الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حديث أبي هريرة المذكور، وهو حديث صحيح، وله شواهد أخرى.
وفيه دليل على أنه ينبغي أن يختار للتطبيب الأعلم والأحذق.
وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصححه، عن أبي خزامة (1) رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها؛ هل ترُدُّ من قدر الله شيئاً؟
فقال: "هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ"(2).
والمعنى: أنَّ الداء ينزل بقدر الله، ويكون في قدره أنه يذهب بالدواء الفلاني والرقية الفلانية، وإذا لم يوافقا القدر لا ينفعان.
والمراد الرقى المأذون فيها شرعاً، وهي ما كانت كلاماً عربياً لا حرج فيه، وقد سبق لنا في هذا الباب كلام في موضعٍ من القسم الأول من الكتاب.
-
ومن طبع الوَعِل:
ما ذكره الدميري والسيوطي في ترجمة الأروية أنه يبر أبويه، وذلك أنه يختلف إليهما بما يأكلانه، فإذا عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما.
(1) قال الترمذي: وقال بعضهم: - عن أبي خزامة عن أبيه، وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة عن أبيه، وقال بعضهم: عن أبي خزامة، وقد روى غير ابن عيينة هذا الحديث عن الزهريّ عن أبي خزامة عن أبيه، وهذا أصح.
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 421)، والترمذي (2065) وقال: حسن صحيح، والحاكم في "المستدرك"(87).
ونظير ذلك ما ذكراه: أن الفهود الهرمة العاجزة عن الصيد لنفسها تجتمع على فهد فتي فيصيد لها كل يوم شبعها.
فلا ينبغي للعبد أن يكون أعجز من هذين الحيوانين، فيقصَّر في بِرِّ أبويه خصوصاً عند كبرهما، ولا في حق من يليه إذا كان في حال الكبر والعجز، أو الضعف.
وقد سبق في حديث كعب بن عجرة عن الشاب الذي بكر يسعى: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَىْ أَبَوَيْنِ كَبِيْرَيْنِ لِيَكْفِيَهِمَا فَهُوَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ"(1).
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَا كرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنَّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ". رواه الترمذي من حديث أنس (2).
ومما يناسب هذا الفصل ما ذكره الدميري، والسيوطي أيضاً: أنَّ في طبع الكركي أنه يبر أبويه إذا كبرا.
قال كشاجم يخاطب ولده: [من الخفيف]
اتَّخِذ فِيَّ خُلَّةَ الكراكِي
…
أتخِذْ فِيكَ خُلَّةَ الوَطْواطِ
أَنا إِنْ لَمْ تَبَرَّنِي تُعَنَّى
…
فَبِبِرِّي تَرْجُو جَوازَ السِّراطِ
وخلة الوطواط، وهو الخفاش أنه يبر ولده، ولا يتركه بِمَضْيعة، بل يحمله معه حيثما توجه.
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه الترمذي (2022) وقال: غريب.
قيل: وليس في الحيوان ما يحمل ولده غير الوطواط، والقرد، والإنسان، ولعله في الغالب.
وإلا فالهر تحمل أولادها، لكنها تجمع بين بر وعقوق، فربما أكلت أولادها.
قيل: وذلك لشدة حنوها على أولادها.
والوطواط يحمل ولده تحت جناحه، وربما قبض عليه بفيه، وذلك من حنوه وإشفاقه عليه، وربما أرضعت الأنثى ولدها وهي طائرة.
فلا ينبغي للإنسان أن يكون أعجز من هذه البهائم في الحنو على ولده والقيام عليهم بالإنفاق والتربية.
وأكثر ما يحصل للآباء القسوة على الأولاد من موت الأمهات، واختيار الآباء لزوجات أُخر، فتغلب شهوتُه مروءتَه، وذلك غير محمود، بل هو مما يذم به الإنسان.
وقد روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "أَعِيْنُوْا أَوْلادكمْ عَلَىْ الْبِرِّ، مَنْ شَاءَ اسْتَخْرَجَ الْعُقُوْقَ مِنْ وَلَد"(1).
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه: "وَإِنْ
(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4076). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 146): فيه من لم أعرفهم.