الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية الصاوي]
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
«مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» حَدِيثٌ شَرِيفٌ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ صَاحِبِ الْحَاشِيَةِ يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَخْلَصَ الْعُلَمَاءَ بِعِنَايَتِهِ وَجَمِيلِ لُطْفِهِ مِنْ غَيَاهِبِ الْجَهَالَاتِ، وَجَعَلَهُمْ أُمَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ يَقُومُونَ بِحِفْظِ شَرِيعَتِهِ حَتَّى يُؤَدُّوا إلَى الْخَلْقِ تِلْكَ الْأَمَانَاتِ، فَهُمْ مَصَابِيحُ الْأَرْضِ وَخُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَيُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً أَسْتَفْتِحُ بِمَدَدِهَا أَبْوَابَ الْعِنَايَاتِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ السَّادَاتِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشِيعَتِهِ وَحِزْبِهِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ نَسْتَمْطِرُ بِهِمَا غُيُوثَ السَّعَادَاتِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ، خُصُوصًا عِلْمَ الْفِقْهِ الْعَذْبَ الزُّلَالَ، الْمُتَكَفِّلَ بِبَيَانِ الْحَرَامِ مِنْ الْحَلَالِ، وَقَدْ كَانَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَهْلًا وَحَقِيقًا بِذَلِكَ، كَانَ أَحْسَنَ مَا أُلِّفَ فِيهِ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ مَتْنًا وَشَرْحًا مُخْتَصَرُ شَيْخِنَا وَشَيْخِ مَشَايِخِنَا شَيْخِ الْوَقْتِ وَالطَّرِيقَةِ، وَمَعْدِنِ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ، أَبِي الْبَرَكَاتِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الدَّرْدِيرِ الْعَدَوِيِّ مَالِكٍ الصَّغِيرِ - الَّذِي سَمَّاهُ أَقْرَبَ الْمَسَالِكِ إلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ "؛ أَمَرَنِي مَنْ لَا تَسَعُنِي مُخَالَفَتُهُ خَلِيفَتُهُ وَوَارِثُ حَالِهِ أَخُونَا فِي اللَّهِ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّبَاعِيُّ: أَنْ أَكْتُبَ عَلَيْهِ كِتَابَةً تُنَاسِبُهُ فِي السُّهُولَةِ؛ فَأَجَبْته لِذَلِكَ رَاجِيًا الْفَتْحَ مِنْ الْقَادِرِ الْمَالِكِ، وَسَمَّيْتهَا: بُلْغَةَ السَّالِكِ لِأَقْرَبِ الْمَسَالِكِ "
لِيُنْتَفَعَ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْثَالِي مِنْ الْقَاصِرِينَ، مُشِيرًا بِحَاشِيَةِ الْأَصْلِ لِحَاشِيَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية الصاوي]
شَيْخِنَا وَقُدْوَتِنَا الشَّيْخ مُحَمَّدٍ الدُّسُوقِيِّ عَلَى شَرْحِ شَيْخِنَا الْمُؤَلِّفِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْعَلَّامَةِ أَبِي الضِّيَاءِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَبِالْأَصْلِ لِشَرْحِ الْمُؤَلِّفِ الْمَذْكُورِ وَشَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ لِمَجْمُوعِ شَيْخِنَا وَقُدْوَتِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَمِيرِ، وَبِالْحَاشِيَةِ لِحَاشِيَةِ شَيْخِ الْمَشَايِخِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الصَّعِيدِيِّ الْعَدَوِيِّ عَلَى الْخَرَشِيِّ. وَأُشِيرَ لِبَاقِي أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا أَشَارَتْ أَسْلَافُنَا لِلشَّيْخِ الْبُنَانِيِّ بِصُورَةِ (ب ن) ، وَلِلشَّيْخِ مُصْطَفَى الرَّمَاصِيِّ مُحَشِّي التَّتَّائِيِّ بِصُورَةِ (ر) ، وَلِلْعَلَّامَةِ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ الْحَطَّابِ بِصُورَةِ (ح) ، وَلِلشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي بِصُورَةِ (عب) ، وَلِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الشَّبْرَخِيتِيِّ بِصُورَةِ (شب) ، وَإِنْ أَسْنَدْت لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ صَرَّحْت بِهِ.
وَأَسَالُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِكَمَالِهَا وَالنَّفْعَ بِهَا كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهَا وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
قَالَ الْإِمَامُ الدَّرْدِيرُ:
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] : افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، لِافْتِتَاحِ الْكِتَابِ بِهَا وَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كَمَا فِي رِوَايَةٍ - فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ أَوْ أَجْذَمُ» أَيْ نَاقِصٌ وَقَلِيلُ الْبَرَكَةِ.
وَالْبَاءُ: لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ التَّبَرُّكِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُؤَلِّفُ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ يَعُمُّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ التَّأْلِيفِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ أَفْتَتِحُ وَنَحْوِهِ، لِإِيهَامِ قَصْرِ التَّبَرُّكِ عَلَى الِافْتِتَاحِ فَقَطْ. وَاَللَّهُ: عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ فَيَعُمُّ الصِّفَاتِ.
وَالرَّحْمَنُ: الْمُنْعِمُ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ كَمِّيَّةً أَوْ كَيْفِيَّةً. وَالرَّحِيمُ: الْمُنْعِمُ بِدَقَائِقِهَا كَذَلِكَ.
وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ اللَّهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ، ثُمَّ الثَّانِيَ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الثَّالِثِ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ لَهُ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَنْبَغِي تَتْمِيمُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا مِنْ الْفَنِّ الْمَشْرُوعِ فِيهِ فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْفَنِّ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْهَا مِنْ جِهَةِ مَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَحُرْمَةٍ وَكَرَاهَةٍ وَإِبَاحَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِعْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ إنَّ حُكْمَ الْبَسْمَلَةِ الْأَصْلِيَّ النَّدْبُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ مِنْ الْأَذْكَارِ؛ وَالْأَصْلُ فِي الْأَذْكَارِ أَنْ تَكُونَ مَنْدُوبَةً، وَيَتَأَكَّدُ النَّدْبُ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا فِي أَوَائِلِ ذَوَاتِ الْبَالِ وَلَوْ شِعْرًا، كَمَا انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ح، وَقَوْلُهُمْ: الشِّعْرُ لَا يُبْتَدَأُ بِالْبَسْمَلَةِ، مَحَلُّهُ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَدْحِ مَنْ لَا يَجُوزُ مَدْحُهُ أَوْ ذَمِّ مَنْ لَا يَجُوزُ ذَمُّهُ، وَقَدْ تَعْرِضُ لَهَا الْكَرَاهَةُ وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ كَاسْتِعْمَالِ ذِي الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ، وَتَحْرُمُ إذَا أَتَى بِهَا الْجُنُبُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ لَا بِقَصْدِ التَّحَصُّنِ، وَكَذَا تَحْرُمُ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِالْحَرَامِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: بِكَرَاهَتِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَارْتَضَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَتَحْرُمُ فِي ابْتِدَاءِ بَرَاءَةٌ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ، وَقَالَ الرَّمْلِيُّ: بِالْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا فِي أَثْنَائِهَا فَتُكْرَهُ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَتُنْدَبُ عِنْدَ الثَّانِي. قَالَ ح: وَلَمْ أَرَ لِأَهْلِ مَذْهَبِنَا شَيْئًا فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهَا حَالَةُ وُجُوبٍ إلَّا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية الصاوي]
بِالنَّذْرِ، فَلَا يُقَالُ: إنَّ الْبَسْمَلَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الذَّكَاةِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ الْوَاجِبُ مُطْلَقُ ذِكْرِ اللَّهِ لَا خُصُوصُ الْبَسْمَلَةِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ.
بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ رَابِعِ النَّحْرِ، أَوْ لَا تَجِبُ؟ وَاسْتُظْهِرَ اللُّزُومَ خُصُوصًا، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُلَاحَظٍ بِالنَّذْرِ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِلَّا كَانَتْ وَاجِبَةً قَوْلًا وَاحِدًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مُبَاحَةً لِأَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِهَا أَنَّهَا ذِكْرٌ، وَأَقَلُّ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: وَجَازَتْ كَمُتَعَوِّذٍ بِنَفْلٍ يُوهِمُ ذَلِكَ وَكَذَا قَوْلُ الشَّاطِبِيِّ:
وَلَا بُدَّ مِنْهَا فِي ابْتِدَائِك سُورَةً
…
سِوَاهَا وَفِي الْأَجْزَاءِ خُيِّرَ مَنْ تَلَا
فَحَمَلُوا كُلًّا مِنْ الْجَوَازِ وَالتَّخْيِيرِ عَلَى عَدَمِ تَأَكُّدِ الطَّلَبِ وَنَفْيِ الْكَرَاهَةِ، فَلَا يُنَافِي أَصْلَ النَّدْبِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَهَا حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ يَذْكُرُ اللَّهَ وَلَا ثَوَابَ لَهُ بَعِيدٌ جِدًّا. اهـ بِتَصَرُّفٍ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَشَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَفْضَالِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَآلِهِ.
(أَمَّا بَعْدُ) فَهَذَا شَرْحٌ لَطِيفٌ عَلَى كِتَابِنَا الْمُسَمَّى بِأَقْرَبِ الْمَسَالِكِ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، اقْتَصَرْت فِيهِ عَلَى بَيَانِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ، لِيَسْهُلَ فَهْمُهُ عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ، وَشَرْحُهُ وَقِرَاءَتُهُ لِمَنْ شَاءَ بِمَشِيئَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: (عَلَى أَفْضَالِهِ) : أَيْ إحْسَانِهِ لِعِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ.
قَوْلُهُ: [شَرْحٌ] : فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ إمَّا بِمَعْنَى شَارِحٍ أَوْ ذُو شَرْحٍ، أَوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ مُبَالَغَةً عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي زَيْدٌ عَدْلٌ، وَمَعْنَاهُ مُوَضَّحٌ وَمُبَيَّنٌ وَالْإِسْنَادُ لَهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ الْإِسْنَادِ لِلسَّبَبِ.
قَوْلُهُ لَطِيفٌ: يُطْلَقُ اللَّطِيفُ عَلَى صَغِيرِ الْحَجْمِ، وَعَلَى رَقِيقِ الْقَوَامِ، وَعَلَى الَّذِي لَا يَحْجُبُ مَا وَرَاءَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا السُّهُولَةُ، فَأَطْلَقَ الْمَلْزُومَ وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ وَأَرَادَ لَازِمَهُ وَهُوَ سُهُولَةُ الْمَأْخَذِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى بَيَانِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ] : الْبَيَانُ: الْإِظْهَارُ، وَالْمَعَانِي جَمْعُ مَعْنًى: وَهُوَ مَا يُعْنَى وَيُقْصَدُ مِنْ اللَّفْظِ، وَإِضَافَةُ مَعَانِي لِلْأَلْفَاظِ مِنْ إضَافَةِ الْمَدْلُولِ لِلدَّالِّ، وَإِضَافَةُ الْأَلْفَاظِ لِلضَّمِيرِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ.
قَوْلُهُ: [لِيَسْهُلَ فَهْمُهُ] : اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ اقْتَصَرْت، وَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَهَا وَالْفَهْمُ، الْإِدْرَاكُ. قَوْلُهُ: عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ: جَمْعُ مُبْتَدِئٍ وَهُوَ الشَّارِعُ فِي الْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يُقَفْ عَلَى أُصُولِهِ، فَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْأُصُولِ وَعَجَزَ عَنْ الْأَدِلَّةِ يُقَالُ لَهُ: مُتَوَسِّطٌ، فَإِنْ عَرَفَ الْأُصُولَ وَالْأَدِلَّةَ يُقَالُ: لَهُ مُنْتَهٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُبْتَدَئِينَ لِأَنَّ غَيْرَهُمْ لَا يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَتَعَاطَى أَيَّ كِتَابٍ شَاءَ.
قَوْلُهُ: [وَشَرْحُهُ] : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى فَهْمُهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلَيَّ.
قَوْلُهُ: [وَقِرَاءَتُهُ] : بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى فَهْمُهُ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: [لِمَنْ شَاءَ] : لِمَنْ شَاءَ مُتَعَلِّقٌ بِقِرَاءَتِهِ، وَبِمَشِيئَتِهِ إلَخْ رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، وَالْمَعْنَى اقْتَصَرْت فِي هَذَا الشَّرْحِ عَلَى إظْهَارِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ لِأَجْلِ سُهُولَةِ فَهْمِهِ عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ الْقَاصِرِينَ، وَلِسُهُولَةِ شَرْحِهِ عَلَيَّ، وَلِسُهُولَةِ قِرَاءَتِهِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْرَأَهُ، وَهَذِهِ السُّهُولَةُ تَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَأَقُولُ وَبِهِ أَسْتَعِينُ: (يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ الْمُنْكَسِرُ الْفُؤَادُ مِنْ التَّقْصِيرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الدَّرْدِيرُ) : الْقَوْلُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَعْنًى وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ وَلَوْ فِي ثَانِي حَالٍ، فَيَشْمَلُ الْمَجَازَ كَأَسَدٍ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَالْعَبْدُ الْمُرَادُ بِهِ الْمَمْلُوكُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْفَقِيرُ: الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَأَقُولُ] : جَوَابُ أَمَّا.
قَوْلُهُ: [وَبِهِ أَسْتَعِينُ] السِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ، وَقَدَّمَ الْمَجْرُورَ لِيُفِيدَ الْحَصْرَ.
قَوْلُهُ: [يَقُولُ] : أَصْلُهُ يَقُولُ اُسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَى الْوَاوِ فَنُقِلَتْ إلَى مَا قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: [الْعَبْدُ] : يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مَشْهُورَةٍ اقْتَصَرَ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي عَلَى أَحَدِهَا. قَوْلُهُ: [اللَّفْظُ الدَّالُّ] : اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ اللَّفْظِ الْمُهْمَلِ كديز مَثَلًا فَلَا يُقَالُ لَهُ قَوْلٌ، وَيُطْلَقُ الْقَوْلُ عَلَى الرَّأْيِ وَالِاعْتِقَادِ، كَمَا يُقَالُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كَذَا أَيْ رَأَى وَاعْتَقَدَ.
قَوْلُهُ: [وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ] : دَخَلَ الْمَعْنَى الْمُطَابِقِيُّ وَالتَّضَمُّنِيُّ، وَخَرَجَ الْمَعْنَى الِالْتِزَامِيُّ، كَعِلْمِنَا بِحَيَاةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ، فَلَيْسَ مَوْضُوعًا لَهُ اللَّفْظُ.
قَوْلُهُ: [فَيَشْمَلُ الْمَجَازَ] : مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ فِي ثَانِي حَالٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَوْضُوعَةٌ وَضْعًا أَوَّلِيًّا، أَيْ كَلِمَةٌ اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَالْمَجَازُ مَوْضُوعٌ وَضْعًا ثَانَوِيًّا لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ اُسْتُعْمِلَتْ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، لِعَلَاقَةٍ مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ: كَأَسَدٍ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَوْضُوعٌ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، ثُمَّ تَسْتَعْمِلُهُ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، فَتَقُولُ: رَأَيْت أَسَدًا فِي الْحِمَامِ مَثَلًا، فَكُلٌّ مِنْ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ مَوْضُوعٌ وَضْعًا لُغَوِيًّا، لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ وَضْعُهَا أَصْلِيٌّ لَا يَحْتَاجُ لِقَرِينَةٍ وَلَا لِعَلَاقَةٍ، وَالْمَجَازُ وَضْعُهُ عَرَضِيٌّ يَحْتَاجُ لِعَلَاقَةٍ وَقَرِينَةٍ.
قَوْلُهُ: [الْمُرَادُ بِهِ الْمَمْلُوكُ لِلَّهِ تَعَالَى] : إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى لِشُمُولِهِ وَعُمُومِهِ قَالَ تَعَالَى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] ، أَيْ مَمْلُوكًا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِعَبْدِ الْإِيجَادِ.
[الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ تَعَالَى إلَخْ] : هَذَا التَّفْسِيرُ يَصْلُحُ لِكَوْنِ الْفَقِيرِ صِفَةً مُشَبَّهَةً أَوْ صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ، وَلَا يَخْلُو عَبْدٌ مِنْهُمَا دُنْيَا وَلَا أُخْرَى، وَلَوْ وَكَّلَنَا مَوْلَانَا طَرْفَةَ عَيْنٍ لِأَنْفُسِنَا لَهَلَكْنَا.
تَعَالَى فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَالْمُنْكَسِرُ: الْحَزِينُ، وَالْفُؤَادُ: الْقَلْبُ، وَإِسْنَادُ الِانْكِسَارِ بِمَعْنَى الْحُزْنِ إلَيْهِ مَجَازٌ، وَقَوْلُهُ: مِنْ التَّقْصِيرِ عِلَّةٌ لِانْكِسَارِ فُؤَادِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: قِلَّةُ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى؛ فَهُوَ كَقَوْلِ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى،
وَأَحْمَدُ: بَيَانٌ لِلْعَبْدِ، وَالدَّرْدِيرُ: لَقَبٌ اُشْتُهِرَ بِهِ كَأَبِيهِ بَيْنَ النَّاسِ. وَكَانَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلًا صَالِحًا عَالِمًا مُتْقِنًا لِلْقُرْآنِ، فَقَدَ بَصَرَهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَاشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِ الْأَطْفَالِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، فَحَفِظَ الْقُرْآنَ عَلَى يَدِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ يُعَلِّمُ الْفُقَرَاءَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ صِرَافَةً وَلَا غَيْرَهَا، بَلْ رُبَّمَا وَاسَاهُمْ مِنْ عِنْدِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ السُّكُوتِ لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا نَادِرًا، وَوِرْدُهُ - فِي غَالِبِ أَوْقَاتِهِ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [الْمُنْكَسِرُ الْحَزِينُ] : يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً، حَيْثُ شَبَّهَ حُزْنَ الْقَلْبِ بِالِانْكِسَارِ الَّذِي هُوَ تَفَرُّقُ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الصُّلْبِ بِجَامِعِ التَّلَفِ وَالتَّشَتُّتِ فِي كُلٍّ، وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ، وَاشْتُقَّ مِنْهُ مُنْكَسِرٌ بِمَعْنَى حَزِينٍ، وَالْقَرِينَةُ إضَافَتُهُ لِلْفُؤَادِ.
قَوْلُهُ: [مَجَازٌ] : أَيْ عَقْلِيٌّ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْكُلِّ لِلْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْفُؤَادُ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْفُؤَادُ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ: إذَا أُسْنِدَ مَا لِلْكُلِّ لِلْجُزْءِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْجُزْءِ مَزِيَّةٌ تُمَيِّزُهُ، إذَا عَلِمْت مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ، وَمَا هُنَا مِنْ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، فَفِي كَلَامِهِ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ.
قَوْلُهُ: (عِلَّةٌ لِانْكِسَارِ فُؤَادِهِ) : أَيْ حُزْنُهُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ، وَهَذَا سُنَّةُ الْعَارِفِينَ بِرَبِّهِمْ لَا يَرَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ عَمَلًا، كَمَا قَالَ السَّيِّدُ الْبَكْرِيُّ: إلَهِي إنِّي أَخَافُ أَنْ تُعَذِّبَنِي بِأَفْضَلِ أَعْمَالِي.
قَوْلُهُ: [كَقَوْلِ الشَّيْخِ إلَخْ] : الْمُرَادُ بِهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: [بَيَانٌ] أَيْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا لِأَنَّ نَعْتَ الْمَعْرِفَةِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا يُعْرَبُ بِحَسَبِ الْعَوَامِلِ، وَتُعْرَبُ مِنْهُ بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، بِخِلَافِ نَعْتِ النَّكِرَةِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا فَيُعْرَبُ حَالًا، وَتُعْرَبُ هِيَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَمِّيَّةُ مُوحِشًا طَلَلُ
قَوْلُهُ: [فِي غَالِبِ أَوْقَاتِهِ] : وَهِيَ الْأَوْقَاتُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مَشْغُولًا فِيهَا بِالْقُرْآنِ.
صَلَاةُ سَيِّدِي عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ مُشَيْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَانَ يُبَشِّرُنِي فِي صِغَرِي بِأَنْ أَكُونَ عَالِمًا. مَاتَ رحمه الله شَهِيدًا بِالطَّاعُونِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ الْأَلْفِ وَمِائَةٍ، وَعُمْرِي نَحْوُ عَشْرِ سِنِينَ، وَشُوهِدَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ مَوْلَى النِّعَمِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا خَصَّ مِنْهَا وَعَمَّ) الْحَمْدُ هُوَ الْوَصْفُ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [عَبْدُ السَّلَامِ إلَخْ] : هُوَ شَيْخُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ، وَنَاهِيك بِشَيْخٍ، الشَّاذِلِيُّ تِلْمِيذُهُ، وَمُشِيش - بِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَأَوَّلُهُ مِيمٌ أَوْ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ - وَأَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ الشَّارِحُ عَنْ وَالِدِهِ الْمَذْكُورِ، أَنَّ زَوْجَتَهُ كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فَتَجِدُ عِنْدَهُ شُمُوعًا مُوقَدَةً فِي أَوْقَاتِ الظَّلَامِ، فَتَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: إنَّهَا أَنْوَارُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَخْبَرَنَا أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضِيقِ عَيْشٍ فَتُوضَعُ الصَّحْفَةُ فِيهَا الطَّعَامُ الْقَلِيلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهَا سُورَةَ قُرَيْشٍ، فَيُبَارَكُ فِيهَا وَيَأْكُلُ مِنْهَا النَّاسُ الْكَثِيرُونَ. قَالَ الشَّيْخُ فَصِرْت أَقْرَأُ تِلْكَ السُّورَةَ عَلَى الْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ فَتُفْتَتَحُ بِغَيْرِ مِفْتَاحٍ، فَشَاعَ عَنِّي - وَأَنَا صَغِيرٌ - أَنِّي أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بِغَيْرِ مِفْتَاحٍ.
قَوْلُهُ: [وَعُمْرِي نَحْوُ عَشْرِ سِنِينَ] : فَيَكُونُ مَوْلِدُ الشَّيْخِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ بَعْدَ الْأَلْفِ؛ فَسِنُّهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِمَشْهَدِهِ الْمَشْهُورِ بِالْكَعْكِيِّينَ، وَكَرَامَاتُهُ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ أَظْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ. وَأَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ:
لِي سَادَةٌ مِنْ عِزِّهِمْ
…
أَقْدَامُهُمْ فَوْقَ الْجِبَاهِ
إنْ لَمْ أَكُنْ مِنْهُمْ فَلِي
…
فِي حُبِّهِمْ عِزٌّ وَجَاهْ
قَوْلُهُ: [وَشُوهِدَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ] : قَدْ تَقَدَّمَ لَك بَعْضُهَا.
قَوْلُهُ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] : لَمَّا افْتَتَحَ بِالْبَسْمَلَةِ افْتِتَاحًا حَقِيقِيًّا افْتَتَحَ بِالْحَمْدِ لَهُ افْتِتَاحًا إضَافِيًّا، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثَيْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَحَمَلَ الْبَسْمَلَةَ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ، وَالْحَمْدَلَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْإِضَافِيِّ لِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَلِقُوَّةِ حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى حَدِيثِ الْحَمْدَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» ، وَهُنَاكَ أَوْجُهٌ أُخَرُ مَشْهُورَةٌ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية الصاوي]
وَجُمْلَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَى آخِرِ الْكِتَابِ مَقُولُ الْقَوْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَنْصِبُ إلَّا الْجُمَلَ أَوْ الْمُفْرَدَ الَّذِي فِي مَعْنَى الْجُمْلَةِ، أَوْ الْمُفْرَدَ الَّذِي قُصِدَ لَفْظُهُ مَا لَمْ يَجْرِ مَجْرَى الظَّنِّ، فَيَنْصِبُ الْمُفْرَدَاتِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ:
وَكَ تَظُنُّ اجْعَلْ تَقُولُ إنْ وَلِي
…
مُسْتَفْهِمًا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ
إلَى أَنْ قَالَ:
وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقًا
…
عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوِ قُلْ ذَا مُشْفِقًا
وَأَلْ فِيهِ قِيلَ لِلْجِنْسِ وَقِيلَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَقِيلَ لِلْعَهْدِ وَهُوَ حَمْدُ الْمَوْلَى نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ أَزَلًا، لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ أَدَاءِ كُنْهِ حَمْدِهِ حَمِدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ أَزَلًا، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْمَدُوهُ بِذَلِكَ الْحَمْدِ، وَاللَّامُ فِي لِلَّهِ قِيلَ لِلْمِلْكِ أَوْ لِلِاسْتِحْقَاقِ أَوْ لِلتَّعْلِيلِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ، وَعَلَى الثَّالِثِ ثَابِتَةٌ لِأَجْلِهِ، وَجُمْلَةُ الْحَمْدِ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى، وَكَانَتْ اسْمِيَّةً لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ وَاقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَأَصْلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُ حَمْدَ اللَّهِ فَحُذِفَ الْفِعْلُ لِدَلَالَةِ الْمَصْدَرِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ حَمْدُ اللَّهِ، ثُمَّ عُدِلَ مِنْ النَّصْبِ إلَى الرَّفْعِ لِدَلَالَةِ الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ، فَصَارَ حَمْدٌ لِلَّهِ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِقَصْدِ الِاسْتِغْرَاقِ أَوْ الْجِنْسِ أَوْ الْعَهْدِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَيُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءُ بِهَا لِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ وَمُتَزَوِّجٍ وَمُزَوِّجٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اهـ بِاخْتِصَارٍ.
قَوْلُهُ: [هُوَ الْوَصْفُ إلَخْ] : شُرُوعٌ فِي مَعْنَى الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيَّيْنِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَعْنَاهُمَا الِاصْطِلَاحِيَّيْنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَمْدَ الِاصْطِلَاحِيَّ هُوَ الشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ، وَالشُّكْرُ الِاصْطِلَاحِيُّ هُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي كُلٍّ لِأَنَّهُ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْحَمْدُ اصْطِلَاحًا وَالشُّكْرُ اصْطِلَاحًا، فَالْمُرَادُ اصْطِلَاحُ النَّاسِ لَا اصْطِلَاحَ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي كُلٍّ، وَمَعْنَى الْوَصْفِ الذِّكْرُ وَهَذَا التَّعْرِيفُ سَالِمٌ مِنْ جَمِيعِ مَا يَرِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ يَشْمَلُ أَقْسَامَ الْحَمْدِ الْأَرْبَعَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَظَهَرَ مِنْ هَذَا
بِالْجَمِيلِ اخْتِيَارِيًّا أَمْ لَا فِعْلًا أَمْ لَا عَلَى فِعْلٍ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ، وَالشُّكْرُ مَا دَلَّ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِإِنْعَامِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ، وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ، وَالْمُولِي بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُعْطِي، وَالنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى الْعَطِيَّةِ الْمُلَائِمَةِ، وَقَوْلُهُ مِنْهَا بَيَانٌ لِمَا وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى النِّعَمِ، فَالْمَعْنَى عَلَى نِعَمٍ
ــ
[حاشية الصاوي]
التَّعْرِيفِ أَنَّ مَوْرِدَ الْحَمْدِ خَاصٌّ وَمُتَعَلِّقَهُ عَامٌّ، وَمَوْرِدَ الشُّكْرِ عَامٌّ، وَمُتَعَلِّقَهُ خَاصٌّ لِتَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ لِإِنْعَامِهِ، وَالنِّسَبُ بَيْنَ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ مَعْلُومَةٌ.
قَوْلُهُ: [اخْتِيَارِيًّا أَمْ لَا إلَخْ] : تَعْمِيمٌ فِي الْمَحْمُودِ بِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا، وَقَوْلُهُ عَلَى فِعْلٍ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ هُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا اهـ مِنْ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ] : أَيْ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ حَكَّمُوا الْعَقْلَ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، بَلْ الْحَسَنُ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ، وَالْقَبِيحُ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّهُ يَتَحَتَّمُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ ظَهَرَتْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهِيَ مِنْهُ تَعَالَى، بَلْ هَذَا مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَمَّا شُكْرُ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ فَتَارَةً تَكُونُ وَاجِبَةً وَتَارَةً تَكُونُ مَنْدُوبَةً عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَ الشَّارِعُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ: [بِكَسْرِ اللَّامِ] : أَيْ مَعَ ضَمِّ الْمِيمِ اسْمُ فَاعِلٍ، وَأَمَّا بِفَتْحِهِمَا فَهُوَ الْمَالِكُ أَوْ الْمُعْتِقُ أَوْ الصَّاحِبُ أَوْ الْقَرِيبُ، وَأَمَّا بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ فَهُوَ الْمُعْطَى اسْمُ مَفْعُولٍ.
قَوْلُهُ: [بِكَسْرِ النُّونِ] : وَأَمَّا بِضَمِّهَا فَالْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَبِفَتْحِهَا التَّنَعُّمُ. قَالَ تَعَالَى: {وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] .
قَوْلُهُ: الْمُلَائِمَةُ: أَيْ الْمُوَافَقَةُ لِتَمَنِّي النَّفْسِ، وَلَمْ يَقُلْ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهَا شَرْعًا لِأَجْلِ شُمُولِهِ نِعَمَ الْكُفَّارِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإِنَّ الْكُفَّارَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ كُلُّ مُلَائِمٍ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ شَرْعًا، وَمِنْ ثَمَّ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مُلَائِمٍ، فَالْكَافِرُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ لَمْ تُحْمَدْ عَوَاقِبُ تِلْكَ النِّعَمِ، وَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ.
خَصَّهَا بِنَا أَيْ قَصَرَهَا عَلَيْنَا مَعَاشِرَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنْ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَمَعْرِفَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَاءَ بِهَا، وَكَذَا النِّعَمُ الْمَخْصُوصَةُ بِالشَّخْصِ فِي ذَاتِهِ كَشَكْلِهِ وَلَوْنِهِ وَصُورَتِهِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ.
وَقَوْلُهُ وَعَمَّ أَيْ النِّعَمُ الَّتِي تَشْمَلُنَا وَغَيْرَنَا كَنِعْمَةِ الْوُجُودِ الشَّامِلَةِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، وَنِعْمَةِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُ الشَّيْخِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا مِنْ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْمَعْنَى عَلَى النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهَا بِنَا وَلَمْ نَجْعَلْهُ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي خَصَّنَا بِهَا لِيَكُونَ الْعَائِدُ الْمَحْذُوفُ ضَمِيرَ نَصْبٍ مُتَّصِلًا، وَهُوَ شَائِعٌ لَا شُذُوذَ فِيهِ بِخِلَافِ التَّقْدِيرِ الثَّانِي.
(وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْأَعْظَمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأُمَّتِهِ أَشْرَفِ الْأُمَمِ) هَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى قَصَدَ بِهَا طَلَبَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى أَعْظَمِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ إجْمَاعًا، وَأُمَّتُهُ جَمَاعَتُهُ وَهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانُوا أَشْرَفَ الْأُمَمِ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُهُ، وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْمَتْبُوعِ (وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِمْ وَصَحْبِهِمْ أَجْمَعِينَ) يَجُوزُ عَطْفُ الْفِعْلِيَّةِ الْإِنْشَائِيَّةِ عَلَى الِاسْمِيَّةِ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَعَمُّ مُتَعَلَّقًا مِمَّا قَبْلَهَا لِشُمُولِهَا النَّبِيَّ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [خَصَّهَا بِنَا] : الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْغَالِبِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ:
وَبَاءُ الِاخْتِصَاصِ فِيهِ يَكْثُرُ
…
دُخُولُهَا عَلَى الَّذِي قَدْ قَصَرُوا
وَعَكْسُهُ مُسْتَعْمَلٌ وَجَيِّدٌ
…
قَدْ قَالَهُ الْحَبْرُ الْهُمَامُ السَّيِّدُ
قَوْلُهُ: [أَيْ قَصَرَهَا عَلَيْنَا] : أَيْ وَلَسْنَا مَقْصُورِينَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: [كَشَكْلِهِ وَلَوْنِهِ إلَخْ] : قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] .
قَوْلُهُ: [لِيَكُونَ الْعَائِدُ إلَخْ] : أَيْ لِقَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ:
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
…
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إنْ انْتَصَبَ
إلَخْ قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ التَّقْدِيرِ] : أَيْ فَفِي حَذْفِ الْعَائِدِ شُذُوذٌ لِعَدَمِ اسْتِيفَائِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية الصاوي]
الشُّرُوطَ الَّتِي قَالَ فِيهَا ابْنُ مَالِكٍ:
كَذَاك حَذْفُ مَا بِوَصْفٍ خَفْضًا
إلَخْ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا التَّخَالُفُ فِي شُذُوذِ حَذْفِ الْعَائِدِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْبَاءَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَرَكَهُ الشَّارِحُ تَكُونُ دَاخِلَةً عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَى مُقْتَضَى الْكَثِيرِ فِيهَا، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِمَا قَالَهُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَالصَّلَاةُ إلَخْ] : لَمَّا أَثْنَى عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى وَشَكَرَهُ عَلَى نِعَمِهِ أَدَاءً لِبَعْضِ مَا يَجِبُ إجْمَالًا، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَجَمِيعُ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إلَيْهِمْ الَّتِي أَعْظَمَهَا الْهِدَايَةُ لِلْإِسْلَامِ إنَّمَا هِيَ بِبَرَكَتِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم أَدَاءً لِبَعْضٍ مَا يَجِبُ لَهُ صلى الله عليه وسلم، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«كُلُّ كَلَامٍ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ فَيُبْدَأُ بِهِ وَبِالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» ، وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَتُهُ الْمَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ، وَمِنْ الْعَبِيدِ طَلَبُهُمْ ذَلِكَ، وَالسَّلَامُ مِنْ اللَّهِ الْأَمَانُ أَوْ التَّحِيَّةُ، بِأَنْ يُحَيِّيَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ، كَمَا يُحَيِّي أَحَدُنَا ضَيْفَهُ، وَمِنْ الْعَبِيدِ طَلَبُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [عَلَى النَّبِيِّ الْأَعْظَمِ] : أَيْ مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ.
قَوْلُهُ: [إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى] : أَيْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً لَفْظًا أَوْ مَعْنًى خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ يَاسِينُ.
قَوْلُهُ: [وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْمَتْبُوعِ] : لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْخَصَائِصِ عِنْدَ قَوْلِ الْبُوصِيرِيِّ:
وَلَك الْأُمَّةُ الَّتِي غَبَطَتْهَا
…
بِك لَمَا أَتَيْتَهَا الْأَنْبِيَاءُ
إنَّ اللَّهَ جَمَعَ فِي نَبِيِّنَا جَمِيعَ مَا تَفَرَّقَ فِي الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْكَمَالَاتِ، وَجَمَعَ فِي أُمَّتِهِ جَمِيعَ مَا تَفَرَّقَ فِي الْأُمَمِ مِنْهَا، وَكَفَاهُمْ قَوْله تَعَالَى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] الْآيَةَ.
وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ؛ وَالْكَلَامُ فِي الْآلِ وَالصَّحْبِ مَشْهُورٌ.
(وَبَعْدُ فَهَذَا كِتَابٌ جَلِيلٌ اقْتَطَفْته مِنْ ثِمَارِ مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ خَلِيلٍ) الْكَلَامُ فِي بَعْدُ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ مَشْهُورٌ،
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [مَشْهُورٌ] : أَمَّا الْآلُ فِي مَقَامِ الزَّكَاةِ فَهُمْ عِنْدَنَا بَنُو هَاشِمٍ لَا الْمُطَّلِبِ، وَأَمَّا فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ وَلَوْ عَاصِيًا، وَأَمَّا فِي مَقَامِ الْمَدْحِ فَكُلُّ تَقِيٍّ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ:«آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ» ، وَأَصْحَابُهُ كُلُّ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَطُولُ.
قَوْلُهُ: [الْكَلَامُ فِي بَعْدُ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ مَشْهُورٌ] : أَيْ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ، وَلْنَذْكُرْ لَك زُبْدَةَ ذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ بِهَا الْخَاطِرُ؛ فَبَعْدُ يَتَعَلَّقُ بِهَا تِسْعَةُ مَبَاحِثَ: الْأَوَّلُ فِي وَاوِهَا، الثَّانِي: فِي مَوْضِعِهَا، الثَّالِثُ: فِي مَعْنَاهَا، الرَّابِعُ: فِي إعْرَابِهَا، الْخَامِسُ: فِي الْعَامِلِ فِيهَا، السَّادِسُ: فِي أَصْلِهَا، السَّابِعُ: فِي حُكْمِ الْإِتْيَانِ بِهَا، الثَّامِنُ: فِي أَوَّلِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا، التَّاسِعُ: فِي الْفَاءِ بَعْدَهَا. فَأَمَّا الْوَاوُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لِعَطْفِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا عَطْفِ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ نَائِبَةً عَنْ أَمَّا الَّتِي هِيَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ التَّفْصِيلِ فِي غَيْرِ مَا هُنَا. وَأَمَّا مَوْضِعُهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ هِيَ كَلِمَةٌ يُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ، أَيْ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ، فَلَا تَقَعُ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ، وَلَا أَوَّلَ الْكَلَامِ وَلَا آخِرَهُ، فَإِنْ وَقَعَتْ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ بَيْنَهُمَا عَدَمُ مُنَاسَبَةٍ سُمِّيَ اقْتِضَابًا مَحْضًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ كُلِّيَّةٌ سُمِّيَ تَخَلُّصًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَوْعُ مُنَاسَبَةٍ كَمَا هُنَا، سُمِّيَ اقْتِضَابًا مَشُوبًا بِتَخَلُّصٍ، فَمِثَالُ الِاقْتِضَابِ الْمَحْضِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَوْ رَأَى اللَّهُ أَنَّ فِي الشَّيْبِ خَيْرًا
…
جَاوَتْهُ الْأَبْرَارُ فِي الْخُلْدِ شِيبَا
كُلُّ يَوْمٍ تُبْدِي صُرُوفُ اللَّيَالِي
…
خُلُقًا مِنْ أَبِي سَعِيد غَرِيبَا
وَمِثَالُ التَّخَلُّصِ قَوْلُ الشَّاعِرِ أَيْضًا:
أَمَطْلَعَ الشَّمْسِ تَبْغِي أَنْ تَؤُمَّ بِنَا
…
فَقُلْت كَلًّا وَلَكِنْ مَطْلَعَ الْجُودِ
وَأَمَّا مَعْنَاهَا فَهُوَ نَقِيضُ قَبْلُ، وَتَكُونُ ظَرْفَ زَمَانٍ كَثِيرًا وَمَكَانٍ قَلِيلًا، وَهِيَ هُنَا لِلزَّمَانِ لَا غَيْرُ، وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا لِلْمَكَانِ بِاعْتِبَارِ الرَّقْمِ بَعِيدٌ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِحُ رضي الله عنه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية الصاوي]
وَأَمَّا إعْرَابُهَا فَلَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: تُعْرَبُ فِي ثَلَاثَةٍ وَتُبْنَى فِي حَالَةٍ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ. وَأَمَّا الْعَامِلُ فِيهَا فَهُوَ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ مُقَدَّرٌ بِ أَقُولُ وَنَحْوِهِ، وَعَلَى أَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الشَّرْطِ فَالْعَامِلُ فِيهَا فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالتَّقْدِيرُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ الْعَامِلُ فِيهَا الْوَاوُ النَّائِبَةُ عَنْ أَمَّا النَّائِبَةِ عَنْ مَهْمَا، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَزَاءِ كَانَتْ مَعْمُولَةً لِلْجَزَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَأَقُولُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ، وَجَعْلُهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَزَاءِ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ وُجُودُ الْمُؤَلَّفِ مُعَلَّقًا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُطْلَقٍ. وَأَمَّا أَصْلُهَا فَهُوَ أَمَّا، وَأَصْلُ أَمَّا مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا الْأَصْلُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ نَائِبَةٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا عَاطِفَةٌ فَالْأَصْلُ، وَأَقُولُ بَعْدُ إلَخْ. وَأَمَّا حُكْمُ الْإِتْيَانِ بِهَا فَالِاسْتِحْبَابُ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِأَصْلِهَا وَهُوَ أَمَّا بَعْدُ فِي خُطَبِهِ وَمُكَاتَبَاتِهِ.
وَأَمَّا أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا فَقَدْ نَظَمَ الْخِلَافَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
جَرَى الْخُلْفُ أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ بَادِئًا
…
بِهَا خَمْسُ أَقْوَالٍ وَدَاوُد أَقْرَبُ
وَكَانَتْ لَهُ فَصْلَ الْخِطَابِ وَبَعْدَهُ
…
فَقُسٌّ فَسَحْبَانُ فَكَعْبٌ فَيَعْرُبُ
وَأَمَّا الْفَاءُ بَعْدَهَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ فَالْفَاءُ زَائِدَةٌ عَلَى تَوَهُّمِ وُجُودِ أَمَّا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا فَالْفَاءُ رَابِطَةٌ لِلْجَوَابِ. وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ. وَأَمَّا اسْمُ الْإِشَارَةِ فَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ سَبْعَةٌ أَبْدَاهَا السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيِّ: وَهِيَ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى الْأَلْفَاظِ أَوَالنُّقُوشِ أَوْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، أَوْ الْمَعَانِي وَالنُّقُوشِ أَوْ الْأَلْفَاظِ وَالنُّقُوشِ، أَوْ الثَّلَاثَةِ. اخْتَارَ السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيِّ مِنْهَا أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْخَارِجِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ فَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى مَا فِي الذِّهْنِ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُبْتَدَأٌ وَكِتَابٌ خَبَرٌ. وَإِنْ قُلْت مَا فِي الذِّهْنِ مُجْمَلٌ وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلْمُفَصَّلِ فَلَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ. أُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفَ مُضَافٍ أَيْ مُفَصَّلُ هَذَا كِتَابٌ. فَإِنْ قُلْت: مَا فِي ذِهْنِ الْمُؤَلِّفِ جُزْئِيٌّ وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِمَا فِي ذِهْنِ الْمُؤَلِّفِ وَغَيْرِهِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ بِالْكُلِّيِّ عَنْ الْجُزْئِيِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفَ مُضَافٍ ثَانٍ. أَيْ مُفَصَّلُ نَوْعِ
وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلنُّقُوشِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِمَعَانِيهَا، وَجَلِيلٌ نَعْتٌ لَهُ، وَمَعْنَاهُ عَظِيمُ الشَّأْنِ، لِمَا اشْتَمَلَ عَلَى الْأَحْكَامِ النَّفِيسَةِ مَعَ سُهُولَةِ الْأَلْفَاظِ وَعُذُوبَتِهَا وَاخْتِصَارِهَا اخْتِصَارًا لَا يُخِلُّ بِالْمَعَانِي. وَمَعْنَى اقْتَطَفْته إلَخْ أَخَذْته وَجَمَعْته مِنْ مَعَانِي مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي الضِّيَاءِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ، كَانَ مَعَ وُفُورِ عِلْمِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَشَيْخِهِ الْإِمَامِ سَيِّدِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَعَنَّا بِهِمْ، وَقَدْ شَبَّهَ الْمُخْتَصَرَ الْمَذْكُورَ بِرَوْضَةٍ مُثْمِرَةٍ.
ــ
[حاشية الصاوي]
هَذَا كِتَابٌ. وَالْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الذِّهْنَ لَا يَقُومُ بِهِ الْمُفَصَّلُ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْكِتَابَ لَا يَكُونُ اسْمًا لِلْمُجْمَلِ، وَعَلَى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِالْمُفَصَّلِ عَنْ الْمُجْمَلِ، وَإِلَّا فَلَا يُحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ الْأَوَّلِ، وَالْإِشْكَالُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الْجِنْسِ، وَأَسْمَاءَ الْعُلُومِ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الشَّخْصِ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الشَّيْءُ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ فَالْكُلُّ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الشَّخْصِ، وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ فَالْكُلُّ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الْجِنْسِ، وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ وَكَوْنُ الشَّيْءِ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ أَوْهَامٌ فَلْسَفِيَّةٌ لَا يُعْتَدُّ بِهَا، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ الثَّانِي أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [اسْمٌ لِلنُّقُوشِ إلَخْ] : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الشَّارِحُ اخْتَارَ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَهُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
قَوْلُهُ: ابْنُ إِسْحَاقَ: بْنُ مُوسَى وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَهَمَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي إبْدَالِ مُوسَى بِيَعْقُوبَ.
قَوْلُهُ: [مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ] : أَيْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُجَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً بِمِصْرَ لَمْ يَرَ النِّيلَ لِاشْتِغَالِهِ بِرَبِّهِ، وَكَانَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْجُنْدِ الْمُتَقَشِّفِينَ، وَلَهُ وَلِشَيْخِهِ كَرَامَاتٌ ذَكَرَ الْأَصْلُ بَعْضَهَا.
قَوْلُهُ: [بِرَوْضَةٍ مُثْمِرَةٍ] : أَيْ وَطَوَى ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَذِكْرُ الثِّمَارِ تَخْيِيلٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَالِاقْتِطَافُ تَرْشِيحٌ وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الِانْتِفَاعُ التَّامُّ فِي كُلٍّ، فَإِنَّ الرَّوْضَةَ بِهَا انْتِفَاعُ الْأَجْسَادِ وَبِالْمُخْتَصَرِ انْتِفَاعُ الْأَرْوَاحِ.
وَذِكْرُ الثِّمَارِ تَخْيِيلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ (فِي مَذْهَبِ إمَامِ أَئِمَّةِ دَارِ التَّنْزِيلِ) فِي مَذْهَبِ نَعْتٌ لِلْمُخْتَصَرِ الْمَذْكُورِ أَيْ الْكَائِنُ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرُ فِي مَذْهَبِ إمَامِ أَئِمَّةِ دَارِ التَّنْزِيلِ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ، وَالتَّنْزِيلُ: الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ،
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فِي مَذْهَبٍ] : هُوَ فِي الْأَصْلِ مَحَلُّ الذَّهَابِ كَالطَّرِيقِ الْمَحْسُوسَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَقَدْ شَبَّهَ الْأَحْكَامَ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا وَاعْتَقَدَهَا بِطَرِيقٍ يُوصِلُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا التَّوَصُّلُ لِلْمَقْصُودِ فِي كُلٍّ، عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] .
قَوْلُهُ: [أَئِمَّةِ] : جَمْعُ إمَامٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْمُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَلَوْ صَغِيرًا، وَأَصْلُ أَئِمَّةِ: أَأْمِمَةٍ نُقِلَتْ كَسْرَةُ الْمِيمِ الْأُولَى إلَى الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ الْمِيمُ فِي الْمِيمِ فَصَارَ أَئِمَّةٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ أَوْ بِتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (دَارِ التَّنْزِيلِ) : أَيْ الْقُرْآنِ لِنُزُولِ غَالِبِهِ بِهَا.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ] : أَيْ بِأَنْوَارِ الْمُصْطَفَى لِأَنَّهُ أَنَارَهَا حِسًّا وَمَعْنًى، وَلَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ أَنْهَاهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى تِسْعِينَ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْمَتْنُ وَالشَّرْحُ، مِنْهَا قُبَّةُ الْإِسْلَامِ، وَمَدِينَةُ الرَّسُولِ، وَطَيْبَةُ، وَطَابَةُ، وَالرَّاحِمَةُ، وَالْمَرْحُومَةُ، وَالْهَادِيَةُ، وَالْمَهْدِيَّةُ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِيَثْرِبَ فَمَكْرُوهٌ وَمَا فِي الْآيَةِ حِكَايَةٌ عَنْ الْمُنَافِقِينَ.
قَوْلُهُ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ غَيْمَانَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَوَّلَهُ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ابْنُ خُثَيْلٍ - بِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ أَوَّلُهُ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَيُقَالُ بِالْجِيمِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ - مِنْ ذِي أَصْبَحَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ فَهُوَ مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ وَعَادَةُ مُلُوكِهِمْ يَزِيدُونَ فِي الْعِلْمِ ذَا تَعْظِيمًا: أَيْ صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ. وَأُمُّ الْإِمَامِ اسْمُهَا الْعَالِيَةُ بِنْتُ شَرِيكٍ الْأَزْدِيَّةُ، وَقِيلَ طُلَيْحَةُ مَوْلَاةُ عَامِرٍ بِنْتُ مَعْمَرٍ، وَكَانَ أَبُو الْإِمَامِ وَجَدُّهُ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَجَدُّهُ مَالِكٌ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ حَمَلُوا عُثْمَانَ رضي الله عنه إلَى قَبْرِهِ لَيْلًا وَدَفَنُوهُ بِالْبَقِيعِ، وَأَبُوهُ أَبُو عَامِرٍ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْمَغَازِي كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَلَا بَدْرًا، وَالْإِمَامُ تَابِعُ التَّابِعِينَ وَقِيلَ تَابِعِيٌّ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ
وَإِذَا كَانَ إمَامَ أَئِمَّةِ الْمَدِينَةِ - مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِمْ - كَانَ إمَامًا لِغَيْرِهِمْ بِالْأَوْلَى. فَهُوَ إمَامُ الْأَئِمَّةِ لَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، بَلْ بِشَهَادَةِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ. يَحْكُمُ بِذَلِكَ كُلُّ مَنْ
ــ
[حاشية الصاوي]
عَائِشَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - وَقِيلَ بِصُحْبَتِهَا - وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ صَحَابِيَّةً. وَهُوَ عَالِمٌ الْمَدِينَةِ. لَمْ تُشَدَّ الرِّحَالُ لِعَالِمٍ بِهَا كَمَا شُدَّتْ لَهُ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَيْهِ. وَنَاهِيك مَا اُشْتُهِرَ: لَا يُفْتَى وَمَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ. رَوَى الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَلَا يَجِدُونَ أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» . وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظٍ: «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ» . وَيُرْوَى: «آبَاطَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَفْقَهَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» قَالَ سُفْيَانُ: كَانُوا يَرَوْنَهُ مَالِكًا. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: يَعْنِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ كَانُوا يَرَوْنَهُ: التَّابِعِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ. وَيُرْوَى: «لَا تَنْقَضِي السَّاعَةُ حَتَّى يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ» ، إلَخْ اُنْظُرْ (ح) . وَبِالْجُمْلَةِ مَتَى قِيلَ: هَذَا قَوْلُ عَالِمِ الْمَدِينَةِ، فَهُوَ الْمُرَادُ. وَفِي (ح) أَيْضًا: مَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا. وَالتَّحْنِيكُ فِي الْعِمَامَةِ شَأْنُ الْأَئِمَّةِ. وَعَنْ مَالِكٍ: جَالَسْت ابْنَ هُرْمُزَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً فِي عِلْمٍ لَمْ أَبُثَّهُ لِأَحَدٍ، وَمَذْهَبُهُ عُمْرِي؛ سَدُّ الْحِيَلِ وَاتِّقَاءُ الشُّبُهَاتِ. وَلَمْ يَعْتَزِلْ مَالِكِيٌّ قَطُّ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْغَرْبِ الْوَارِدُ بَقَاؤُهُمْ عَلَى الْحَقِّ. وَأَلَّفَ السُّيُوطِيّ كِتَابًا يُسَمَّى " تَزْيِينُ الْمَمَالِكِ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " أَثْبَتَ فِيهِ أَخْذَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْهُ. قَالَ: وَأَلَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ جُزْءًا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْهُ. بَلْ رَوَى عَنْ الْإِمَامِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَقْدَمُ وَفَاةً، كَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَهُمَا مِنْ شُيُوخِ مَالِكٍ وَأَخَذَا عَنْهُ، فَأَوْلَى قَرِينُهُ. وَمِنْ شُيُوخِ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ التَّابِعِينَ: نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَارِئُ؛ قَرَأَ عَلَيْهِ مَالِكٌ
كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (اقْتَصَرْت فِيهِ عَلَى أَرْجَحِ الْأَقَاوِيلِ) هَذَا نَعْتٌ لِكِتَابٍ؛ أَيْ كِتَابٌ اقْتَصَرْت فِيهِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمٍ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ عِنْدَ الْأَشْيَاخِ. فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ ذِكْرُ الْقَوْلَيْنِ إلَّا قَلِيلًا حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ لِأَحَدِهِمَا.
ــ
[حاشية الصاوي]
الْقُرْآنَ. وَرَوَى هُوَ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ غَيْرُ نَافِعٍ التَّابِعِيِّ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ. وَحَمَلَتْ بِالْإِمَامِ أُمُّهُ ثَلَاثَ سِنِينَ. وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ بِذِي الْمَرْوَةِ؛ مَوْضِعٌ مِنْ مَسَاجِدِ تَبُوكَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ يَوْمَ الْأَحَدِ لِتَمَامِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ. وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ وَعَلَيْهِ قُبَّةٌ، وَبِجَانِبِهِ قَبْرٌ لِنَافِعٍ؛ قِيلَ: نَافِعٌ الْقَارِئُ أَوْ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ. وَمَنَاقِبُهُ وَفَضْلُهُ أَظْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ رضي الله عنه وَعَنَّا بِهِ.
قَوْله: قَلْبٌ: أَيْ عَقْلٌ كَامِلٌ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ إلَخْ) : أَيْ صَغَى بِسَمْعِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ بِقَلْبِهِ لِمَا يُذْكَرُ مِنْ مَنَاقِبِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ اقْتِبَاسٌ مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. قَوْلُهُ:[أَرْجَحِ الْأَقَاوِيلِ] : أَيْ أَقْوَاهَا إنْ وُجِدَ رَاجِحٌ وَأَرْجَحُ، وَعَلَى الرَّاجِحِ إنْ وُجِدَ رَاجِحٌ وَمَرْجُوحٌ. فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِي كَلَامِهِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ دَائِمًا كَمَا يُفِيدُهُ حَلُّ الشَّارِحِ. وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ: مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَالْمَشْهُورُ: مَا كَثُرَ قَائِلُهُ. وَلَكِنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْأَرْجَحِ وَالرَّاجِحِ: الْقَوِيُّ وَالْأَقْوَى؛ إمَّا لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ أَوْ لِكَثْرَةِ قَائِلِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُلْتَزِمًا لِاصْطِلَاحَاتِ الْمُخْتَصَرِ.
مَسْأَلَةٌ: لِلْمُفْتِي إذَا اُسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا قَوْلَانِ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْتَفْتِيَ عَلَى أَيِّهِمَا.
وَقِيلَ: بَلْ يُخْبِرُهُ بِالْقَائِلَيْنِ، فَيُقَلِّدُ أَيَّهُمَا أَحَبَّ كَمَا لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً. وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلتَّرْجِيحِ، وَإِلَّا فَلْيُرَجِّحْ أَحَدَ الْأَقْوَالِ - اُنْظُرْ الْأُجْهُورِيَّ.
مَسْأَلَةٌ أُخْرَى - فِي الْحَطَّابِ: أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ مُجْتَهِدًا لَا يَضْمَنُ، وَمُقَلِّدًا يَضْمَنُ إنْ انْتَصَبَ أَوْ تَوَلَّى فِعْلَ مَا أَفْتَى بِهِ، وَإِلَّا - فَغُرُورٌ قَوْلِيٌّ لَا ضَمَانَ فِيهِ، وَيُزْجَرُ.
وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ، أُدِّبَ وَتَجُوزُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْفُتْيَا إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ. وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ تَقْدِيمُ الشَّاذِّ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ، وَالْأَشْيَاخُ عَلَى عَكْسِهِ.
(مُبَدِّلًا غَيْرَ الْمُعْتَمَدِ مِنْهُ بِهِ، مَعَ تَقْيِيدِ مَا أَطْلَقَهُ وَضِدِّهِ، لِلتَّسْهِيلِ) : مُبَدِّلًا، حَالٌ مِنْ فَاعِلِ اقْتَصَرْت، أَيْ حَالَ كَوْنِي مُبَدِّلًا غَيْرَ الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْمُخْتَصَرِ بِالْمُعْتَمَدِ، مَعَ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ الَّذِي أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ - وَحَقُّهُ التَّقْيِيدُ - وَمَعَ إطْلَاقِ مَا قَيَّدَهُ - وَحَقُّهُ الْإِطْلَاقُ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِي:(وَضِدِّهِ) . وَقَوْلُهُ: لِلتَّسْهِيلِ: عِلَّةٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْإِبْدَالِ وَمَا مَعَهُ. أَيْ فَعَلْت ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَسْهُلَ الْأَمْرُ عَلَى الطَّالِبِ الْمُسْتَفِيدِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَالتَّقْيِيدِ فِي مَحَلِّ الْإِطْلَاقِ - وَعَكْسُهُ - فِيهِ خَفَاءٌ وَصُعُوبَةٌ عَلَى الطَّالِبِ، لِإِيجَابِهِ اعْتِقَادَ خِلَافِ الْوَاقِعِ.
(وَسَمَّيْته: أَقْرَبَ الْمَسَالِكِ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ)
الْمَسَالِكُ جَمْعُ مَسْلَكٍ: أَيْ
ــ
[حاشية الصاوي]
مَسْأَلَةٌ أُخْرَى - فِي (شب) : أَنَّهُ يُمْتَنَعُ تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ. وَفَسَّرَهَا بِمَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ مِنْ مُخَالِفِ النَّصِّ وَجَلِيِّ الْقِيَاسِ. وَلِغَيْرِهِ: أَنَّ مَعْنَاهُ رَفْعُ مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ بِاتِّبَاعِ كُلِّ سَهْلٍ. وَفِيهِ أَيْضًا مَنْعُ التَّلْفِيقِ.
وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ عَنْ شَيْخِهِ الْعَدَوِيِّ عَنْ شَيْخِهِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُهُ، وَهُوَ فُسْحَةٌ. لَكِنْ لَا يَنْبَغِي فِعْلُهَا فِي النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي الْفُرُوجِ مَا لَا يُحْتَاطُ فِي غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: مُبْدِلًا: أَيْ مُعَوِّضًا.
قَوْلُهُ: غَيْرَ الْمُعْتَمَدِ: أَيْ غَيْرَ الْقَوِيِّ.
وَقَوْلُهُ: [بِهِ] : أَيْ بِالْمُعْتَمَدِ، بِمَعْنَى الْقَوِيِّ سَوَاءٌ كَانَتْ قُوَّتُهُ لِرُجْحَانِهِ أَوْ لِشُهْرَتِهِ - وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَصْلَ - الَّذِي هُوَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ - إذَا مَشَى عَلَى طَرِيقَةٍ قَالَ الْأَشْيَاخُ بِضَعْفِهَا، أَبْدَلَهَا مُصَنِّفُنَا بِمَا اعْتَمَدَتْهُ الْأَشْيَاخُ.
قَوْلُهُ: [مَعَ تَقْيِيدِ مَا أَطْلَقَهُ] إلَخْ: كَقَوْلِ الْمُخْتَصَرِ وَسُقُوطُهَا فِي صَلَاةٍ مُبْطِلٌ، فَهَذَا الْإِطْلَاقُ حَقُّهُ التَّقْيِيدُ بِشُرُوطٍ تَأْتِي، فَقَيَّدَهُ مُصَنِّفُنَا رضي الله عنه بِتِلْكَ الشُّرُوطِ وَقَوْلُهُ:[وَمَعَ إطْلَاقِ مَا قَيَّدَهُ] إلَخْ: كَقَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ: وَإِنْ عَجَزَ، مَا لَمْ يُطِلْ، فَحَقُّهُ - حَيْثُ كَانَ الْعَجْزُ حَقِيقِيًّا - الْإِطْلَاقُ، وَقَدْ أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ رضي الله عنه، وَهَكَذَا فَلْتَقِسْ.
قَوْلُهُ: [وَسَمَّيْته] إلَخْ: أَيْ وَضَعْت ذَلِكَ التَّرْكِيبَ اسْمًا لَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُؤَلِّفِينَ تَسْمِيَةَ أَنْفُسِهِمْ وَكُتُبِهِمْ لِأَجْلِ الرَّغْبَةِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُرْغَبُ فِيهِ، وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي [سَمَّيْته] : مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لَسَمَّى، وَ [أَقْرَبَ] : مَفْعُولُهُ الثَّانِي، وَمَادَّةُ التَّسْمِيَةِ تَارَةً
مَحَلُّ السُّلُوكِ أَيْ الذَّهَابُ، فَالْمَسْلَكُ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ فِيهِ. وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْكُتُبُ الْمُؤَلَّفَةُ فِي الْمَذْهَبِ. وَسَمَّاهُ بِذَلِكَ لِيُطَابِقَ الِاسْمُ الْمُسَمَّى؛ إذْ الْكُتُبُ الْمُؤَلَّفَةُ فِي الْمَذْهَبِ لَا تَخْلُو عَنْ صُعُوبَةٍ، وَهَذَا الْكِتَابُ سَهْلٌ مُنَقَّحٌ. وَيُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزٍ وَيَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزٍ وَقَوْلُهُ:(لِمَذْهَبِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسَالِكِ. (وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ إنَّهُ عَلِيٌّ
ــ
[حاشية الصاوي]
تَتَعَدَّى لِلثَّانِي بِنَفْسِهَا أَوْ بِالْبَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْكُتُبُ] : أَيْ فَقَدْ شَبَّهَ الْكُتُبَ الْمُؤَلَّفَةَ فِي الْمَذْهَبِ بِطُرُقٍ تُوصِلُ إلَى مَدِينَةٍ مَثَلًا، وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ. وَإِضَافَتُهَا لِلْمَذْهَبِ قَرِينَةٌ مَانِعَةٌ. وَلَك أَنْ تَجْعَلَ [فِي الْمَذْهَبِ] : بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ؛ اسْتِعَارَةً بِالْكِنَايَةِ، بِأَنْ يُقَالَ: شَبَّهَ مَذْهَبَ مَالِكٍ بِمَدِينَةٍ يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا بِطُرُقٍ عَدِيدَةٍ، وَطَوَى ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَرَمَزَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ - وَهُوَ الْمَسَالِكُ - عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَذِكْرُ الْمَسَائِلِ تَخْيِيلٌ.
قَوْلُهُ: [يُقَرِّبُ الْأَقْصَى] إلَخْ: مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ:
تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزٍ
…
وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزٍ
وَإِسْنَادُ التَّقْرِيبِ لِلْكِتَابِ: مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ الْإِسْنَادِ لِلسَّبَبِ. وَالْأَقْصَى صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ الْمَعْنَى الْأَبْعَدُ الَّذِي فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى الْبَعِيدُ. وَالْمُوجَزُ: الْمُخْتَصَرُ، وَالْبَسْطُ: التَّوْسِعَةُ. وَالْبَذْلُ: الْعَطَاء أَيْ الْمُعْطَى. وَالْوَعْدُ: مَا كَانَ بِخَيْرٍ ضِدُّ الْوَعِيدِ. وَالْمُنْجَزُ: الْمُبْرَمُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ شَبَّهَ كِتَابَهُ بِشَخْصٍ كَرِيمٍ ذِي عَطَايَا وَاسِعَةٍ يَعِدُ وَلَا يُخْلِفُ. وَطَوَى ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَرَمَزَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ وَهُوَ الْبَسْطُ وَالْبَذْلُ وَالْوَعْدُ، فَالْبَذْلُ تَخْيِيلٌ، وَالْبَسْطُ وَالْوَعْدُ تَرْشِيحَانِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ] : مَا مَصْدَرِيَّةٌ تُسْبَكُ مَعَ مَا بَعْدَهَا بِمَصْدَرٍ. وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَأَسْأَلُ اللَّهَ النَّفْعَ بِهِ نَفْعًا كَائِنًا كَالنَّفْعِ بِأَصْلِهِ. قَوْلُهُ: [إنَّهُ عَلِيٌّ] إلَخْ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ الْمُضَمَّنِ مَعْنَى التَّعْلِيلَ،
حَكِيمٌ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى النَّفْعَ بِهَذَا الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. وَالنَّفْعُ ضِدُّ الضُّرِّ. وَحَذَفَ الْمَعْمُولَ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ. أَيْ يَنْفَعُ بِهِ كُلَّ مَنْ قَرَأَهُ أَوْ كَتَبَهُ أَوْ حَصَّلَهُ، كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي هُوَ مُخْتَصَرُ الشَّيْخِ. وَاعْلَمْ أَنِّي مَتَى أَطْلَقْت لَفْظَ الشَّيْخِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَوْ أَتَيْت بِضَمِيرِ الْغَائِبِ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُصَنِّفُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
وَالْعَلِيُّ: الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ. وَالْحَكِيمُ: ذُو الْحِكْمَةِ وَالصُّنْعِ الَّذِي يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ، وَالرَّءُوفُ: شَدِيدُ الرَّحْمَةِ، وَالرَّحِيمُ: ذُو الرَّحْمَةِ. وَحِكْمَةُ تَوَسُّلِهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ: إفَادَتُهَا أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَغْرَاضِ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَحْكَامِ يُعْطِي مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَمِنْ غَيْرِ تَهَيُّؤِ الْعَبْدِ لِلْعَطَايَا يُعْطِي الْحِكَمَ؛ وَهِيَ الْعُلُومُ النَّافِعَةُ لِشِدَّةِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ] : هَذَا الْحَصْرُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: [إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ] إلَخْ.