الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والقرم، ويقال له: مقرم - ككرم -: هو البعير لا يحمل عليه ولا يذلل، وإنما هو للفحلة.
قال في "الصحاح": ومنه قيل للسيد: قَرْمٌ مُقْرَم تشبيهاً به، انتهى (1).
-
ومن أخلاق الإبل:
أنها تميل إلى السماع ميلاً كليا بحيث تكتفي به عن الطعام والشراب، وتتأثر منه تأثراً تستخف منه الأعمال الثقيلة، وتستقصر لقوة نشاطها في السماع المسافات الطويلة بحيث تسكر من السماع، وتتوله منه عن المشقات الهائلة بحيث تمد أعناقها، وتسرع في السير سراعاً حثيثاً إذا سمعت صوت الحادي.
قال جحظة البرمكي في ذلك: [من مجزوء الكامل المرفّل]
إِنْ كُنْتَ تُنْكِرُ أَنَّ فِي الأَلْـ
…
ـحانِ فائِدَةً وَنَفْعاً
فَانْظُرْ إِلَى الإِبِلِ اللَّوا
…
تِي هُنَّ أَغْلَظُ مِنْكَ طَبْعاً
تُصْغِي إِلَى صَوْتِ الْحُدا
…
ةِ فَتَقْطَعُ الفَلَواتِ قَطْعاً
مَعْ أَنهمْ يُظْمُونهَا
…
عَنْ مائِها خَمْساً وَرَبْعاً
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في "رسالته": واستلذاذ القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة، وارتياحها إليها ما لا يمكن جحوده؛ فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب، والجمل يقاسي
(1) انظر: الصحاح "للجوهري (5/ 2009)، (مادة: قرم).
تعب السفر ومشقة الحمولة، فيهون عليه بالحداء.
قال الله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17].
ثم قال: أنا أبو حاتم السجستاني، أنا عبد الله بن علي السراج، قال: حكى محمد بن داود الدينوري الرقي قال: كنت في البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب، فأضافني رجل منهم، فرأيت غلاماً أسود مقيداً هناك، ورأيت جمالاً ماتت بفناء البيت، فقال لي الغلام: أنت الليلة ضيف، وأنت على مولاي كريم، فتشفع لي؛ فإنه لا يردك.
فقلت لصاحب البيت: لا آكل طعامك حتى تخلي هذا العبد.
فقال: هذا الغلام قد أفقرني وأتلف مالي.
فقلت: ما فعل؟
فقال: له صوت طيب، وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال، فحملها أحمالاً ثقيلة، وحدا لها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم واحد، فلما وصلت ماتت كلها.
ولكن قد وهبته لك، وحل عن العبد.
فلما أصبحت اشتهيت أن أسمع صوته، وسألته ذلك، فأمر الغلام أن يحدو على جمل كان هناك على بئر يستقي عليه، فحدا، فهام الجمل على وجهه، وقطع حباله، ولم أظن أني سمعت صوتاً أطيب منه، ووقعت على وجهي حتى أشار إليه بالسكوت.
وأجاد الشيخ عمر بن الفارض رحمه الله تعالى في شرح ما أشار
إليه القشيري من سكون الطفل إلى الصوت الطيب بقوله: [من الطويل]
ويُنْبِيْكَ عَنْ شَأْنِ الوَليدِ وَإِنْ نَشا
…
بَلِيداً بِإِلْهامٍ كَوَحْيٍ وَفِطْنَة
إِذْ إِنَّ مَنْ شَدَّ القِماطَ وَحنَّ فِي
…
نَشاطٍ إِلَى تَفْرِيجِ هَمٍّ وَكُرْبَةِ
يُناغِي فَيُلْقي كُلَّ كَلِّ أصابَهُ
…
ويصْغِي لِمَنْ ناغاهُ كَالْمُتَنَصِّتِ
وَيُنْسِيهِ مُرَّ الْخَطْبِ حُلْو خِطابِهِ
…
وَيُذْكِرُهُ نَجْوى عُهودٍ قَدِيْمَةِ
وَيُعرِبُ عَنْ حالِ السَّماعِ بِحالِهِ
…
فَيثبُتُ لِلرَّقْصِ انْتفاءَ النقِيصَةِ
إِذا هامَ شَوقاً بِالْمُناغِي وَهَمَّ أَنْ
…
يَطِيرَ إِلَى أَوْطانِهِ الأَوَّلِيَّة
يُسَكَّنُ بِالتَّحْرِيكِ وَهْوَ بِمَهْدِهِ
…
إِذا ما لَهُ أَيْدِي مُرَبيِّهِ هَزَّتِ
وَجذب بِوَجْدٍ آخِذي عِنْدَ ذِكْرِها
…
بِتَحْبِيرِ قالٍ أَوْ بِأَلْحانِ صَيِّتِ
كَما يَجِدُ الْمَكْرُوبُ فِي نَزْعِ نَفْسِهِ
…
إِذا ما لَهُ رُسْلُ الْمَنايا تَوَفَّتِ
فَواجِدُ كَرْبٍ فِي سِياقٍ لِفُرْقَةٍ
…
كَمَكْرُوبِ وَجْدٍ لاشْتِياقٍ لِرِفْقَةِ
فَذا نَفْسُهُ رَقَّتْ إِلَى ما بَدَتْ بِهِ
…
وَرُوحِي تَرَقَّتْ لِلْمُبادِي الْعَلِيَّةِ
وذكر ابن قتيبة في "عيون الأخبار": أن الفهد يصاد بضروب؛ منها الصوت الحسن؛ فإنَّه يصغي إليه إصغاءً شديداً (1).
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب "الأغاني": أن مخارق المغني خرج يوماً يتنزه مع إخوانه وفي يد أحدهم قوس مذهبة، فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنيت صوتاً فعطفت عليه هذه الظباء، أتدفع إلي القوس؟
فقال: نعم.
فاندفع يغني: [من المجتث]
ماذا تَقُولُ الظِّباءُ
…
أَفُرْقَةٌ أَمْ لِقاءُ
أَمْ عَهْدُها بِسُلَيْمَى
…
وَفِي البَيانِ شِفاءُ
مَرَّتْ بِنا سانِحاتٍ
…
وَقَدْ دَنا الإِمْساءُ
(1) وانظر: "الحيوان" للجاحظ (6/ 471).
فَما أَحارَتْ جَواباً
…
وَطالَ مِنَّا العَناءُ
قال: فعطفت الظباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه مصغية إلى صوته، فتعجب مَنْ حَضَرَ من رجوعها ووقوفها، وأخذ القوس (1).
قلت: وأنا لقد اتفق لي مرة أني كنت ومعي جماعة من إخواني الفقراء إلى الله تعالى في بعض بساتين الربوة بدمشق، ومعنا رجل حسن الصوت، مشهور بمعرفة الألحان والأنغام، أستاذ في بابه، وكان يتغنى وينشد من كلام القوم، فإذا أخذ في ألحانه أصغت إليه جميع الأطيار في ذلك البستان كأنها تستمع إليه، فإذا فرغ من نوبته أخذت سواجعها في نوبتها تغرد ما شاء الله تعالى، فلما أفقت عليها، وتعرفت أمرها بإصغائي إليها نبهت أصحابي، فاقبلوا على تبين ذلك، فاستبان لهم لا يشكون فيه، وقلنا للمنشد: أنشد، فلما أنشد سكت السواجع، وأصغت إليه سوامع، فما زال هذا ديدنها وديدننا حتى فرغ ذلك النهار، وكان هذا من عجيب الاتفاق.
فلا بأس أن يصغي الإنسان إلى السماع الطيب الذي لا يحرم ولا يكره، ولا يكون أعجز من الإبل والظباء، والفهود والأطيار، والبهائم؛ فإن العرب قد أحدثت لها أسماء أصوات تُفهمها ما تريده منها من سير أو شرب، أو وقوف أو تحول من طريق إلى طريق، أو انزجار عن شيء إلى غير ذلك.
(1) انظر: "الأغاني" للأصبهاني (18/ 369).
قال في "الإحياء": ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظة الطبع على الجمال والطيور، بل على سائر البهائم؛ فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة، ولذلك كانت الطير تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته (1).
وقال الشيخ شمس الدين بن الجزري في "النشر": أخبرني جماعة من شيوخي، وغيرهم إخباراً بلغ التواتر عن شيخهم الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الصائغ المصري - وكان أستاذاً في التجويد - أنه قرأ يوماً في صلاة الصبح:{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20]، وكرر هذه الآية، فنزل طائر على رأس الشيخ يسمع قراءته حتى أكملها، فنظروا إليه فإذا هو هدهد (2).
قلت: وحدثنا شيخنا فسح الله تعالى في مدته عن والده الشيخ الإمام العلامة يونس بن عبد الوهاب العيثاوي: أنه كان إذا قرأ القرآن في داره تبادر لسماع قراءته ديك كان عندهم، فيأتي حتى يقف أمام الشيخ منصتاً للقراءة، يرفع رجلاً ويضع أخرى، ولا يمل - وإن طالت القراءة وامتدت - حتى يتم الشيخ القراءة، فيضرب بجناحيه، ويصقع، ثم ينصرف.
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته": وقيل: مات
(1) انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (2/ 275).
(2)
انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (1/ 239).
بعض ملوك العجم، وخلَّفَ ابناً صغيراً، فأرادوا أن يبايعوه، فقالوا: كيف نصل إلى عقله وذكائه؟ فتوافقوا على أن يأتوا بقوَّال يقول شيئاً، فإن أحسن الإصغاء عَلِموا كياسته، فأتوا بقوال، فلما قال القوال شيئاً ضحك الرضيع، فقبلوا الأرض بين يديه، وبايعوه.
وقال فيها أيضاً: حكى إسماعيل بن علية قال: كنت أمشي مع الشافعي رضي الله تعالى عنه وقت الهاجرة، فجُزنا بموضع يقول فيه واحد شيئاً، فقال: مِلْ بنا إليه.
ثم قال: أيطربك هذا؟
فقلت: لا.
فقال: ما لك حِسٌّ؛ أي: إحساس.
والمعروف أن القصة إنما وقعت لإبراهيم بن إسماعيل بن علية كما ذكره ابن السبكي في ترجمة المزني عنه (1).
ورواه أبو علي بن الحسن بن الحسين بن حمكان في "مناقب الشافعي" عن المزني قال: مررنا مع الشافعي رضي الله عنه وإبراهيم بن إسماعيل بن علية على دار قوم وجارية تغنيهم: [من الطويل]
خَلِيلَيَّ ما بالُ الْمَطايا كَأَنَّنا
…
نرَاها عَلى الأَعْقابِ بِالقَوْمِ تَنْكُصُ
(1) انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (2/ 99).