الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن يكون مشددًا إلا أنه خُفِّف إتباعاً لحاجة، كما ذكره الجوهري في "الصحاح"(1).
وقال في "القاموس" في مادة: دوج: داج دوجاً: خدم، والداجة: تباع العسكر، وما صغر من الحوائج، واتباع للحاجة، انتهى (2).
ومعنى الحديث أنه لم يترك كثيرًا ولا قليلاً، ولا كبيرًا ولا صغيراً إلا عمله، وتلبَّس به.
والحديث دال على أنَّ التبديل يقع في كبائر الذنوب وصغائرها؛ ألا ترى إلى قوله: "فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيرَاتٍ كُلهُنَّ".
*
الفائِدَةُ الْخامِسَةَ عَشْرَةَ:
قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
والفلاح: دخول الجنة.
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، والطبراني بإسناد جيد، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيةُ أَبْوَابٍ: سَبْعَةٌ مُغْلَقَةٌ، وَبَابٌ مَفْتُوْحٌ لِلْتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا مِنْ نَحْوه"(3)؛ أي: من جهة ذلك الباب.
(1) انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 313)(مادة: دجج).
(2)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 242)(مادة: دجج).
(3)
رواه أبو يعلى في "المسند"(5012)، والطبراني في "المعجم الكبير" =
وروى العسكري في "المواعظ" عن الحسن -مرسلاً- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ".
قالوا: يا نبي الله! كيف يدخله الجنة؟
قال: "يَكُوْنُ نُصْبَ عَينيه تَائِبًا مِنْهُ مُسْتَغْفِرًا حَتىَّ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ"(1).
في الحديث أنَّ دخول الجنة سبب التوبة، والتوبة إنما تكون من بعد الذنب.
وفي المثل: لا توبة إلا من بعد معصية، فهو سببها.
والذنب يتسبب عنه أمران:
التوبة: وهي من أبواب السعادة.
والإصرار: وهو من أبواب الشقاوة.
والتوبة طريق آدم عليه السلام، والإصرار طريق الشيطان.
ومما يناسب ما تقرَّر أن الذنب قد يكون سببًا لدخول الجنة، وللسعادة والخير: ما رواه أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى أنَّه قال: لا يذنب المؤمن ذنباً حتى يكتسب معه خمسين حسنة.
فقيل له: يا أبا محمَّد! وكيف هذا؟
= (10479). قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(4/ 45): رواه أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد.
(1)
ورواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 52).
قال: نعم يا دوست! إنَّ المؤمن لا يكتسب سيئة إلا وهو يخاف العقوبة عليها، ولو لم يكن هكذا لم يكن مؤمنًا.
قال: وخوف العقاب عليها حسنة، ويرجو غفران الله لها، ورجاؤه لغفرانه حسنة، وهو يرى التوبة منها، ولو لم يرها لم يكن مؤمناً، ورؤية التوبة منها حسنة، ويكره الدلالة عليها، ولو لم يكره الدلالة عليها لم يكن مؤمنًا، وكراهية الدلالة عليها حسنة.
- كأنَّه أراد بالدلالة اطلاع الناس عليه وهو مقيم على الذنب، أو أن يدل عليه وهو كذلك -.
قال: ويكره الموت عليها، ولو لم يكره الموت عليها لم يكن مؤمناً، وكراهية الموت عليها حسنة.
وهذه خمس حسنات، وهي بخمسين حسنة؛ الحسنة بعشر أمثالها.
قال: فهذه خمسون حسنة؛ فما ظنكُم بسيئة يعتورها خمسون حسنة، ويحيط بها، والله يقول:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]؟
وما ظنكم بثعلب بين خمسين كلباً، أليس يمزقونه؟
ثم بكى سهل، وقال: لا تحدثوا بهذا الجهال من الناس يتكلوا ويغتروا؛ فإنَّ هذه السيئة هي شيء عليه، وحسناته هي أشياء له، وما عليه فلله أن يأخذه به ويكون عادلاً بعقوبته عليه، وما له لا يظلمه الله عز وجل إيَّاه،
بل يوفيه ثوابه ولو بعد حين، ومن يصبر على نار جهنم ساعة واحدة؟
ولكن بادروا بالتوبة من هذه السيئة حتى تأمَنُوا العقوبة عليها، وتصيروا أحبَّاء الله؛ فإنَّ الله يحبُّ التوابين (1).
قلت: وهذه المعرفة التي أُلهمها سهل رضي الله عنه منتزعها من قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنتهُ وَسَاءَتْهُ سَيئتهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ".
أخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه (2).
بل أبلغ من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: "اللهُمَّ اجْعَلْنيْ مِن الَّذِيْنَ إِذَا أَحْسَنُوْا اسْتَبْشَرُوْا، وإذَا أَسَاؤُوْا اسْتَغْفَرُوْا". رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه، والبيهقي في "الشعب"(3).
وذلك أنَّ الاستبشار بالحسنة، والاستغفار من المعصية مبنيٌّ على الرَّجاء من الله تعالى، وهو من نتائج الإيمان به وبقدرته، وجوده وسعة رحمته، بل والاستغفار قد يكون مستخْرَجًا بالخوف من الله تعالى، وهو من نتائج الإيمان، وقد أشار إلى ذلك الحديث المتقدم الذي يقول الله تعالى فيه: "إِذا أَذْنبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ! عَمِلْتُ
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 203).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(6/ 129)، وابن ماجه (3820)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (6992) عن عائشة رضي الله عنها. قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (1/ 270): رواه ابن ماجه، وفيه علي بن زيد ابن جدعان مختلف فيه.
ذَنْبًا فَاغْفِرْ ليْ، أَذْنَبَ عَبْدِيْ ذَنْبًا فَعَلِمَ عَبْدِيْ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذّنْبَ وَيأخُذُ بِهِ" (1).
وهذا الذي جمعته هنا من فوائد التوبة مما أنعم الله عليَّ به من الاستنباط، ولم أره مجموعًا لغيري، وأرجو من كرم الله تعالى أن لا يحرمني التوبة ولا فوائدها بفضله وكرمه؛ إن الله على كل شيء قدير.
وقلت: [من الرجز]
نالَ العُبُودِيَّةَ بِالتوْبَةِ مَنْ
…
قَدْ تابَ وَحَبَّ الله وَالغُفْرانا (2)
وَرَحْمَةَ اللهِ وَإِنَّ اللهَ يُنـ
…
ـسِي ذَنْبَهُ الْحُفَّاظَ وَالْمَكانا
وَالعِزَّ وَالقُوةَ وَالنُّورَ وَأَنْ
…
يَرِق قَلْبُهُ الَّذِي اسْتكانا
وَالأَمْنَ مِنْ نَوائِبِ الدَّهْرِ وَأَنْ
…
يُوَسَّعَ الرزْقَ لَهُ إِحْسانًا
وَيرْقَعَ ما خَرَّقَهُ الذنْبُ مِنَ الـ
…
أَسْتارِ حَيْثُ اكْتَسَبَ العِصْيانا
وَأَنَّ أَمْلاكَ الإِلَهِ تَسْأَلُ الـ
…
ـلَهُ كُفْرانَ ما قَدْ كانا
وَأَنَّ سيِّئاتِهِ يُبْدِلُها الـ
…
ـلهُ وَأَنْ يُدْخِلَهُ الْجِنانا
وَأَنَّ رَبَّ العالَمِينَ يَمْنَحُ الـ
…
ـتَّائِبَ مِنْ أَفْضالِهِ الرِّضْوانا
فَتُبْ إِلَيْهِ إنَّهُ الرَّحْمَنُ ما
…
خابَ الذِي [قد] قَصَدَ الرَّحْمانا
واعلم أن التوبة فرض واجب من كل ذنب فعله المكلف، أو
(1) تقدم تخريجه.
(2)
كذا في "أ" و"ت".
عزم عليه كبيرًا كان أو صغيراً.
وقيل: لا تجب عن الصغائر لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31].
وقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114].
ولحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلى رَمَضَانَ مُكَفِّرَات لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ". رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي (1).
فلو لم يتب عن الصغيرة، بل اجتنبَ الكبائرَ كُفِّرت الصغيرة، فلا يخاطب بعد ذلك بوجوب التوبة قطعًا.
ومهما وجبت التوبة فوجوبها على الفور؛ فإنها كما قال الغزالي: جزء من الإيمان، والإيمان واجب على الفور (2).
وأيضًا فإنَّ ترك التوبة إصرار على الذنب، وقد مدح الله المؤمنين بعدم الإصرار، فقال:{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].
وروى اللالكائي، وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويل لِلَّذِيْنَ يُصِرُّوْنَ عَلَىْ مَا فَعَلُوْا
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 400)، ومسلم (233)، والترمذي (214).
(2)
انظر: "إحياء علوم الدين" للغزإلي (4/ 8).
وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ" (1).
وأيضًا فإنَّ الله تعالى يقول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} [آل عمران: 133].
وليس للمؤمن طريق إلى المغفرة من حيث كسبه الذي يمكن تكليفه به إلا التوبة، فيجب عليه المسارعة بها.
وأيضًا فإنَّ الله تعالى لما خاطب جميع المؤمنين بالتوبة في قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} [النور: 31] لم يوقِّت التوبة كما وقَّت الصلاة والصَّوم والصدقة، فوجب عليهم أن يُبادروا إلى امتثال أمره بالتوبة عقب كل ذنب لأنَّها طاعة لم توقَّت، وأمكن فعلها في الوقت، فتعيَّن صرفه لها.
قلت: والظاهر أنَّ فورية وجوب التوبة شريعة قديمة من عهد آدم عليه السلام، ألا ترى إلى قوله:{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 36، 37]؛ أي: فتاب بتلك الكلمات، فتاب الله عليه؟ أتى بالفاء التعقيبية عقب الزلة، فدل على أن آدم عليه السلام بادر بالتوبة.
وأمَّا قوله تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] فهذا
(1) رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السنة"(6/ 1048)، وكذا الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 165).
التراخي -إن سلم أنَّ ثمَّ للتراخي والترتيب - ليس بين توبة آدم وزلته، وإنما هو بين زلته وبين ظهور اجتباء الله له وتوبته عليه؛ فإنَّ آدم لما أُهبط إلى الأرض، وبادر إلى التوبة بكى زماناً طويلاً كما في الأثر حتى أوحى الله إليه بقبول توبته.
ويحتمل أنَّ ثم ترتيب الإخبار بالتوبة عليه، والاجتباء والهداية بعد الإخبار بالزلة، وعليه فلا يدل ذلك على تراخي التوبة عن الزلة؛ إذ لا يتحقق التراخي إلا بعد تحقق الترتيب.
وروى ابن أبي الدنيا، وعبد الله ابن الإِمام أحمد، واللالكائي عن عثمان بن زائدة رحمه الله تعالى قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني! لا تؤخر التوبة؛ فإنَّ الموت قد يأتي بغتة (1).
ومن عجيب الاتفاق أنَّ من شعر البخاري أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل صاحب "الصحيح" رضي الله تعالى عنه كما رواه ابن حجر في ترجمته، وغيره:[من الخفيف]
اغْتَنِمْ في الفَراغ فَضْلَ رُكُوعٍ
…
فَعَسى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةْ
كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتَ غَيْرَ سَقِيمٍ
…
ذهبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتةْ (2)
وكذلك كان موته بغتة، وذهبت روحه الكريمة فلتة، فقد قال
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل"(ص: 122)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة"(6/ 1050).
(2)
انظر: "مقدمة فتح الباري"(1/ 481).
ورَّاقه محمَّد بن أبي حاتم: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل -وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله البخاري بِخَرْتَنك- يقول: إنَّ البخاري أقام أياماً، واشتدَّ به المرض حتى وجَّه إليه رسول من سمرقند ليخرج كأنه إليهم، فلما وافى تهيَّأ للركوب، ولبس خُفه وتعمَّم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ورجل آخر معي يقوده إلى الدَّابة ليركبها، فقال رحمه الله تعالى: أرسلوني فقد ضعفت، فدعا بدعوات، ثم اضطجع فقضى.
وخرتنك -بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الراء، وفتح التاء المثناة من فوق، وإسكان النون، وبعدها كاف كما ضبطه ابن حجر-: قرية من قرى سمرقند مات بها البخاري رحمه الله تعالى ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومئتين عن إحدى وستين سنة رضي الله عنه (1).
وفي كلام لقمان المتقدم آنفًا إشارة إلى أنَّ من البواعث على التوبة التحقق بالموت، وأنه لا بُدَّ منه، وأنه قد يبغت العبد، وهذا أمر مشاهد في غيرك متواتر رؤية وسمعًا.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يتمثل كما رواه ابن أبي شيبة، وغيره:[من مجزوء الكامل المرفل]
تنفَكُّ تَسْمَعُ ما حَيِيـ
…
ـتَ بهالكِ حَتَّى تَكُونَهْ
(1) انظر: "تغليق التعليق" لابن حجر (5/ 441).
وَالْمَرْءُ قَدْ يَرْجُو الرَّجاءَ
…
وَالْمَوْتُ دُونَهُ (1)
والعاقل إذا طالع هذه الحقيقة لم يتأخر عن التوبة طرفة عين.
وروى ابن ماجه في كتاب الزهد من "سننه" بإسناد حسن، عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس على شفير القبر يبكي حتى بلَّ الثرى، ثمَّ قال:"يَا إِخْوَانيْ! لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوْا"(2).
أي: لمثل هذا المصرع فأعدوا؛ أي: تأهَّبوا وخذوا له عُدَّة، وهي ما يُعدَّ للحوادث.
وروى الخطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وجدت جمجمة في الجاهلية مكتوب عليها: [من مجزوء الخفيف]
أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي
…
اسْمَعِي ثُمَّ عِي وَعِي
أَنا رَهِينٌ بِمَصْرَعِي
…
فَاحْذَرِي مِثْلَ مَصْرَعِي (3)
وروى العسكري في "المواعظ" عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: حدثني شيخ لنا قال: مررت بقبر فإذا على جانبه:
أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي
…
البيتين.
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(35505).
(2)
رواه ابن ماجه (4195). وحسن المنذري إسناده في "الترغيب والترهيب، (4/ 120).
(3)
رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(2/ 35).
وبعدها
عِشْتُ تِسْعِينَ حَجَّةً
…
أَسْلَمَتْنِي لِمَضْجَعِي
كَمْ تَرى الْحَيَّ ثابِتاً
…
في دِيارِ التَّزَعْزُعِ
لَيْسَ زادٌ سِوى التُّقى
…
فَخُذِي مِنْهُ أَوْ دَعِي
قال: ثم درت من الجانب الآخر فإذا عليه: [من الوافر]
إِذا ما كُنْتَ مُتَّخِذاً وَصِيًّا
…
فَكُنْ فِيما مَلَكْتَ وَصِيَّ نَفْسِكْ
سَتَحْصُدُ ما زَرَعْتَ غَدًا وَتَجْنِي
…
إِذا وضعَ الْحِسابُ ثِمارَ غَرْسِك
قال: فسألت عن القبر، فقيل لي: قبر أبي العتاهية (1).
فمن أعظم المعونات على التوبة: قصر الأمل، وتوقع الأجل، والاستعداد للموت قبل حصول الفوت.
(1) وانظر: "العقد الفريد" لابن عبد ربه (3/ 210)، و"الأغاني" للأصبهاني (4/ 117)، و"المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" لابن الجوزي (10/ 243). ولم يذكروا البيتين الآخرين.
وروى ابن جهضم عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: الذي جبب الناس عن التوبة: طول الأمل.
قال: وعلامة التائب إسبال الدمعة، وحب الخلوة، والمحاسبة للنفس عند كل همة (1).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن الحسن في قوله تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54] قال: هو التوبة (2).
وأخرجه البيهقي في "الشعب" عن السدي (3).
وقلت: [من مجزوء الرمل]
يا ضَعِيفَ الرَّأْيِ لا يَصْـ
…
ـلُحُ شَيْءٌ مِنْ مَماتِكْ
ضاعَتِ الأَوْقاتُ مِنْ عُمْـ
…
ـركَ في فَرْطِ سِناتِكْ
لَوْ عَلِمْتَ العِلْمَ لاسْتَوْ
…
حَشْتَ مِنْ قُبْحِ صِفاتِكْ
تَسْحَبُ الأَذْيالَ في زَيِّ
…
أَخِي كِبْرٍ وَفاتِكْ
ما الَّذي أَعْدَدْتَهُ يُجْـ
…
ـديكَ مِنْ بَعْدِ وَفاتِكْ
كَمْ إِلَى كَمْ تَلْتَهِي في
…
ما أَرى مِنْ تُرَّهاتِكْ
تُبْ إِلَى رَبِّكَ يا مِسْـ
…
ـكِينُ مِنْ قَبْلِ مَماتِكْ
(1) وانظر: "صفة الصفوة" لابن الجوزي (4/ 90).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 15).
(3)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7199).
لَيْسَ كَالتَّوْبَةِ وَالإِحْـ
…
ـسانِ في تَطْهِيرِ ذاتِكْ
إِنَّها أَحْسَنُ ما قَدَّ
…
مْتَ يَوماً لِحَياتِكْ
ولمحت بالبيت الأخير إلى قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 23، 24].
روى ابن أبي حاتم عن الضحاك رحمه الله تعالى في قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ} ؛ قال: يريد التوبة، يقول:{يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} ؛ عملت في الدنيا لحياتي في الآخرة (1).
ولنا في التسويف: [من مجزوء الرمل]
لا تَقُلْ سَوْفَ أتوبُ
…
فَعَسى خَطْبٌ يَنُوبُ
إِنَّ تَسْوِيفَكَ هَذا
…
يا أَخِي إِثْمٌ وَحُوبُ
***
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3429).