن برمتنا لتغط"

أي: تصوت، لشدة غليانه.

1501 – 4592 - وقال أبو قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمار حين يحفر الخندق، فجعل يمسح رأسه ويقول:"بؤس ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية"

ص: 503

"وفي حديث أبي قتادة يقول: بؤس ابن سمية تقتلك الفئة الباغية"

(البؤس): الشدة، و"سمية" –بالضم- اسم أم عمار بن ياسر والمعنى: يا بؤس عمار وما يلقى من شدة حاله، نادى بؤسه وأراد نداءه، ولذلك خاطبه بقوله:"تقتلك الفئة الباغية"يريد به معاوية وقومه، فإنه قتل يوم الصفين.

واتسع في حذف (يا) ، وهي لا تحذف عن أسماء الأجناس، وقد روي معها.

1502 – 4598 – وقال عمران بن حصين رضي الله عنه: كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا فلانا ودعا عليا فقال:"اذهبا فابتغيا الماء" فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين –أو سطيحتين- من ماء، فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، قال: فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا، فملأنا كل قرية معنا وإداوة، وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ.

"وفي حديث عمران بن حصين: فلقيا امرأة بين مزادتين –أو

ص: 504

سطيحتين- من ماء".

(المزادة): الرواية، وهي في الأصل اسم لما يوضع فيه الزاد.

و (السطيحة): نوع من المزادة تكون من جلدين قوبل أحدهما بالآخر فسطح عليه.

1503 -

4599 - وقال جابر رضي الله عنه: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فلم ير شيئا يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال:"انقادي علي بإذن الله"، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها فقال:"انقادي علي بإذن الله"، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما قال:"التئما علي بإذن الله" فالتأمتا، فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق"

"وفي حديث جابر: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح"

أي: واسعا يقال: دار فيحاء، من الفيح، إذا كانت واسعة.

ص: 505

"وفيه: فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده"

أي: انقادت الشجرة، أو الغصنة، فنزلت معه إلى الأرض.

"كالبعير المخشوش" أي: الذي جعل الخشاش في أنفه، وهو البرة.

"الذي يصانع"أي: يطاوع وينقاد لقائده، وأصل المصانعة: أن تصنع لصاحبك شيئا، ليصنع لك شيئا.

"وفيه: حتى إذا كان بالمنصف"

أي: توسط ما بين الشجرتين، و"المنصف": نصف الطريق.

"فحانت مني لفتة" أي: التفاتة ونظرة.

1504 -

4603 - وقال ابن عباس رضي الله عنه: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلما التقى المسلمون والكفار ولي المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبوسفيان بن الحارث رضي الله عنه أخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال:"هذا حين حمي الوطيس! " ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمد" فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا"

"وفي حديث ابن عباس: هذا حين حمي الوطيس"

ص: 506

هذا مثل ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقه إليه أحد، ومعناه: اشتدت الحرب، و"الوطيس": التنور.

1505 – 4605 – قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

"وفي حديث البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به"

معناه: كنا إذا اشتدت الحرب واستولى علينا الرعب التجأنا إليه، ونجعله تقاة بين أيدينا، والحمرة تستعمل في الشدة، ومنه قولهم: موت أحمر، وسنة حمراء، وخصوصا في الحرب، فإن احمرار الحرب كناية عن إراقة الدماء.

1506 – 4607 – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معهخ يدعي الإسلام:"هذا من أهل النار" فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار، قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح، فقال: "أما إنه من أهل النار، فكاد بعض المسلمين يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح

ص: 507

فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع سهما فانتحر به، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! صدق الله حديثك، قد انتحر فلان وقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال! قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤبد هذا الدين بالرجل الفاجر"

"وفي حديث أبي هريرة: فانتزع سهما فانتحر بها، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

يقال: انتحر فلان: إذا نحر نفسه، والاشتداد: العدو.

1507 – 4608 – عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، حتى كان ذات يوم عندي، دعا الله ودعاه، ثم قال:"أشعرت يا عائشة! أن الله قد أفتاني فيما استفتيته، جاءني رجلان: جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان" فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فقال: "هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها

ص: 508

رؤوس الشياطين" فاستخرجه.

"وفي حديث عائشة: مطبوب"

أي: مسحور، والطب: السحر، استعير له من الطب الذي هو بمعنى الفطانة، لما فيه من دقة وخفاء.

"وفيه: في مشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر"

(المشط): ما يمشط به الشعر.

و (المشاطة): ما نشب بالمشط من الشعر، وسقط منه عند الامتشاط.

و (الجف): وعاء الطلع، والمراد بالذكر: فحل النخل.

"وفيه: في بئر ذروان"

هكذا في (كتاب البخاري) وفي (كتاب مسلم): "في بئر ذي أروان" وصوبه الأصمعي، وهي بئر في بني زريق، وذو أروان: اسم محلتهم، فيها بني مسجد الضرار، ولعله يقال لها: ذروان، على التخفيف.

"وفيه: كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين"

(النقاعة): ما يخرج من النقوع، والمراد بالنخل: طلعه، وأضاف إلى البئر لأنه كان مدفونا فيها، وتشبيهه برؤوس الشياطين لما وجد منه من الوحشة والنفرة، وقيل: المراد بالشياطين الحيات الخبيثة.

ص: 509

1508 – 4609 – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل، فقال:"ويلك! فمن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل" فقال عمر: ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال:"دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله، إلى رصافه، إلى نضيه –وهو: قدحه- إلى قذذه- فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس"

قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته.

وفي رواية: أقبل رجل غائر العينين، ناتئ الجبهة، كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد! اتق الله، قال:"فمن يطيع الله إذا عصيته، فيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني؟ "، فسأل رجل قتله فمنعه، فلما ولى قال: "إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاور حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم

ص: 510

من الرمية، فيقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"

"وفي حديث أبي سعيد: أتاه ذو الخويصرة"

هو رئيس الخوارج، واسمه: حرقوص بن زهير التميمي، وفيه نزل قوله تعالى:{ومنهم من يلمزك في الصدقات} الآية [التوبة:58] لهذه القصة.

"وفيه: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم"

أي: لا تتجاوز قراءتهم عن ألسنتهم إلى قلوبهم، فلا تؤثر فيها، أو لا تتصاعد من مخرج الحرف وحير الصوت إلى محل القبول والإثابة.

"وفيه: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله، إلى رصافه، إلى نضيه –وهو قدحه- إلى قذذه، فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم"

أي: يخرجون من الدين ويمرقون عليه سريعا من غير حظ وانتفاع خروج السهم من الرمية –الصيد- ومروره بجميع أجزائه عليها.

و (الرصاف) بالضم والكسر: عقب يلوي فوق مدخل النصل، و [واحدة] الرصافة والرصفة.

و (نضي السهم): قدحه، وهو ما جاوز الريش إلى النصل، من النضو، سمي به لأنه بري حتى صار نضوا.

و (القذذ): ريش السهم، واحده: قذة.

ص: 511

"وفيه: أو مثل البضعة تدردر"

أي: تتحرك وترجرج.

وفي رواية الأخرى: "إن من ضئضيء هذا"أي: من أصله، يريد به النسب الذي هو منه، أو المذهب الذي هو عليه.

1509 – 4610 – وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي قلت: يا رسول الله! ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال:"اللهم! اهد أم أبي هريرة"، فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما صرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت، ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي من الفرح، فحمد الله وقال خيرا.

"وفي حديث أبي هريرة: فلما صرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي"

"صرت إلى الباب"، أي: واصلا إليه، "فإذا هو مجاف" أي:

ص: 512

مردود، من أجفت الباب: إذا رددته.

و (الخشف والخشفة): الصوت، و"خضخضة الماء": صوته.

1510 – 4616 – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدمنا عسفان، فأقام بها ليالي، فقال الناس: ما نحن هاهنا في شيء، وإن عيالنا لخلوف ما نأمن عليهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"والذي نفسي بيده، ما من المدينة شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها" ثم قال: "ارتحلوا"، فارتحلنا، وأقبلنا إلى المدينة، فوالذي يحلف به، ما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة حتى أغارعلينا بنو عبد الله بن غطفان، وما يهيجهم قبل ذلك شيء"

"وفي حديث أبي سعيد: وإن عيالنا لخلوف"

أي: غيب الرجال ليس عليهم قوام، من قولهم: وجدت الحي خلوفا، أي: نساء خلصا يخلفن عن الرجال.

1511 -

4617 – وقال أنس رضي الله عنه: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا،

ص: 513

فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي، أو غيره، فقال: يا رسول الله! تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه وقال:"اللهم! حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوية، وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود.

وفي رواية: قال: "اللهم! حوالينا ولا علينا، اللهم! على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر"، قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس.

"وفي حديث أنس: وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا"

"الجوبة"في الأصل: المكان المتسع الفارغ بين البيوت، والمراد بها: الفرجة في السحاب انقشعت الغمام عما يسامت المدينة، وأحاطت بما حولها بحيث صار جو المدينة مثل الجوبة.

و"قناة": نصب على الحال، أو المصدر على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: مثل القناة، أو سيلان القناة في الدوام والاستمرار والقوة والمقدار.

ص: 514

"وفيه: على الآكام والظراب"

"الآكام": جمع أكمة وهي التل، وتجمع أيضا على أكمات وأكم.

و"الظراب": جمع ظرب –بكسر الراء- وهو الربوة الصغيرة.

"وفيه: فأقلعت"

أي: كفت السحابة عن المطر، والإقلاع: الكف عن الشيء.

1512 – 4619 – عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال:"كل بيمينك"، قال: لا أستطيع، قال:"لا استطعت"، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه.

"وفي حديث سلمة بن الأكوع: أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله"

قيل: هذا الرجل بشر بن راعي العير، وقيل: بسر، بالسين المهملة.

1513 -

4620 – عن أنس رضي الله عنه أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة بطيئا فكان يقطف، فلما رجع قال:"وجدنا فرسكم هذا بحرا" فكان بعد ذلك لا يجاري.

وفي رواية: فما سبق بعد ذلك اليوم.

ص: 515

"وفي حديث أنس: وكان يقطف"

أي: تتقارب خطاه، يقال: قطفت الدابة: إذا مشت مشيا ضيقا، والفرس: إذا كان بطيئا قطوفا يقل سيره.

1514 -

4622 – وقال جابر: إن أم مالك كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمنا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"عصرتيها؟ " قالت: نعم، قال:"لوتركتيها ما زال قائما"

"وفي حديث [جابر]: أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنا"

(العكة) بالضم: وعاء أصغر من القربة، وأم مالك هذه هي البهزية.

1515 -

4623 - وقال أنس رضي الله عنه: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي، ولاثتني ببعضه، ثم

ص: 516

أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه ناس، فقمت فسلمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرسلك أبو طلحة؟ " قلت: نعم، قال:"بطعام؟ "، قلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه:"قوموا"، فانطلق، وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم! قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هلمي يا أم سليم! ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكة، فأدمته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال:"ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال:"ائذن لعشرة، ثم لعشرة" فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا.

ويروى أنه قال: "ائذن لعشرة"، فدخلوا فقال:"كلوا، وسموا الله" فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البيت وترك سؤرا.

ويروى: فجعلت أنظر: هل نقص منها شيء؟!

ويروى: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة، فعاد كما كان، فقال:"دونكم هذا".

ص: 517

"وفي حديث أنس: ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي، ولاثتني ببعضه"

"دسته" أي: أخفته، "ولاثتني"، أي: عممتني أو لفت بي، من اللوث، وهو لف الشيء بالشيء وإدارته عليه، ومنه: لاث به الناس: إذا استداروا حوله.

1516 – 4624 – وقال أنس رضي الله عنه: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم، قال قتادة رضي الله عنه: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاث مئة، أو زهاء ثلاث مئة.

"وفي قوله في حديث آخر له: ثلاث مئة أو زهاء ثلاث مئة"

أي: قدر ذلك أو قريبا منه.

1517 – 4626 – قال أبو قتادة رضي الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غدا" فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، قال أبو قتادة رضي الله عنه: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حتى ابهار الليل، فمال عن الطريق، فوضع رأسه ثم قال:"احفظوا علينا صلاتنا" وكان أول من استيقظ

ص: 518

رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره، ثم قال:"اركبوا"، فركبنا، فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، فتوضأ منها وضوءا دون وضوء، قال: وبقي فيها شيء من ماء، ثم قال:"احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ" ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم صلى الغداة، وركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شيء وهم يقولون: يا رسول الله! هلكنا عطشا، فقال:"لا هلك عليكم"، ودعا بالميضأة، فجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم، قلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة فتكابوا عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحسنوا الملأ، كلكم سيروى"، قال: ففعلوا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب ويسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صب فقال لي:"اشرب"، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله! قال: "إن ساقي القوم آخرهم شربا"، قال: فشربت وشرب، قال: فأتى الناس الماء جامين رواء.

"وفي حديث أبي قتادة الأنصاري: لا يلوي أحد على أحد"

أي: لا يعرج ولا يعطف عليه، ولا يصرف همه إليه، لشدة اهتمامه بالماء.

"وفيه: حتى ابهار الليل" بالباء، أي: انتصف وذهب معظمه، وبهرة كل شيء: وسطه.

ص: 519

"وفيه: تكابوا عليها"

أي: ازدحموا على الميضأة –وهي ما يوضأ منه- ووقع بعضهم على بعض، من الكب.

"وفيه: أحسنوا الملأ"

أي: الخلق.

"وفيه: فأتى الناس الماء جامين رواء"

"جامين"ك مجتمعين، من الجم، أو: مستريحين، من الجمام وهو الراحة وزوال الأعباء، يقال: جم القوم، أي: استراحوا، أو: ممتلئين ماء، من جمام المكوك وهو امتلاؤه.

و"رواء"بالكسر: جمع راو وهو الذي روي من الماء.

1518 – 4631 – وقال أبو ذر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحما –أو قال ذمة وصهرا- فإذا رأيتم رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج منها، قال: فرأيت عبد الرحمن ابن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة فخرجت منها"

ص: 520

"وفي حديث أبي ذر: إنكم ستفتحون [مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط] ".

"وهي أرض يسمى فيها القيراط" أي: يكثر أهلها ذكر القراريط في معاملتهم لتشددهم فيها، وقلة مروءتهم.

وقيل: القراريط كلمة يذكرها أهلها في المسابة.

ومعنى الحديث: إن القوم لهم دناءة وخسة، وفي لسانهم إيذاء وفحش فإذا استوليتم عليهم وتمكنتم منهم فأحسنوا عليهم بالصفح والعفو عما تنكرون، لا يحملنكم سوء أفعالهم وأقوالهم على الإساءة، فإن لهم ذمة ورحما، وذلك لأن هاجر أم إسماعيل –عليه السلام ومارية أم إبراهيم ابن النبي –صلى الله عليه وسلم – كانتا من القبط.

"وفيه: فإذا رأيتم رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج منها"

لعله – عليه السلام علم من طريق الوحي والمكاشفة أنه ستحدث هذه الحادثة في مصر، وفتن وشرور، لخروج المصريين على عثمان رضي الله عنه، وقتلهم محمد بن أبي بكر ثانيا، فجعل ذلك علامة وأمارة لتلك الفتن، وأمره بالخروج منها حسبما رآه، وعلم أن في طباع سكانها وحشة ومماكسة، كما دل عليه صدر الحديث، فإذا أفضت الحال إلى أن يتخاصموا في مثل هذا المحقر، فينبغي أن يتحرز

ص: 521

عن مخالطتهم، ويجتنب عن مساكنتهم.

1519 – 4632 – عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"في أصحابي –وفي رواية: في أمتي- اثنا عشر منافقا، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة: سراج من النار تظهر في أكتافهم حتى تنجم في صدورهم"

"وفي حديث حذيفة: ثمانية تكفيهم الدبيلة: سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى تنجم من صدورهم"

"الدبيلة"في الأصل: تصغير دبل وهي الداهية، فأطلقت على قرحة رديئة تحدث في باطن الإنسان ويقال لها: الدبلة –بالفتح والضم-، وفسرها في الحديث بنار تخرج في أكتافهم حتى تنجم من صدورهم، أي: تظهر منها، من نجم ينجم –بالضم-: إذا ظهر وطلع، ولعله أراد بها: ورما حارا يحدث في أكتافهم بحيث يظهر أثر تلك الحرارة وشدة لهبها في صدورهم، فمثله بسراج من نار، وهو شعلة المصباح.

وقد روي عن حذيفة أنه –عليه السلام عرفه آباءهم وأنهم هلكوا كما أخبره الرسول صلوات الله عليه

***

ص: 522

1520 – 4633 - عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل"، فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر"، فأتيناه فقال له: تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، وكان رجلا ينشد ضالة له"

"وفي حديث جابر: من يصعد الثنية ثنية المرار"

"يصعد"بالرفع على أن"من"استفهامية، وبالجزم على أنها شرطية.

و"ثنية المرار"بضم الميم: ثنية بقرب مكة.

"وفيه: ثم تنام الناس"

أي: تتابع الناس وصعدوا جميعا، تفاعل من التمام.

من الحسان:

1521 – 4636 – عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: "أبمحمد

ص: 523

تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه" قال: فارفض عرقا. غريب

"وفي حديث أنس: فاستصعب عليه"

أي: استعصى البراق عليه، ولم يمكنه من الركوب"

"وفيه: فارفض عرقا"

أي: انصب، وارفضاض الدمع: ترشيشها وانصبابها، وأصل الرفض: التفريق والترك.

1522 – 4638 – عن يعلي بن مرة الثقفي قال: ثلاثة أشياء رأيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر، فوضع جرانه، فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أين صاحب هذا البعير؟ " فجاءه، فقال:"بعنيه" فقال: بل نهبه لك يا رسول الله! وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال:"أما إذ ذكرت هذا من أمره فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف، فأحسنوا إليه" ثم سررنا حتى نزلنا منزلا، فنام النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته، ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له، فقال:"هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لها"، قال: ثم سرنا، فمررنا

ص: 524

بماء، فأتته امرأة بابن لها به جنة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخره، ثم قال:"اخرج، إني محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم "، ثم سرنا، فلما رجعنا مررنا بذلك الماء، فسألها عن الصبي، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما رأينا منه ريبا بعدك"

"وفي حديث يعلى بن مرة الثقفي: مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر، فوضع جرانه"

"يسنى عليه"أي: يستسقى عليه، من سنت الناقة الأرض تسنو: إذا سقتها.

و (الجرجرة): صوت تردد البعير في حلقه.

و (الجران): مقدم العنق، وجمعه: جرن.

"وفيه: ما رأينا منه ريبا بعدك"

أي: شيئا نكرهه، فيريبنا، أي يقلقنا ويضجرنا.

1523 – 4639 – وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنون، وإنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا، فثع ثعة، وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى"

"وفي حديث ابن عباس: فثع ثعة"

ص: 525

أي: قاء قيئة، والثع: القيء، وأنثع القيء بنفسه إنثاعا: إذا ذرع.

1524 – 4641 – وقال ابن عمر رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله صلى الله عبده ورسوله؟ " قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: "هذه السلمة"، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بشاطيء الوادي، فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها"

"وفي حديث ابن عمر: هذه السلمة"

هي شجرة من البادية، يقال لها: السلم والسلامان والسلام، للجلد المدبوغ بهك المسلوم.

1525 -

4647 – وعن جابر رضي الله عنه: أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية، ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ارفعوا أيديكم"، وأرسل إلى اليهودية، فدعاها فقال: "سممت هذه

ص: 526

الشاة؟ " فقالت: من أخبرك؟ فقال: "أخبرني هذه في يدي" يعني: الذراع، قالت: نعم، قلت: إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبا"

"وفي حديث جابر: أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية"

(المصلية): المشوية، يقال: صلت اللحم وأصليته: إذا شويته.

"وفيه: فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها"

كان هذا في أول الأمر، فلما مات بشر بن البراء بن معرور من لقمة تناولها منها، أمر رسول الله بقتلها، فقتلت مكانه.

1526 – 4648 – عن سهل بن الحنظلية: أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية، فجاء فارس فقال: ي رسول الله! إني طلعت على جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله"، ثم قال:"من يحرسنا الليلة؟ "، قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله! قال: "اركب"، فركب فرسا له فقال:"استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه"، فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصلاه فركع ركعتين ثم قال:"هل حسستم فارسكم؟ " فقال رجل:

ص: 527

ما أحسسنا، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة قال:"أبشروا فقد جاء فارسكم"، فجعلنا ننظر إلى خلال الشجرفي الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فلم أر أحدا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل نزلت الليلة؟ "، قال: لا، إلا مصليا أو قاضي حاجة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فلا عليك أن لا تعمل بعدها"

"وفي حديث سهل بن الحنظلية: فجاء فارس فقال: يا رسول الله! إني طلعت على جبل كذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم اجتمعوا إلى حنين"

يقال: جاؤوا على بكرة أبيهم، أي: جاءوا بأجمعهم بحيث لم يبق منهم أحد، و"على" هاهنا بمعنى مع بكرة، وهو مثل يضربه العرب، وكان السبب فيه أن جمعا من العرب عرض لهم انزعاج، فارتحلوا جميعا ولم يخلفوا شيئا حتى إن بكرة كانت لأبيهم أخذوها معهم، فقال من وراءهم: جاؤوا على بكرة أبيهم، فصار ذلك مثلا في قوم جاؤوا بأجمعهم، وإن لم يكن معهم بكرة.

ص: 528