الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِيهِ غَيْرُهُ، وَمَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ عَالِمٍ) هَذِهِ الْأَحْكَامُ هِيَ الَّتِي أَشَارَ لَهَا الشَّيْخُ رحمه الله فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ:" وَلَا يُصَلَّى بِلِبَاسِ كَافِرٍ إلَخْ "، أَخَّرْتهَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهَا وَتَقْدِيمُهَا فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ ذِكْرٌ لَهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا. وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ قُدِّمَ الْغَالِبُ، فَإِنَّ الْأَصْلَ - فِيمَا ذُكِرَ - الطَّهَارَةُ، وَالْغَالِبُ النَّجَاسَةُ، وَقَوْلِي:(وَلَا يُصَلَّى بِمَا غَلَبَتْ أَيْ: النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ) إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ هِيَ: كُلُّ مَا غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ فَلَا يُصَلَّى بِهِ. وَقَوْلُهُ: (كَثَوْبِ كَافِرٍ) إلَخْ أَمْثِلَةٌ لِبَعْضِ مَا صَدَقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ. وَالشَّيْخُ إنَّمَا ذَكَرَ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ دُونَ الْقَاعِدَةِ فَلِبَاسُ الْكَافِرِ لَا يُصَلَّى بِهِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْكَافِرِ عَدَمُ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ نَسْجِهِ، فَإِنَّ الشَّأْنَ فِيهِ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ. وَالسِّكِّيرُ - أَيْ: كَثِيرُ السُّكْرِ - كَالْكَافِرِ. وَ (الْكَنَّافِ) : الَّذِي شَأْنُهُ نَزْحُ الْأَكْنِفَةِ. وَ (غَيْرِ الْمُصَلِّي) : يَشْمَلُ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ وَالرِّجَالَ الَّذِينَ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُمْ عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنْ النَّجَاسَةِ " وَالثَّوْبُ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ غَيْرُ مُرِيدِ الصَّلَاةِ لَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ مَا ذُكِرَ. وَأَمَّا مَا يَنَامُ فِيهِ هُوَ فَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ. وَكَذَا مَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ الْعَالِمِ بِأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ كَالْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ لَا يُصَلَّى بِهِ، بِخِلَافِ نَحْوِ عِمَامَتِهِ وَرِدَائِهِ، وَبِخِلَافِ مُحَاذِي فَرْجِ الْعَالِمِ بِالِاسْتِبْرَاءِ وَأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ.
وَلَمَّا كَانَ بَعْضُ النَّجَاسَةِ يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ كَسَلَسٍ
ــ
[حاشية الصاوي]
ب ن) . وَهُوَ خِلَافُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٍ مِنْ اسْتِثْنَائِهِ ثِيَابَ الرَّأْسِ وَمَا قَارَبَهَا.
قَوْلُهُ: [وَمَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ عَالِمٍ] : مِنْ ذَلِكَ فُوَطُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ يَدْخُلُهُ عُمُومُ النَّاسِ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْجَسَدِ مِنْهَا لِلْحَرَجِ نَعَمْ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْوَطُ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُتَحَفِّظُونَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ نَسْجِهِ] : وَكَذَا سَائِرُ صَنَائِعِهِ فَيُحْمَلُونَ فِيهَا عَلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الشَّكِّ، وَلَوْ صَنَعَهَا بِبَيْتِ نَفْسِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا صَنَعَهُ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُفِيدُهُ الْبُرْزُلِيُّ.
قَوْلُهُ: [كَالْكَافِرِ] إلَخْ: هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ الرَّدَّ عَلَى مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [غَيْرُ مُرِيدِ الصَّلَاةِ] : أَيْ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، بِأَنْ أَرَادَ شَخْصٌ الصَّلَاةَ فِي فِرَاشِ نَوْمِ غَيْرِهِ.
[المعفو عَنْهُ مِنْ النَّجَاسَة]
[تَنْبِيه سَبَب الْعَفْو عَنْ الدَّم وقيد لِلْعَفْوِ عَنْ الطِّين]
قَوْلُهُ
لَازِمٍ) يُعْفَى عَنْ كُلِّ مَا يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ لِأَنَّ مَا يُعْفَى عَنْهُ إذَا حَلَّ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ نَجَّسَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ. وَلَمَّا كَانَ أَخْذُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ الْأَذْهَانِ، صَرَّحَ بِبَعْضِ جُزْئِيَّاتٍ لِلْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ:(كَسَلَسٍ إلَخْ.) وَالْمُرَادُ بِالسَّلَسِ: مَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ الْأَحْدَاثِ كَالْبَوْلِ وَالْمَذْيِ
ــ
[حاشية الصاوي]
يُعْفَى عَنْ كُلِّ مَا يَعْسُرُ] : أَخَذَ الْكُلِّيَّةَ مِنْ لَفْظِ [مَا] لِأَنَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ. وَمَعْنَى يَعْسُرُ: يَشُقُّ.
قَوْلُهُ: [إذَا حَلَّ بِطَعَامٍ] إلَخْ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَائِعَ وَمَا فِي حُكْمِهِ يَنْجُسُ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ؛ أَيُّ نَجَاسَةٍ كَانَتْ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلدَّوَاءِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ] : اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: [وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ] . وَمَعْنَى الْقَاعِدَةِ الضَّابِطُ الْكُلِّيُّ الَّذِي انْدَرَجَ تَحْتَهُ الْجُزْئِيَّاتُ، وَقَالُوا فِي تَعْرِيفِهَا: قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ يُتَعَرَّفُ مِنْهَا أَحْكَامُ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا، فَالْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ هُنَا هِيَ:" كُلُّ مَا يَعْسُرُ يُعْفَى عَنْهُ ". فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ " كُلُّ " جَمِيعُ الْجُزْئِيَّاتِ الْآتِيَةِ وَغَيْرُهَا. وَضَابِطُ اسْتِخْرَاجِهَا أَنْ يُؤْتَى بِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ يَجْعَلُ مَوْضُوعَ صُغْرَاهُ جُزْئِيًّا مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْقَاعِدَةِ، وَمَحْمُولَهَا مَوْضُوعُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَتَجْعَلُهُ الْحَدَّ الْمُكَرَّرَ، وَتَجْعَلُ مَحْمُولَ كُبْرَاهُ مَحْمُولَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ، وَتَحْذِفُ الْحَدَّ الْمُكَرَّرَ يَنْتُجُ الْمَقْصُودُ وَمَسَاقُهُ هَكَذَا: السَّلَسُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَيَنْتُجُ: السَّلَسُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ " إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ "، " وَعِنْدَ الضَّرُورَاتِ تُبَاحُ الْمَحْظُورَاتُ ". قَالَ تَعَالَى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .
فَرْعٌ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا عُفِيَ عَنْ الْأَحْدَاثِ فِي حَقِّ صَاحِبِهَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا شَرْعًا، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْعَفْوِ الضَّرُورَةُ وَلَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِهِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ صَلَاةِ صَاحِبِهَا إمَامًا بِغَيْرِهِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَجُوزُ، وَعَلَى الثَّانِي تُكْرَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِالْبُطْلَانِ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ صَاحِبَ السَّلَسِ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِلْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي حَقِّهِ، وَصَحَّتْ صَلَاةُ
وَالْمَنِيِّ وَالْغَائِطِ يَسِيلُ مِنْ الْمَخْرَجِ بِنَفْسِهِ، فَيُعْفَى عَنْهُ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ لِلضَّرُورَةِ إذَا لَازَمَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُلَازَمَةِ هُنَا مَا يَأْتِي فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. (وَبَلَلِ بَاسُورٍ وَثَوْبٍ كَمُرْضِعٍ تَجْتَهِدُ) أَيْ: يُعْفَى عَنْ بَلَلِ الْبَاسُورِ يُصِيبُ الْبَدَنَ أَوْ الثَّوْبَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً. وَأَمَّا الْيَدُ فَلَا يُعْفَى عَنْ غَسْلِهَا إلَّا إذَا كَثُرَ الرَّدُّ بِهَا، بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا يَشُقُّ غَسْلُهَا كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ. وَيُعْفَى عَنْ ثَوْبِ الْمُرْضِعَةِ أَوْ جَسَدِهَا يُصِيبُهُ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ مِنْ الطِّفْلِ سَوَاءٌ كَانَتْ أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا، إذَا كَانَتْ تَجْتَهِدُ فِي دَرْءِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا حَالَ نُزُولِهَا، بِخِلَافِ
ــ
[حاشية الصاوي]
مَنْ ائْتَمَّ بِهِ لِأَنَّ صَلَاتَهُ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاتِهِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ] : أَيْ وَلَا يُسَنُّ. مِمَّا أَصَابَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالْمَكَانَ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ التَّحَوُّلُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الْمُرَادُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ مَا هُنَا مِنْ بَابِ الْأَخْبَاثِ وَذَاكَ مِنْ بَابِ الْأَحْدَاثِ. وَالْأَخْبَاثُ أَسْهَلُ مِنْ الْأَحْدَاثِ فَلِذَلِكَ شُدِّدَ فِي الْأَحْدَاثِ فِيمَا يَأْتِي، فَقَالُوا: لَا يُعْفَى عَنْهُ إلَّا إذَا لَازَمَ كُلَّ الزَّمَانِ أَوْ جُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَلَا يُوجِبُ غَسْلًا لِلنَّجَاسَةِ، وَإِنْ لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَانِ نُقِضَ مَعَ الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ إنْ لَازَمَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً.
قَوْلُهُ: وَبَلَلِ بَاسُورٍ: جَمْعُهُ بَوَاسِيرُ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّابِتُ دَاخِلَ مَخْرَجِ الْغَائِطِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ بُلُولَةُ النَّجَاسَةِ، وَفِي عب الظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَ الصَّرْمِ كَالْبَاسُورِ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ إلَخْ] : وَقِيلَ بَلْ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَمِثْلُ الْيَدِ الْخِرْقَةُ الَّتِي يَرُدُّ بِهَا.
قَوْلُهُ: [كَالثَّوْبِ] : أَيْ الْمَلْبُوسِ لَا الَّتِي يَرُدُّ بِهَا فَإِنَّهَا كَالْيَدِ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [عَنْ ثَوْبِ الْمُرْضِعَةِ] إلَخْ: أَيْ لِإِمْكَانِهَا فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ إنْ أَمْكَنَهَا التَّحَوُّلُ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرُهَا] : أَيْ إنْ احْتَاجَتْ لِلْإِرْضَاعِ لِفَقْرِهَا أَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْوَلَدُ غَيْرَهَا، وَإِلَّا فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهَا خِلَافًا لِلْمَشَذَّالِيِّ فِي جَعْلِهَا كَالْأُمِّ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ:[تَجْتَهِدُ] قَيْدٌ فِي الْمُرْضِعَةِ مُطْلَقًا أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا، فَإِذَا اجْتَهَدَتْ وَأَصَابَهَا شَيْءٌ عُفِيَ عَنْهُ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهَا غَسْلُهُ إنْ تَفَاحَشَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا غَسْلُ
الْمُفَرِّطَةِ. وَدَخَلَ الْجَزَّارُ وَالْكَنَّافُ وَالطَّبِيبُ الَّذِي يُزَاوِلُ الْجُرُوحَ تَحْتَ الْكَافِ. وَنُدِبَ لَهَا وَلِمَنْ أُلْحِقَ بِهَا اسْتِعْدَادُ ثَوْبٍ لِلصَّلَاةِ.
(وَقَدْرِ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ) : أَيْ: يُعْفَى عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ وَهُوَ الدَّائِرَةُ السَّوْدَاءُ الْكَائِنَةُ فِي ذِرَاعِ الْبَغْلِ فَدُونَ. وَقَوْلُ الشَّيْخِ: وَ " دُونَ دِرْهَمٍ " الْمُفِيدُ أَنَّ مَا كَانَ قَدْرَ
ــ
[حاشية الصاوي]
مَا أَصَابَهَا مِنْ بَوْلِهِ أَوْ عَذِرَتِهِ وَلَوْ رَأَتْهُ، خِلَافًا لِابْنِ فَرْحُونٍ الْقَائِلِ بِأَنَّ مَا رَأَتْهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ.
قَوْلُهُ: [وَدَخَلَ الْجَزَّارُ] إلَخْ: أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُمْ إنْ اجْتَهَدُوا كَالْمُرْضِعَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلِمَنْ أُلْحِقَ بِهَا] : أَيْ مِمَّنْ دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ. وَأَمَّا صَاحِبُ السَّلَسِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إعْدَادُ ثَوْبٍ لِعَدَمِ ضَبْطِهِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْرُ دِرْهَمٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ مَخْلُوطًا بِمَاءٍ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا. نَعَمْ إنْ خَالَطَهُ نَجِسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ انْتَفَى الْعَفْوُ. وَخَالَفَتْ الشَّافِعِيَّةُ؛ فَعِنْدَهُمْ نِصْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا مِنْ دَمٍ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ قَدْرُ نِصْفِهِ مَاءً طَهُورًا لَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّ الدَّمَ نَجَّسَ الْمَاءَ، وَإِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ عَيْنِ الدَّمِ النَّجِسِ مَا زَالَ مَعْفُوًّا عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا يُسْتَغْرَبُ. وَقَدْ يُلْغَزُ بِهِ، وَقَدْ قُلْت فِي ذَلِكَ:
حَيِّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ وَقُلْ لَهُ
…
مَا ذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي يُسْتَغْرَبُ
نَجِسٌ عَفُوًّا عَنْهُ فَلَوْ خَالَطَهُ
…
نَجِسٌ طَرَا فَالْعَفْوُ بَاقٍ يَصْحَبُ
وَإِذَا طَرَا بَدَلَ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ
…
لَا عَفْوَ يَا أَهْلَ الذَّكَاءِ تَعْجَبُوا
، (شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . وَأَمَّا لَوْ صَارَ بِسَبَبِ الْمَائِعِ زَائِدًا عَلَى دِرْهَمٍ فَلَا عَفْوَ. وَالْعَفْوُ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ. وَقِيلَ اغْتِفَارُهُ مَقْصُورٌ عَلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا تُقْطَعُ لِأَجْلِهِ إذَا ذَكَرَهُ فِيهَا، وَلَا يُعِيدُ. وَأَمَّا إذَا رَآهُ خَارِجَهَا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ. هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ، فَقِيلَ: نَدْبًا، وَقِيلَ: وُجُوبًا وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الدَّائِرَةُ] : أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمِسَاحَةُ لَا الْكَمِّيَّةَ، أَيْ فَالْعِبْرَةُ بِقَدْرِهِ فِي الْمِسَاحَةِ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ فِي الْكَمِّيَّةِ كَنُقْطَةٍ مِنْ الدَّمِ ثَخِينَةٍ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
الدِّرْهَمِ لَا يُعْفَى عَنْهُ، ضَعِيفٌ. وَسَوَاءٌ كَانَ مَا ذُكِرَ مِنْ الدَّمِ وَمَا بَعْدَهُ أَصَابَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ - وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ - بِثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ مَكَان، كَمَا يُفِيدُهُ إطْلَاقُ عِبَارَتِهِ. وَصَرَّحَ الشَّيْخُ بِالْإِطْلَاقِ لَكِنْ قَدَّمَهُ عَلَى الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَالْأَوْلَى لَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُمَا.
(وَفَضْلَةِ دَوَابَّ لِمَنْ يُزَاوِلُهَا) أَيْ: أَنَّ فَضْلَةَ الدَّوَابِّ مِنْ بَوْلٍ أَوْ رَوْثٍ - سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّوَابُّ خَيْلًا أَوْ حَمِيرًا أَوْ بِغَالًا - إذَا أَصَابَتْ ثَوْبًا أَوْ بَدَنًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُزَاوِلَهَا بِالرَّعْيِ أَوْ الْعَلَفِ أَوْ الرَّبْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - يُعْفَى عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ لِمَنْ شَأْنُهُ مُزَاوَلَتُهَا. لَوْ أُمِرَ بِالْغَسْلِ كُلَّمَا أَصَابَتْهُ فَلَا مَفْهُومَ لِلْقُيُودِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: " وَبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بِأَرْضِ حَرْبٍ ".
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [ضَعِيفٌ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا ثَلَاثُ طُرُقٍ، الْأُولَى: أَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا، وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا، وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَايَتَانِ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْعَفْوِ. وَالثَّانِيَةُ: مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالدِّرْهَمُ وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَصَاحِبِ الْإِرْشَادِ. تَنْبِيهٌ:
إنَّمَا اخْتَصَّ الْعَفْوُ بِالدَّمِ وَمَا مَعَهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو عَنْهُ، فَهُوَ كَالْقِرْبَةِ الْمَمْلُوءَةِ بِالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، فَالِاحْتِرَازُ عَنْ يَسِيرِهِ عُسْرٌ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ. وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ اغْتِفَارِ مِثْلِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْبَوْلِ ضَعِيفٌ. نَعَمْ أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْمَعْفُوَّاتِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ بَوْلِ الطَّرَقَاتِ إذَا لَمْ يُتَبَيَّنْ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ، أَوْ خُفٍّ مِثْلِ أَنْ تَزِلَّ الرِّجْلُ مِنْ النَّعْلِ وَهِيَ مَبْلُولَةٌ فَيُصِيبَهَا مِنْ الْغُبَارِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مُخَالَطَةُ الْبَوْلِ لَهُ إذْ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. (انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [فَلَا مَفْهُومَ لِلْقُيُودِ] : أَيْ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ: بَوْلٌ وَفَرْثٌ وَغَازٌ وَأَرْضُ الْحَرْبِ. لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ. وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَانَى الدَّوَابَّ يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ مِنْ بَوْلِهَا وَأَرْوَاثِهَا، كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ بِأَرْضِ حَرْبٍ أَوْ غَيْرِهَا. غَايَةُ
(وَأَثَرِ ذُبَابٍ مِنْ نَجَاسَةٍ وَدَمِ حِجَامَةٍ مُسِحَ حَتَّى يَبْرَأَ) أَيْ: يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الذُّبَابِ يَقَعُ عَلَى الْعَذِرَةِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ الدَّمِ بِأَرْجُلِهِ أَوْ فَمِهِ، ثُمَّ يَطِيرُ وَيَحُطُّ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ. فَقَوْلُنَا:(مِنْ نَجَاسَةٍ) بَيَانٌ لِأَثَرٍ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ " مِنْ عَذِرَةٍ " إذْ لَا مَفْهُومَ لَهَا. وَمِثْلُ الذُّبَابِ النَّامُوسُ، أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ النَّامُوسَ. وَالْعَامَّةُ تَقْلِبُ الْبَاءَ الْأَخِيرَةَ نُونًا وَيُشَدِّدُونَ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الْحِجَامَةِ إذَا مُسِحَ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا إلَى أَنْ يَبْرَأَ الْمُحَالُ لِمَشَقَّةِ غَسْلِهِ قَبْلَ بُرْءِ الْجُرْحِ. فَإِذَا بَرَأَ غُسِلَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، أَيْ وُجُوبًا أَوْ اسْتِنَانًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ الْخِلَافِ. (وَطِينٍ كَمَطَرٍ وَمَائِهِ مُخْتَلِطًا بِنَجَاسَةٍ مَا دَامَ طَرِيًّا فِي الطُّرُقِ وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِ نُزُولِهِ، إلَّا أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ أَوْ تُصِيبَ عَيْنُهَا) : يُعْفَى عَنْ طِينِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ كَطِينِ الرَّشِّ وَمُسْتَنْقَعِ الطُّرُقِ. وَكَذَا يُعْفَى عَنْ مَاءِ الْمَطَرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ حَالَ كَوْنِ مَا ذُكِرَ مِنْ الطِّينِ أَوْ الْمَاءِ مُخْتَلِفًا بِنَجَاسَةٍ، وَإِلَّا فَلَا مَحَلَّ لِلْعَفْوِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَذِرَةً أَوْ
ــ
[حاشية الصاوي]
مَا هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْقُيُودُ الْأَرْبَعَةُ فَلَا يُعْتَبَرُ اجْتِهَادُهُ، بَلْ الْعَفْوُ مُطْلَقٌ لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَّ قَيْدٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِهَادِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ:[وَمِثْلُ الذُّبَابِ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ النَّامُوسُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ] إلَخْ: أَيْ فَفِيهِ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ النَّمْلُ الصَّغِيرُ. وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّ وُقُوعَهُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَادِرٌ.
قَوْلُهُ: [إلَى أَنْ يَبْرَأَ] : فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ [حَتَّى] فِي الْمَتْنِ بِمَعْنَى إلَى.
قَوْلُهُ: [أَيْ وُجُوبًا] إلَخْ: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ أَثَرُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَإِلَّا فَلَا مَحَلَّ لِوُجُوبِ الْغَسْلِ وَلَا لِاسْتِنَانِهِ. وَمِثْلُ أَثَرِ الْحِجَامَةِ أَثَرُ الْفَصْدِ فَإِذَا بَرَأَ أُمِرَ بِالْغَسْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا وَلَمْ يَغْسِلْ، أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الرَّاجِحِ مِمَّا فِي خَلِيلٍ لِيَسَارَةِ الدَّمِ، لِكَوْنِهِ أَثَرًا لَا عَيْنًا. وَمُرَاعَاةً لِمَنْ لَا يَأْمُرُهُ بِغَسْلِهِ. قَوْلُهُ:[وَنَحْوِهِ] وَقَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي [وَكَذَا] إلَخْ إشَارَةٌ لِمَا أَدْخَلَتْهُ الْكَافُ.
قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ] إلَخْ: أَيْ وَكَانَ الطِّينُ أَكْثَرَ مِنْهَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ تَسَاوِيًا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
غَيْرَهَا مَا دَامَ الطِّينُ طَرِيًّا فِي الطُّرُقِ يُخْشَى مِنْهُ الْإِصَابَةُ ثَانِيًا، وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِ نُزُولِ الْمَطَرِ. وَمَحَلُّ الْعَفْوِ مَا لَمْ تَغْلِبْ النَّجَاسَةُ عَلَى الطِّينِ بِأَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْهُ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا كَنُزُولِ الْمَطَرِ عَلَى مُطْرَحِ النَّجَاسَاتِ، أَوْ مَا لَمْ تُصِبْ الْإِنْسَانَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ الْغَيْرِ الْمُخْتَلِطَةِ بِغَيْرِهَا، وَإِلَّا فَلَا عَفْوَ وَيَجِبُ الْغَسْلُ. كَمَا لَا عَفْوَ بَعْدَ جَفَافِ الطُّرُقِ، فَيَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَ أَيَّامَ النُّزُولِ، وَطَرَاوَةُ الطِّينِ لِزَوَالِ الْمَشَقَّةِ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ عِبَارَتَنَا أَوْضَحُ وَأَشْمَلُ مِنْ عِبَارَتِهِ وَقَوْلُنَا:[عَيْنُهَا] فَاعِلُ تُصِيبَ، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ تُصِيبُهُ عَيْنُهَا. (وَأَثَرِ دُمَّلٍ سَالَ بِنَفْسِهِ أَوْ احْتَاجَ لِعَصْرِهِ أَوْ كَثُرَتْ) : يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الدُّمَّلِ مِنْ الْمِدَّةِ السَّائِلَةِ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ عَصْرِهِ، فَإِنْ عَصَرَهُ لَمْ يُعْفَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ إلَّا أَنْ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِأَنْ تَكُونَ] إلَخْ: أَيْ فَلَا عَفْوَ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى ظَاهِرِهَا.
قَوْلُهُ: [كَنُزُولِ الْمَطَرِ] إلَخْ: مِثَالٌ لِمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْمُدَوَّنَةُ مَعَ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَا لَمْ تُصِبْ الْإِنْسَانَ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحْوَالَ أَرْبَعَةٌ: الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُ الطِّينِ أَكْثَرَ مِنْ النَّجَاسَةِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا وَلَا إشْكَالَ فِي الْعَفْوِ فِيهِمَا، وَالثَّالِثَةُ: غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ عَلَى الطِّينِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَيَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا تَبَعًا لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ. وَالرَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ عَيْنُهَا قَائِمَةً وَهِيَ لَا عَفْوَ فِيهَا اتِّفَاقًا. تَنْبِيهٌ:
قَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْعَفْوَ عَنْ طِينِ الْمَطَرِ بِمَا إذَا لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلَا عَفْوَ؛ وَذَلِكَ كَأَنْ يَعْدِلَ عَنْ الطَّرِيقِ السَّالِمَةِ لِلَّتِي فِيهَا طِينٌ بِلَا عُذْرٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ احْتَاجَ لِعَصْرِهِ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى مَا فِي أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ الدُّمَّلَ الْوَاحِدَةَ إنْ اُضْطُرَّ إلَى إنْكَائِهَا وَشَقَّ عَلَيْهِ تَرْكُهَا فَإِنَّهُ يُعْفَى عَمَّا سَالَ مِنْهَا. قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ الِاضْطِرَارِ إلَى إنْكَائِهَا وَضْعَ الدَّوَاءِ عَلَيْهَا فَتَسِيلُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ عَصَرَهُ] إلَخْ: مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَسِلْ مِنْهُ شَيْءٌ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ الْعَصْرِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَالَ بِنَفْسِهِ وَمَحَلُّ الْعَفْوِ إنْ دَامَ
يَضْطَرَّ لِعَصْرِهِ. فَإِنْ اُضْطُرَّ عُفِيَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا سَالَ بِنَفْسِهِ. وَكَذَا إنْ كَثُرَتْ الدَّمَامِلُ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ أَثَرِهَا، وَلَوْ عَصَرَهَا لِأَنَّ كَثْرَتَهَا مَظِنَّةُ الِاضْطِرَارِ كَالْحَكَّةِ وَالْجَرَبِ.
(وَذَيْلِ امْرَأَةٍ أُطِيلَ لِسَتْرٍ، وَرِجْلٍ بُلَّتْ مَرَّا بِنَجَسٍ يَابِسٍ) : يُعْفَى عَنْ ذَيْلِ ثَوْبِ الْمَرْأَةِ يُجَرُّ عَلَى الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْغُبَارُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ إطَالَتُهُ لِلسَّتْرِ لَا لِلْخُيَلَاءِ وَيُعْفَى عَمَّا تَعَلَّقَ بِرِجْلٍ مَبْلُولَةٍ مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا بِنَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَذِي الرِّجْلِ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغَسْلُ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: " يَطْهُرَانِ بِمَا بَعْدَهُ ".
(وَخُفٍّ وَنَعْلٍ مِنْ رَوْثِ دَوَابِّ وَبَوْلِهَا إنْ دُلِكَا وَأُلْحِقَتْ بِهِمَا رِجْلُ الْفَقِيرِ) : يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فِي الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي تَطْرُقُهَا الدَّوَابُّ كَثِيرًا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ. بِخِلَافِ غَيْرِ الدَّوَابِّ كَالْآدَمِيِّ وَالْكَلْبِ
ــ
[حاشية الصاوي]
سَيَلَانُهُ أَوْ لَمْ يَنْضَبِطْ، أَوْ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً. فَإِنْ انْضَبَطَ وَفَارَقَ يَوْمًا وَأَتَى آخَرُ فَلَا عَفْوَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ، وَلَوْ مَصَلَ بِنَفْسِهِ. كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا إنْ كَثُرَتْ] : أَيْ بِأَنْ زَادَتْ عَلَى الْوَاحِدَةِ.
قَوْلُهُ: [وَذَيْلِ الْمَرْأَةِ] : أَيْ غَيْرِ مُبْتَلٍّ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْأَصْلِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ خَصَّهُ بِالْحُرَّةِ لِكَوْنِ السَّاقِ فِي حَقِّهَا عَوْرَةً وَغَيْرُهُ رَاعَى جَوَازَ السَّتْرِ فَعَمَّمَ.
قَوْلُهُ: [أُطِيلَ لِسَتْرٍ] : مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَا تُطِيلُهُ لِلسَّتْرِ إلَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ لَابِسَةٍ الْخُفَّ. فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ لَابِسَةً الْخُفَّ فَلَا عَفْوَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ زِيِّهَا أَمْ لَا كَمَا نَقَلَهُ (ح) عَنْ الْبَاجِيِّ (اهـ مَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ)
قَوْلُهُ: [يَابِسٍ] : اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: يَبَسَ بِفَتْحِ الْبَاءِ فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ [قَوْلُهُ يُعْفَى إلَخْ] إنْ قُلْت إذَا كَانَ الذَّيْلُ يَابِسًا وَالنَّجِسُ كَذَلِكَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّيْلِ شَيْءٌ فَلَا مَحَلَّ لِلْعَفْوِ قُلْت قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغُبَارُ وَهُوَ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [الَّتِي تَطْرُقُهَا الدَّوَابُّ كَثِيرًا] : هَذَا الْقَيْدُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَحْنُونَ.