الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال الله تعالى: سَلْهم لم ذلك؟ وما الذي منعني أن أجيبهم؟ ألست أسمع السامعين وأبصر الباصرين؟ وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين؟ ألأن خزائني قد فنيت ويداي مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء؟ أم لأنَّ ذات يدي قلَّت؟ كيف ومفاتيح الخير بيدي لا يفتحها ولا يغلقها غيري؟ أم لأنَّ رحمتي ضاقت ورحمتي وسعت كل شيء؟ وإنما يتراحم المتراحمون ببعضها، أم لأن البخل يعتريني؟ كيف وأنا الفتاح بالخيرات أَجْوَد من أعطى، وأكرم من سئل؟
ولكن كيف أرفع صيامهم وهم يَلْبِسونه يقول الزور، ويتقوون عليه بطُعمة الحرام؟ أم كيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاذُّني؟ أم كيف أستجيب دعاءهم وإنما هو قول بألسنتهم والعمل من ذلك بعيد؟ أم كيف تزكو صدقاتهم وهي من أموال غيرهم وإنما أجزي عليها المُغْتَصَبِين؟ وإنَّ من علامة رضائي رضا المساكين (1).
* وهذه
فائدة جليلة نختم بها هذا الفصل:
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الكريم ابن رشيد قال: ينتهي أهل الجنة إلى باب الجنة وإنهم يتلاحظون تلاحظ الثيران، فإذا دخلوها نزع الله ما في صدورهم من غِل، فصاروا إخواناً (2).
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 195).
(2)
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"(ص: 230).
مثل ذلك لا يقال رأياً، وإنَّما حكمه حكم المرفوع.
والمعنى في ذلك على وجهين:
الأول: أنَّ العبد إذا لم ينته إلى إحدى الدارين الجنة والنار، فإنَّ رُعُونات النفس لا تنقطع عنه - وإن كان من أهل الخير - إلا من عصم الله تعالى منهم، فيبقى عليه بقايا من النفس من غلٍ - أي: حسد -، أو تزكية نفس، وغض من مقام غيره، فإن كان من أهل الخير جرى عليه من أهوال الموقف ما يكفر عنه تلك البقايا التي لم يحصل لها مكفر في الدنيا من فعلِ حسنةٍ، أو اجتناب كبيرة، أو حلول بلية به، أو هم، أو غم، أو مرض أو شدة موت، فلا يدخل الجنة إلا طاهراً مقدساً، حتى إنَّ منهم من يتم تطهيره بالازدحام عند الدخول في باب الجنة، وكفاك دليلاً على ذلك ما رواه الحاكم - وقال: صحيح الإسناد، وأقره على تصحيحه المنذري، وغيره - عن جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خَرَجَ مِنْ عِنْدِيْ خَلِيْلِي جِبْرِيْلُ عليه السلام آنِفًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَالَّذِيْ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ للهِ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ عَبَدَ اللهَ خَمْسَ مِئَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَل فِي البَحْرِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلاثُونَ ذِرَاعاً، فِي ثَلاثِيْنَ ذِرَاعاً وَالبَحْرُ مُحِيْطٌ بِهِ أَرْبَعَةُ آلافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَخْرَجَ لَهُ عَيْناً عَذْبَةً بِعَرْضِ الإِصْبَعِ تَبُضُّ أَسْفَلَ الْجَبَلِ، وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ يَخْرُجُ لَهُ فِي كُلِّ [لَيلةٍ] رُمَّانَةٌ يَتَعَبَّدُ يَوْمَهُ، فَإِذَا أَمْسَى نزَلَ فَأَصَابَ مِنَ الوضُوْءِ، وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَامَ لِصَلاتِهِ فَسَأَلَ رَبَّهُ عِنْدَ وَقْتِ الأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِداً، قَالَ: فَفَعَلَ، فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إِذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا، فَنَجِدُ لَهُ فِي العِلْمِ
أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامِة فَيُوْقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى فَيَقُوْلُ لَهُ الرَّبُّ عز وجل: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ! بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ! بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ فتوْجَدُ نِعْمَةُ البَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِ مَئَةِ عَامٍ وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلَةً عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِيَ النَّارَ، فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَيُنَادِيْ: رَبِّ! بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رُدُّوْهُ، فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَكَ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا ربِّ، فَيَقُولُ: مَنْ قَوَّاكَ لِعِبَادَةِ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ رَبِّ، فَيَقُولُ مَنْ أَنْزَلَكَ فِي الْجَبَلِ وَسَطَ اللُّجَّةِ وَأَخْرَجَ لَكَ الْمَاءَ العَذْبَ مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ، وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ رُمَّانَةً، وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، وَسَأَلْتَهُ أَنْ يَقْبِضَكَ سَاجِداً فَفَعَلَ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، قَالَ: ذَلِكَ بِرَحْمَتِي، وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ؛ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ.
قَالَ جِبْرِيْلُ عليه السلام: إِنَّ الأَشْيَاءَ بِرَحْمَةِ اللهِ يَا مُحَمَّد" (1).
(1) رواه الحاكم في "المستدرك"(7637). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد فإن سليمان بن هرم العابد من زهاد أهل الشام، والليث بن سعد لا يروي عن المجهولين.
قال الذهبي في "ميزان الاعتدال"(3/ 320): سليمان بن هرم قال الأزدي: لا يصح حديثه، وقال العقيلي: مجهول وحديثه غير محفوظ.
فانظر كيف يُكفِّر الله تعالى عن العبد الصالح ما يبقى عليه من رعونة نفسه، وإدلاله بعمله وتمسكه به في نفس موقفه، فلا يدخله الله الجنة إلا خالصاً طاهراً مقدساً؛ فمن هذا القبيل يُلاحظ أهل الجنة عند باب الجنة تلاحظ الثيران ليُكفر ذلك عنهم ولو بازدحامهم عند الدخول، فإذا دخلوا نزع الله الغِلَّ من صدورهم.
هذا الوجه الأول في كلام عبد الكريم بن رشيد.
والوجه الثاني: أنَّ أهل الجنة لا تنقطع عنهم أحوال الدنيا وخوف المؤاخذة بها في مواطن القيامة حتى يدخلوا الجنة - كان انتهوا إلى بابها - فإنَّ كل إنسان منهم يخشى أن يكون عليه مؤاخذة، ولا يكاد يخلو أحد منهم من ظُلامة عند بعض أهل الموقف فهو يخاف أن يحتاج إليها ليكفر الله بها ما عسى أن يستدرك عليه من التبعات - وإن انتهى إلى باب الجنة - فإنه لا يأمن أن يقال: قفوه، أو: أرجعوه، فهو ينظر إلى أخيه الذي له عليه الظلامة نظر الطالب، ويلتفت إليه التفات المُسْتَعدى عليه ولو كان أقرب الخلق إليه.
روى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّهُ يَكُوْنُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا دَيْنٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يتَعَلَّقَانِ بِهِ فَيَقُوْلُ: أَنَا وَلَدُكُمَا فَيَوَدَّانِ، أَوْ يَتَمَنَّيَانِ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ"(1).
(1) رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(10526). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 355): رواه الطبراني عن عمرو بن مخلد، عن زكريا بن يحيى الأنصاري، ولم أعرفهما، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.
وروى سعيد بن منصور، والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - وابن أبي داود في "البعث"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ ضحك حتَّى بدت ثناياه، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟
قال: "رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العِزَّةِ تبارك وتعالى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ! خُذْ لِيْ مَظْلَمَتِي مِنْ أَخِيْ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: كَيْفَ تَصْنعُ بِأَخِيْكَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ: يَا رَبِّ! فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي".
وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثمَّ قال: "إِنَّ ذَلِكَ لَيَوْمٌ عَظِيْمٌ يَحْتَاجُ النَّاسُ أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُمْ مِنْ أَوْزَارِهِمْ، فَقَالَ اللهُ لِلطَّالِبِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَانْظُرْ، فَرَفَعَ فَقَالَ: يَا رَبِّ! أَرَى مَدَائِنَ مِنْ ذَهَبٍ، وَقُصُوْراً مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةً بِاللُّؤْلُؤِ؛ لأَيِّ نَبِيٍّ هَذَا، وَلأَيِّ صِدِّيْقٍ هَذَا، وَلأيِّ شَهِيْدٍ هَذَا؟
قَالَ: لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ.
قَالَ: يَا رَبِّ! وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ؟
قَالَ: أَنْتَ تَمْلِكُ.
قَالَ: بِمَاذَا؟
قَالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيْكَ.
قَالَ: يَا رَبِّ! فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: فَخُذْ بِيَدِ أَخِيْكَ، وَأَدْخِلْهُ مَعَكَ الْجَنَّةَ".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "وَاتَّقُوا اللهَ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنَكُمْ؛ فَإنَّ الله يُصْلِحُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِيْنَ"(1).
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُحْبَسُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْدَمَا يَجُوْزُوْنَ الصِّرَاطَ حَتَّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ظُلامَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَيْسَ فِي قُلُوْبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ غِلٌ"(2).
روى البخاري، والإسماعيلي في "مستخرجه" - واللفظ له - عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)} [الحجر: 47]، قال: يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُوْنُ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَتَنَقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُوْلِ الْجَنَّةِ؛ فَوَالَّذِيْ
(1) رواه الحاكم في "المستدرك"(8718)، وابن أبي داود في "البعث"(32)، وكذا ابن أبي الدنيا في "حسن الظن" (ص: 109).
(2)
كذا عزاه ابن حجر في "فتح الباري"(11/ 399) إلى ابن أبي حاتم، وصحح إسناده.
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى لِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا" (1).
قال قتادة: كان يقال ما شَبَهٌ لهم إلا أهل الجمعة انصرفوا من جمعتهم (2).
وقوله: يخلص المؤمنون من النار، أي: ينجون من السقوط فيها بمجاورة الصراط.
والمراد: من لم يدخل النار منهم، كما قال القرطبي (3)، أمَّا من دخلها ثم أخرج منها فلا يحبس، بل إذا أخرجوا بثوا على أنهار الجنة فغمسوا فيها، وذلك أن ما كان عليهم من التبعات جوزوا عليه بما لقوا في النار.
وأحسن ما نختم به هنا: ما رواه البزار بسند صحيح، عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض مغازيه فبينما هم يسيرون إذ أخذوا فرخ طير، فأقبل أحد أبويه حتى سقط في يد الذي أخذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"أَلا تَعْجَبُوْنَ لِهَذَا الطَّيْرِ؟ أَخَذَ فَرْخَهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَقَطَ فِي أَيْدِيْهِمْ، فَوَاللهِ للهُ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ هَذَا الطَّيْرِ بِفَرْخِهِ"(4).
(1) رواه البخاري (6170)، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (11/ 398).
(2)
نقله ابن حجر في "فتح الباري"(11/ 398) عن الإسماعيلي.
(3)
انظر: "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي (ص: 392).
(4)
رواه البزار في "المسند"(287)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 383): رواه البزار من طريقين، ورجال إحداهما رجال الصحيح.
واعلم أنَّ الله تبارك وتعالى جعل الإنسان نسخة الوجود ومرآة العوالم، وجعل فيه قابلية لأن يكون صورة لكل شيء، ونسخة من كل مصنوع بحيث يظهر فيه كمال قدرة الله تعالى، كما وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى:{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات: 21].
وفضَّله الله تعالى على جميع الحيوانات والجمادات بالعقل والمعرفة، وحسن التصرف في مملكة إنسانيته، ومقتضى ذلك أن يظهر بكل صورة جميلة، ويتخلق بكل صفة كريمة - ولو كان لها نظير في أدون المخلوقات وأدناها - مع الاحتراز عن كل خصلة قبيحة، وصورة شنيعة - وإن كان يوجد لها نظير في بعض الأناسي - والعاقل العارف لا يرضى لنفسه أن يكون من الخير إلا في أعلى طبقاته الممكنة له، ولا من الشر إلا أبعد ما يكون منه، ولا يرى أحداً متصفاً بشيء مدحه الشرع والعقل إلا شاركه فيه، أو شيء ذمَّه الشرع والعقل إلَّا كان أشد الناس اجتناباً له وتباعداً عنه كما قيل:[من المتقارب]
إِذا أَعْجَبَتْكَ خِصالُ امْرِئٍ
…
فَكُنْهُ يَكُنْ فِيكَ ما يُعْجِبُكْ
فَلَيْسَ عَلى الْمَجْدِ وَالْمَكْرُماتِ
…
إِذا رُمْتَها حاجِبٌ يَحْجُبُكْ (1)
وأقول: [من السريع]
(1) البيتان لأبي العيناء، كما في "محاضرات الأدباء" للراغب الأصبهاني (1/ 380).
إِنِّي امْرُؤٌ يُعْجِبُنِي أَنْ أَكُونْ
…
فِي حَركاتِي كُلِّها وَالسُّكونْ
عَلى كَمالِ الْخَيْرِ ما فاتَنِي
…
قَرْنِي بِشَيْءٍ مِنْهُ أنَّى يَكونْ
لَوْ أَمْكَنَتْنِي قُوَّتِي لَمْ أَكُنْ
…
أَرْضَى عَنِ الغايَةِ فِيهِ بِدُونْ
لَمْ أَرْضَ أَنْ يُمْدَحَ غَيْرِي بِما
…
لَمْ يكُ لِي خُلْقاً فَلا يَسْبِقُونْ
إِنَّ الَّذِي يَرْضَى بِفَضْلٍ يَرَى
…
مِنْ غَيْرِهِ لا مِنْهُ فِيهِ جُنونْ
ما لَمْ يَكُنْ يَجْهَدُ فِي نَيْلِه
…
كَما الوَرى فِي نَيْلِهِ يَجْهَدُونْ
ما زِلْتُ بِالْهِمَّةِ أَسْعَى وَقَدْ
…
كُنْتُ صَغِيراً وَتَوالَتْ سُنُونْ
وَأَنا مَعْ ذَلِكَ لَمْ أَرْضَ ما
…
بَلَغْتُ مِنْ فَضْلٍ بِهِ يَمْدَحُونْ
بَلْ إِنَّنَي أَسْأَلُ مِنْ خالِقِي
…
زِيادةً قَبْلَ نُزولِ الْمَنُونْ
حَتَّى أَراهُ ناظِراً راضِياً
…
إِلَيَّ مِنْ حَيْثُ الْمَلا يُخْبِرُونْ
حَسَّنْتُ بِاللهِ ظُنونِي وَما
…
أَنْفَعَ ما قَدْ كانَ حُسْنَ الظُّنُونْ
وهذا الكتاب موضوع لطريق العمل بمقتضى العقل والعلم اللذين بهما يصير الإنسان إنساناً كاملاً، فمن ظَفِر بكتابنا هذا وتمسَّك به، وعمل بما فيه كان إنساناً كاملاً وبشراً سويًّا، ورُجي له زيادة الهداية من الله تعالى كما قال سبحانه وتعالى:{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76].
ومن خالف في العمل والهدى هذا الكتاب فقد حاد عن جادة الصواب، وصرف قلبه عن فهم آيات الكتاب، وعرَّض نفسه للندامة يوم المآب.
وإن شئت فاقرأ في هذا المقام قول الله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)} [الأعراف: 146].
فإيَّاك والغفلةَ عن آيات الله؛ فإنَّ الغفلة عنها تجرُّ إلى التكذيب بها ولو بلسان الحال، وذلك يؤدي إلى ترك العمل بها، وبذلك يهلك الإنسان؛ نعوذ بالله من الخذلان!
ثمَّ لما كان الإنسان - وإن كان متصفاً بالعبودية والإيمان - لا يخلو عن زلةٍ ما بمقتضى ما جُبِلَ عليه من الخطأ كما في الحديث: "كُلُّ بَنِيْ آدَمَ خَطَّاءٌ"(1) ناسبَ أن نختم الكتاب بما يفيء به من الزلة والخطأ إلى الاستقامة والصواب، وهو التوبة التي كانت طريق الفيئة والتدارك لأبيه آدم عليه السلام ليكون من خير الخطَّائين؛ إذ "خير الخطَّائين التوابون"(2) كما في الحديث.
وروى الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَّناً تَوَّاباً، نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ"(3).
وحقيقة وصف المؤمن في هذا الحديث التوبة والذكر، وأما الافتتان والنسيان فإنَّهما يشاركه فيها غيره، فالمنافق كذلك مفتن نسي إلا أنَّهُ يُصر، وإذا ذُكِّر لا يذكر، ولأنَّ التوبة أول مقامات البدلية، ولذلك يُبدل الله تعالى سيئات التائبين حسنات كما قال تعالى:
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
ومن ثم قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة (1).
وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عنه أنَّه قال: لا يصح للإنسان حقيقة التوبة حتى يترك أربعة أخلاق؛ أخلاق الأبالسة، وأخلاق السحرة، وأخلاق البهائم، وأخلاق الشياطين.
أي: مُتصفاً بأضدادها، متخلقاً بخلافها.
وهذا الكتاب إنما هو للإرشاد إلى أن يتجرد العبد عن مساوئ الأخلاق والأعمال والأقوال، ويتبدل بها محاسن الأخلاق والأعمال والأقوال، فيكون بدلاً يرحم الله به العباد، ويسقي به البلاد، وينصر به عامَّة الأمة على أعدائها، ويحفظ به الأرض من سائر أرجائها حتى يأتيَ أمرُ الله تعالى.
وأيضاً ختمنا بالتوبة الكتاب رجاء أن يختم لنا بالمتاب؛ لأنَّ من خُتِمَ له بالتوبة فقد أمن بالأَوبة من الحَوبة.
(1) انظر: "تفسير السلمي"(2/ 68)، و"إحياء علوم الدين" للغزالي (4/ 4).