الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مع أيوب الحمال قال: فلما دخلنا البادية وسرنا منازل، وإذا بعصفور يحوم حولنا، فرفع أيوب رأسه إليه، وقال: قد جئت إلى هاهنا، فأخذ كسرة خبز ففتَّها في كفه، فانحط العصفور وقعد على كفه يأكل منها، ثم صب له ماء فشربه، ثم قال له: اذهب الآن، فطار العصفور، فلما كان من الغد رجع العصفور، ففعل أيوب مثل فعله في اليوم الأول، فلم يزل كذلك يفعل به ذلك إلى آخر السفر.
ثم قال أيوب: تدري ما قصة هذا العصفور؟ كان يجيئني في منزلي كل يوم، فكنت أفعل به ما رأيت، فلما خرجنا تبعني يقتضي مني ما كنت أفعل به في المنزل (1).
والحكايات في هذا الباب كثيرة، وهي داخلة في كرامات الأولياء رضي الله تعالى عنهم.
-
ومن أحوال بعض البهائم والعجماوات: حزنها لفقد أولياء الله تعالى، وحنينها إليهم
.
روى ابن عساكر، وغيره بسند ضعيف، عن أبي منظور رضي الله عنه قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أصاب حماراً أسود، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"مَا اسْمُكَ؟ ".
قال: يزيد بن شهاب، أخرج من نسل أبي ستون حماراً كلهم لم يركبه إلا نبي، قد كنت أتوصل أن تركبني، فلم يبق من نسل جدي
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 313).
غيري، ولا من الأنبياء غيرك، قد كنت قبلك لرجل يهودي، وكنت أتعثر به عمداً، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "فَأَنْتَ يَعْفُوْرٌ".
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث به إلى باب الرجل، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان، فتردَّى فيها حزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
وهذا الحديث - وإن أنكره ابن حبان، والمديني، وغيرهما من الحفاظ - إلا أنه يستأنس به لهذا النوع (2).
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّ داودَ عليه السلام لَمَّا مَاتَ أَظَلَّتِ الطَّيْرُ جَنَازَتَهُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ الْمَضْرَحِيَّةُ"، وَهِيَ الصُّقُوْرُ الطِّوَالُ الأَجْنِحَةِ (3).
(1) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(4/ 232).
(2)
قال ابن حجر في "لسان الميزان"(5/ 376): خبر باطل، قال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له، وإسناده ليس بشيء، وقال ابن الجوزي: لعن الله واضعه.
قلت: وإذا كان الخبر كذا حاله، فلا يجوز الاحتجاج به ولا الاستئناس، وهو كما قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (6/ 291): وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، ولا يحتاج إلى ذكره مع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة التي فيها غُنية عنه.
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 419).
وقد ذكرت آنفاً قصة سفيان الثوري مع الطائر، وحزن الطائر عليه، حتى مات على قبره بعد ثلاثة أيام (1).
وحكى ابن السبكي في "طبقاته" في ترجمة الأستاذ أبو القاسم القشيري: أنَّ الفرس الذي كان يركبه الأستاذ أبو القاسم القشيري - وكانت رمكة (2) - أهديت إليه قبل موته بنحو عشرين سنة، ما كان الأستاذ يركب غيرها، وما ركبها أحد بعده.
وحكى أنها لم تعتلف بعد وفاته حتى ماتت، وسقطت في الإصطبل سادس يوم من يوم وفاته (3).
قلت: وكان لشيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى هر أبيض اللون منقط بحمرة، وكان يألف الشيخ، ويكون حواليه غالباً لا يكاد يفارق الشيخ إلا قليلاً، يلوذ به في غالب أحيانه، وكان الشيخ يسميه فارساً، وكان إذا دعاه باسمه أقبل إليه حيثما كان، وكان يبره ويطعمه من أحسن ما يكون بين يديه، فلما انتقل الشيخ إلى رحمة الله تعالى فقدنا ذلك الهر، ثم وجِدَ ميتاً بعد ثلاثة أيام فوق سطح زاوية الشيخ المعروفة بالحلبية لصيق الجامع الأموي، مُلقى فوق الموضع الذي كان الشيخ يجلس فيه للمطالعة والإفتاء والتصنيف، وكان الجيران
(1) تقدم تخريجه قريباً.
(2)
الرمكة: الضعيف أو الفرس البرذونة تتخذ للنسل.
(3)
انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي (2/ 568).