الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ
(نَاقِضُ الْوُضُوءِ: إمَّا حَدَثٌ؛ وَهُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ فِي الصِّحَّةِ، مِنْ رِيحٍ وَغَائِطٍ وَبَوْلٍ وَمَذْيٍ وَوَدْيٍ وَمَنِيٍّ بِغَيْرِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ وَهَادٍ) : لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْوُضُوءِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ نَوَاقِضِهِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
[فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ]
[الْحَدَث]
فَصْلٌ قَوْلُهُ: [نَاقِضُ الْوُضُوءِ] : أَيْ مُبْطِلُ حُكْمِهِ مِمَّا كَانَ يُبَاحُ بِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ أَيْ يَنْتَهِي حُكْمُهُ، لَا أَنَّهُ بَطَلَ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ قَضَاءُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أُدِّيَتْ بِهِ (انْتَهَى) . وَيُسَمَّى مُوجِبَ الْوُضُوءِ أَيْضًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَتَعْبِيرُ ابْنِ الْحَاجِبِ " بِالنَّوَاقِضِ " أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ: " بِمَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ "؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَأَخِّرًا عَنْ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْمُوجِبِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ كَالْبُلُوغِ
وَالنَّاقِضُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: حَدَثٌ، وَسَبَبٌ، وَغَيْرُهُمَا.
وَعَرَّفَ الْحَدَثَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ) إلَخْ. وَقَوْلُهُ: (فِي الصِّحَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُعْتَادِ وَبَيَّنَ الْخَارِجَ الْمَذْكُورَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ رِيحٍ) إلَخْ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ
ــ
[حاشية الصاوي]
مَثَلًا، وَكَلَامُنَا فِيمَا كَانَ مُتَأَخِّرًا لَا مَا كَانَ مُتَقَدِّمًا، وَالْمُؤَلِّفُ لَمَّا أَرَادَ ذِكْرَ النَّوَاقِضِ مُتَأَخِّرَةً عَنْ الْوُضُوءِ نَاسَبَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهَا بِالنَّوَاقِضِ وَإِلَّا فَالتَّعْبِيرُ بِالْمُوجِبِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى السَّابِقِ، وَعَلَى الْمُتَأَخِّرِ، وَأَيْضًا فَالتَّعْبِيرُ بِالنَّقْضِ يُوهِمُ بُطْلَانَ الْعِبَادَةِ بِالْوُضُوءِ السَّابِقِ وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [إمَّا حَدَثٌ] : هُوَ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: [وَسَبَبٌ] : هُوَ مَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ بَلْ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْحَدَثِ.
قَوْلُهُ: [وَغَيْرُهُمَا] : أَيْ كَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ، وَالرِّدَّةِ. عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ: إنَّ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ دَاخِلٌ فِي الْأَحْدَاثِ، وَالشَّكَّ فِي السَّبَبِ دَاخِلٌ فِي الْأَسْبَابِ، بِأَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَدَثَ نَاقِضٌ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهُ، أَوْ الشَّكُّ فِيهِ. (انْتَهَى مِنْ الْحَاشِيَةِ) .
قَوْلُهُ: [مُتَعَلِّقٌ بِالْمُعْتَادِ] : أَيْ الَّذِي اُعْتِيدَ فِي الصِّحَّةِ خُرُوجُهُ، أَيْ مُتَعَلِّقًا بِالْخَارِجِ؛ وَإِلَّا لَاقْتَضَى عَدَمَ النَّقْضِ بِالْمُعْتَادِ إذَا خَرَجَ فِي الْمَرَضِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
كَذَا قِيلَ: وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهَا، فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ.
الْخَارِجَ الْمُعْتَادَ سَبْعَةٌ؛ سِتَّةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَوَاحِدٌ - وَهُوَ الْهَادِي - يَخْتَصُّ بِالْأُنْثَى، وَكُلُّهَا مِنْ الْقُبُلِ إلَّا الرِّيحَ وَالْغَائِطَ فَمِنْ الدُّبُرِ. فَقَوْلُهُ:(الْخَارِجُ) خَرَجَ عَنْهُ الدَّاخِلُ مِنْ أُصْبُعٍ أَوْ عُودٍ أَوْ حُقْنَةٍ فَلَا يَنْقُضُ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: (الْمُعْتَادُ) الْخَارِجُ الْغَيْرُ الْمُعْتَادِ كَالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْحَصَى وَالدُّودِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ:[مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ] مَا خَرَجَ مِنْ الْفَمِ أَوْ مِنْ ثُقْبَةٍ، عَلَى مَا سَيَأْتِي، أَوْ خُرُوجُ رِيحٍ أَوْ غَائِطٍ مِنْ الْقُبُلِ، أَوْ بَوْلٍ مِنْ الدُّبُرِ؛ فَلَا يَنْقُضُ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ:[فِي الصِّحَّةِ] مِنْ الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ عَلَى وَجْهِ الْمَرَضِ - وَهُوَ السَّلَسُ - عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَقَوْلُهُ: (وَمَنِيٍّ بِغَيْرِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ) أَيْ بِأَنْ كَانَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَصْلًا أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ أَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ فَأَمْنَى. وَأَمَّا مَا خَرَجَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ لَمْسٍ أَوْ فِكْرٍ فَمُوجِبٌ لِلْغُسْلِ. وَالْهَادِي: هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ وِلَادَتِهَا.
وَبَقِيَ مِنْ النَّوَاقِضِ أَمْرَانِ: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ، وَسَيَأْتِي إدْخَالُهُ فِي السَّلَسِ، -
ــ
[حاشية الصاوي]
وَالْمُرَادُ [بِالْمُعْتَادِ] مَا اُعْتِيدَ جِنْسُهُ. فَإِذَا خَرَجَ الْبَوْلُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ جِنْسَهُ مُعْتَادٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُعْتَادًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ حُقْنَةٌ] : هِيَ الدَّوَاءُ الَّذِي يُصَبُّ فِي الدُّبُرِ بِآلَةٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ الدَّوَاخِلِ ذَكَرُ الْبَالِغِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ فَإِنَّهُ يُوجِبُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُضُوءِ وَهُوَ غَسْلُ جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَالتَّعْرِيفُ إنَّمَا هُوَ لِلْحَدَثِ الْمُوجِبِ لِلطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَقَطْ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا لَيْسَ دَاخِلًا وَلَا خَارِجًا: الْقَرْقَرَةُ وَالْحَقْنُ الشَّدِيدَانِ؛ فَلَا يَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ إذَا تَمَّتْ مَعَهُمَا الْأَرْكَانُ. وَأَمَّا لَوْ مَنَعَا مِنْ الْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؛ كَمَا لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِعُسْرٍ فَقَدْ أَبْطَلَا الْوُضُوءَ. فَمَنْ حَصَرَهُ بَوْلٌ أَوْ رِيحٌ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَصْلًا أَوْ يَأْتِي بِهِ مَعَ عُسْرٍ كَانَ وُضُوءُهُ بَاطِلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ حَقِيقَةً فَهُوَ خَارِجٌ حُكْمًا. (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ تَبَعًا لِتَقْرِيرِ الْعَلَّامَةِ الْعَدَوِيِّ) .
قَوْلُهُ: [بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَصْلًا] : أَيْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ، وَإِلَّا فَحُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ] : أَيْ مَا لَمْ يُحِسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ فَيَسْتَدِيمُ حَتَّى يُنْزِلَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَالْهَادِي] : أَيْ فَهُوَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ عَلَى خِلَافِ مَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَا وَالْأَظْهَرُ نَفْيُهُ.
قَوْلُهُ: [دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ] : أَيْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ لِجَرَيَانِهِ عَلَى صُوَرِ السَّلَسِ.
وَخُرُوجُ مَنِيِّ الرَّجُلِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ أَنْ اغْتَسَلَتْ.
(لَا حَصًى وَدُودٌ وَلَوْ مَعَ أَذًى) : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى (وَهُوَ الْخَارِجُ) وَهُوَ مُحْتَرَزُ (الْمُعْتَادُ) فَلَيْسَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحَدَثٍ فَلَا يَنْقُضُ، وَلَوْ خَرَجَ مَعَ كُلٍّ أَذًى، أَيْ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْأَذَى تَابِعٌ لِخُرُوجِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ. وَمِثْلُهُمَا الدَّمُ وَالْقَيْحُ. كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ بِشَرْطِ خُرُوجِهِمَا خَالِصَيْنِ مِنْ الْأَذَى، كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّأْنَ فِي الْحَصَى وَالدُّودِ عَدَمُ خُلُوصِهِمَا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِهِمَا مُطْلَقًا كَالْحَصَى وَالدُّودِ.
(وَلَا مِنْ ثُقْبَةٍ إلَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَانْسَدَّا) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: (مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ) .
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَخُرُوجُ مَنِيِّ الرَّجُلِ] إلَخْ: حَيْثُ دَخَلَ بِجِمَاعٍ لَا بِغَيْرِهِ فَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، لِقَوْلِ الْخَرَشِيِّ وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ فَرْجَهَا بِلَا وَطْءٍ ثُمَّ خَرَجَ فَلَا يَكُونُ نَاقِضًا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: [لَا حَصًى وَدُودٍ] : أَيْ الْمُتَخَلِّقَانِ فِي الْبَطْنِ. وَأَمَّا لَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ دُودَةً فَنَزَلَتْ بِصِفَتِهَا فَالنَّقْضُ وَلَوْ كَانَا خَالِصَيْنِ مِنْ الْأَذَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ خَرَجَ مَعَ كُلِّ أَذًى] : أَيْ وَلَوْ كَثُرَ الْأَذَى مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ فِي الْكَثْرَةِ، وَإِلَّا نَقَضَ كَمَا قَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ. تَنْبِيهٌ:
يُعْفَى عَمَّا خَرَجَ مِنْ الْأَذَى مَعَ الْحَصَى وَالدُّودِ إنْ كَانَ مُسْتَنْكِحًا بِأَنْ كَانَ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ إنْ كَثُرَ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ. وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ:
قُلْ لِلْفَقِيهِ وَلَا تُخْجِلْكَ هَيْبَتُهُ
…
شَيْءٌ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ قَدْ عَرَضَا
فَأَوْجَبَ الْقَطْعَ وَاسْتَنْجَى الْمُصَلِّي لَهُ
…
لَكِنْ بِهِ الطُّهْرُ يَا مَوْلَايَ مَا انْتَقَضَا
قَوْلُهُ: [وَلَا مِنْ ثُقْبَةٍ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الصُّوَرَ تِسْعٌ؛ لِأَنَّ الثُّقْبَةَ إمَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ أَوْ فِي نَفْسِ الْمَعِدَةِ، وَهِيَ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ إلَى مُنْخَسَفِ الصَّدْرِ، فَالسُّرَّةُ مِمَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَوْ فَوْقَهَا بِأَنْ كَانَتْ فِي الصَّدْرِ. وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ أَوْ يَنْفَتِحَا، أَوْ يَنْسَدَّ أَحَدُهُمَا وَيَنْفَتِحَ الْآخَرُ. فَالنَّقْضُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ: وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَانْسَدَّا وَلَا نَقْضَ وَالْبَاقِي. وَلَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَمُقْتَضَى النَّظَرِ فِي انْسِدَادِ أَحَدِهِمَا نَقْضُ خَارِجِهِ مِنْهَا، وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَدُمْ الِانْسِدَادُ وَتُعْتَادُ الثُّقْبَةُ فَتَنْقُضُ وَلَوْ فَوْقَ الْمَعِدَةِ بِالْأَوْلَى مِنْ نَقْضِهِمْ بِالْفَمِ إذَا اُعْتِيدَ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّهُ مُعْتَادٌ لِبَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ كَالتِّمْسَاحِ (وَاهٍ اهـ) .
قَوْلُهُ: [إلَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ] إلَخْ: الْمُسْتَثْنَى صُورَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ التِّسْعِ.
فَإِذَا خَرَجَ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ أَوْ رِيحٌ مِنْ ثُقْبَةٍ فَوْقَ الْمَعِدَةِ لَمْ يَنْقُضْ، انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ لَا. الْمُرَادُ بِالْمَعِدَةِ: الْكُرْشُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ الطَّعَامُ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَمُسْتَقَرُّهَا فَوْقَ السُّرَّةِ. بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ ثُقْبَةٍ تَحْتَهَا فَإِنَّهُ يَنْقُضُ بِشَرْطِ انْسِدَادِ الْمَخْرَجَيْنِ، لِأَنَّ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ لَمَّا انْحَدَرَ مِنْ الْمَعِدَةِ إلَى الْأَمْعَاءِ - أَيْ الْمَصَارِينِ - صَارَ الْخَارِجُ مِنْ الثُّقْبَةِ الَّتِي تَحْتَ الْمَعِدَةِ عِنْدَ انْسِدَادِ الْمَخْرَجَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجِ مِنْ نَفْسِ الْمَخْرَجَيْنِ. وَأَمَّا عِنْدَ انْفِتَاحِهِمَا وَنُزُولِ الْخَارِجِ مِنْهُمَا عَلَى الْعَادَةِ لَمْ يَكُنْ الْخَارِجُ مِنْ الثُّقْبَةِ مُعْتَادًا فَلَمْ يَنْقُضْ.
(وَلَا سَلَسٍ لَازَمَ نِصْفَ الزَّمَنِ فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا نَقَضَ) : هَذَا مُحْتَرَزٌ (فِي الصِّحَّةِ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ: خَارِجٌ مُعْتَادٌ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، فَخَرَجَ السَّلَسُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فَلَا يَنْقُضُ إنْ لَازَمَ نِصْفَ زَمَنِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ أَكْثَرَ، فَأَوْلَى فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِمُلَازَمَتِهِ كُلَّ الزَّمَنِ. لَكِنْ يُنْدَبُ الْوُضُوءُ إذَا لَمْ يَعُمَّ الزَّمَنَ وَسَوَاءٌ كَانَ السَّلَسُ وَهُوَ مَا -
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَمُسْتَقَرُّهَا فَوْقَ السُّرَّةِ] : أَيْ وَالسُّرَّةُ مِمَّا تَحْتَ الْمَعِدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا عِنْدَ انْفِتَاحِهِمَا] إلَخْ: وَقَدْ عَلِمْت مَا إذَا انْسَدَّ أَحَدُهُمَا وَكَانَ الْخَارِجُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنَّقْضِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ وَقَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [وَلَا سَلَسٌ] : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: [لَا حَصًى] . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ صُوَرُهُ أَرْبَعٌ: تَارَةً يُلَازِمُ كُلَّ الزَّمَانِ، وَهَذِهِ لَا نَقْضَ فِيهَا وَلَا يُنْدَبُ فِيهَا وُضُوءٌ. وَتَارَةً يُلَازِمُ جُلَّ الزَّمَانِ أَوْ نِصْفَ الزَّمَانِ وَهَاتَانِ لَا نَقْضَ فِيهِمَا وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَتَارَةً يُلَازِمُ أَقَلَّ الزَّمَانِ وَهَذِهِ يَجِبُ فِيهِ الْوُضُوءُ. وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ:[وَلَا سَلَسٌ لَازَمَ نِصْفَ الزَّمَانِ فَأَكْثَرَ] . وَالرَّابِعَةُ هِيَ قَوْلُهُ: [وَإِلَّا نَقَضَ] .
قَوْلُهُ: [أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ] : وَهِيَ مِنْ الزَّوَالِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ فِي خَلِيلٍ خَلِيلٍ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ جَمَاعَةَ وَمُخْتَارُ ابْنِ هَارُونَ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَالشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ. وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ تَقُولُ: الْمُرَادُ جَمِيعُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْبُرْزُلِيِّ وَمُخْتَارُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ،
يَسِيلُ بِنَفْسِهِ لِانْحِرَافِ الطَّبِيعَةِ بَوْلًا أَوْ رِيحًا أَوْ غَائِطًا أَوْ مَذْيًا. وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْضَبِطْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّدَاوِي، فَإِنْ انْضَبَطَ بِأَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ آخِرَ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِآخِرِهِ، أَوْ يَنْقَطِعُ أَوَّلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهَا، هَكَذَا قَيَّدَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ. وَكَذَا إذَا قَدَرَ عَلَى التَّدَاوِي وَجَبَ عَلَيْهِ التَّدَاوِي، وَاغْتُفِرَ لَهُ أَيَّامَهُ. إلَّا أَنَّ هَذَا خَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْمَذْي إذَا كَانَ لِعُزُوبَةٍ بِلَا تَذَكُّرٍ. وَأَمَّا لِتَذَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ - بِأَنْ كَانَ كُلَّمَا تَذَكَّرَ أَوْ نَظَرَ أَمْذَى - وَاسْتَدَامَ عَلَيْهِ التَّذَكُّرُ، فَإِنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا وَلَوْ لَازَمَ كُلَّ الزَّمَنِ. فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُزُوبَةٍ بَلْ لِمَرَضٍ أَوْ انْحِرَافِ طَبِيعَةٍ فَهُوَ كَغَيْرِهِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ التَّدَاوِي. وَمِنْ السَّلَسِ: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ، فَإِنْ لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا. -
ــ
[حاشية الصاوي]
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ مِائَتَانِ وَسِتُّونَ دَرَجَةً وَغَيْرَ أَوْقَاتِهَا مِائَةُ دَرَجَةٍ، فَأَتَاهُ السَّلَسُ فِيهَا وَفِي مِائَةٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ. فَعَلَى الْأُولَى يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِمُفَارِقَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَانِ لَا عَلَى الثَّانِيَةِ لِمُلَازِمَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَانِ. فَإِنْ لَازَمَهُ وَقْتَ صَلَاةٍ فَقَطْ نَقَضَ وَصَلَّاهَا قَضَاءً أَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ فِيمَنْ يَطُولُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ.
قَوْلُهُ: [بَعْضُ الْفُضَلَاءِ] : هُوَ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَنُوفِيُّ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا] : قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَلَيْسَ مِنْهُ مَذْيٌ مِنْ كُلَّمَا نَظَرَ أَمَذَى بِلَذَّةٍ خِلَافًا لِمَا فِي الْخَرَشِيِّ، بَلْ هَذَا يَنْقُضُ. إنَّمَا السَّلَسُ مَذْيٌ مُسْتَرْسِلٌ، نَظَرَ أَمْ لَا؛ لِطُولِ عُزُوبَةٍ مَثَلًا أَوْ اخْتِلَالِ مِزَاجٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ فِيهِ التَّدَاوِي] : أَيْ لَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ بِالتَّدَاوِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّدَاوِي.
غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِيهِ الصُّوَرَ الْأَرْبَعَ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِمْ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهِ لَا يُغْتَفَرُ لَهُ إلَّا مُدَّةُ التَّدَاوِي، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَنَا صُوَرًا ثَلَاثًا: الْأُولَى: مَا إذَا كَانَ سَلَسُ الْمَذْيِ لِبُرُودَةٍ أَوْ عِلَّةٍ كَاخْتِلَالِ مِزَاجٍ، فَهَذِهِ لَا يَجِبُ فِيهَا الْوُضُوءُ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ أَمْ لَا إلَّا إذَا فَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَانِ. الثَّانِيَةُ: مَا إذَا كَانَ لِعُزُوبَةٍ مَعَ تَذَكُّرٍ بِأَنْ اسْتَنْكَحَهُ، وَصَارَ مَهْمَا نَظَرَ أَوْ سَمِعَ أَوْ تَفَكَّرَ أَمَذَى بِلَذَّةٍ. الثَّالِثَةُ: مَا إذَا كَانَ لِطُولِ، عُزُوبَةٍ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ وَتَفَكُّرٍ بَلْ صَارَ الْمَذْيُ مِنْ أَجْلِ طُولِ الْعُزُوبَةِ نَازِلًا مُسْتَرْسِلًا نَظَرَ أَوْ لَا، تَفَكَّرَ أَوْ لَا، وَالْأَوْلَى مِنْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ يَجِبُ فِيهَا الْوُضُوءُ مُطْلَقًا قَدَر عَلَى رَفْعِهِ أَمْ لَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ،