المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[المبحث الخامس القيام] - خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية

[عبد العزيز الحجيلان]

فهرس الكتاب

- ‌[تقديم لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ]

- ‌[المقدمة]

- ‌[الفصل الأول تعريف الخطبة والجمعة وحكم خطبة الجمعة]

- ‌[المبحث الأول تعريف الخطبة والجمعة وتسميتها بذلك]

- ‌[المطلب الأول تعريف الخطبة]

- ‌[المطلب الثاني تعريف الجمعة وتسميتها بذلك]

- ‌[المبحث الثاني حكم خطبة الجمعة]

- ‌[المبحث الثالث هل الشرط خطبة واحدة أو خطبتان]

- ‌[الفصل الثاني شروط الخطبة]

- ‌[المبحث الأول النية]

- ‌[المبحث الثاني حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة]

- ‌[تمهيد]

- ‌[المطلب الأول اشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة]

- ‌[المطلب الثاني استمرار حضور العدد حتى نهاية الخطبة]

- ‌[المبحث الثالث أن تكون بعد دخول وقت الجمعة]

- ‌[المبحث الرابع تقديمها على الصلاة]

- ‌[المبحث الخامس القيام]

- ‌[المبحث السادس الجهر بالخطبة]

- ‌[المبحث لسابع كونها باللغة العربية]

- ‌[المبحث الثامن الموالاة في الخطبة]

- ‌[تمهيد]

- ‌[المطلب الأول الموالاة بين أجزاء الخطبة]

- ‌[المطلب الثاني الموالاة بين الخطبة والصلاة]

- ‌[الفصل الثالث أركان خطبة الجمعة]

- ‌[التهميد]

- ‌[المبحث الأول حمد الله تعالى]

- ‌[المبحث الثاني الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم]

- ‌[المبحث الثالث الموعظة]

- ‌[المبحث الرابع قراءة شيء من القرآن]

- ‌[المطلب الأول حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة]

- ‌[المطلب الثاني أقل مقدار للقراءة]

- ‌[المطلب الثالث قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له]

- ‌[المبحث الخامس حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها]

- ‌[المبحث السادس]

- ‌[الفصل الرابع سنن خطبة الجمعة]

- ‌[المبحث الأول السنن لها]

- ‌[المطلب الأول الطهارة]

- ‌[المسألة الأولى الطهارة من الحدث الأكبر (الجنابة) ]

- ‌[المسألة الثانية الطهارة من الحدث الأصغر]

- ‌[المطلب الثاني ستر العورة وإزالة النجاسة]

- ‌[المطلب الثالث التجمل]

- ‌[المسألة الأولى لبس أحسن ثيابه]

- ‌[المسألة الثانية لون الثياب التي يتجمل بها]

- ‌[المطلب الرابع أن تكون على منبر أو موضع عال]

- ‌[تمهيد]

- ‌[المسألة الأولى حكم اتخاذ المنبر]

- ‌[المسألة الثانية حكم الخطبة على المنبر أو ما يقوم مقامه]

- ‌[المسألة الثالثة مكان المنبر ومكان الوقوف عليه]

- ‌[المطلب الخامس استقبال الخطيب للناس]

- ‌[المسألة الأولى استقبال الناس واستدبار القبلة]

- ‌[المسألة الثانية أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت]

- ‌[المطلب السادس استقبال الناس للخطيب]

- ‌[المطلب السابع السلام على الناس]

- ‌[المسألة الأولى السلام إذا دخل المسجد]

- ‌[المسألة الثانية السلام على الناس إذا صعد المنبر]

- ‌[المطلب الثامن الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن]

- ‌[المطلب التاسع اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيفا أو نحوها]

- ‌[المسألة الأولى حكم الاعتماد على قوس أو عصا أو سيف أو نحوها]

- ‌[المسألة الثانية اليد التي يمسك بها الخطيب القوس أو العصا أو نحوهما]

- ‌[المسألة الثالثة ما يفعل الخطيب بيديه إذا لم يعتمد على شيء]

- ‌[المطلب العاشر رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب]

- ‌[المطلب الحادي عشر الجلسة بين الخطبتين]

- ‌[المسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتين]

- ‌[المسألة الثانية مقدار الجلسة بين الخطبتين]

- ‌[المبحث الثاني السنن في خطبة الجمعة]

- ‌[المطلب الأول تقصيرها]

- ‌[المسألة الأولى تقصير الخطبتين معا]

- ‌[المسألة الثانية تقصير الخطبة الثانية أكثر من الأولى]

- ‌[المطلب الثاني أن تكون الخطبة فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة]

- ‌[المطلب الثالث قراءة سورة (ق) في الخطبة]

- ‌[المطلب الرابع الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية]

- ‌[المطلب الخامس الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية]

- ‌[المطلب السادس ختم الخطبة الثانية بالاستغفار]

- ‌[الفصل الخامس مسائل متفرقة في خطبة الجمعة]

- ‌[المبحث الأول التقصير في إعدادها بالاعتماد على خطب مدونة قديما ونحو]

- ‌[المبحث الثاني إخراجها عن مقصودها الشرعي]

- ‌[المبحث الثالث صلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر]

- ‌[المبحث الرابع دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان]

- ‌[المبحث الخامس الخطبة من صحيفة]

- ‌[المبحث السادس الكلام في الخطبة]

- ‌[المطلب الأول حكم السلام في الخطبة]

- ‌[المسألة الأولى حكم كلام الخطيب]

- ‌[المسألة الثانية حكم كلام الحاضر للخطبة]

- ‌[الأمر الأول حكم كلامه إذا كان يسمع الخطبة]

- ‌[الأمر الثاني حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان لا يسمعها]

- ‌[الأمر الثالث حكم رد السلام وتشميت العاطس]

- ‌[الأمر الرابع حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكره الخطيب]

- ‌[الأمر الخامس حكم التأمين على الدعاء والجهر به]

- ‌[المسألة الثالثة ما يستثنى من تحريم الكلام أو كراهته في خطبة الجمعة]

- ‌[المطلب الثاني وقت المنع من الكلام في الخطبة]

- ‌[المسألة الأولى حكم الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل الشروع في]

- ‌[المسألة الثانية حكم الكلام بين الخطبتين]

- ‌[المسألة الثالثة حكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس]

- ‌[المسألة الرابعة حكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء]

- ‌[المبحث السابع الدق بالسيف على المنبر]

- ‌[المبحث الثامن إشارة الخطيب باليد أثناء الخطبة]

- ‌[المبحث التاسع التفات الخطيب يمينا وشمالا أثناء الخطبة]

- ‌[المبحث العاشر قول الخطيب في آخر الخطبة الأولى ادعوا الله وأنتم موقنون]

- ‌[المبحث الحادي عشر المبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية وخفض الصوت]

- ‌[المبحث الثاني عشر رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة]

- ‌[المبحث الثالث عشر ختم الخطبة الثانية بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ]

- ‌[الخاتمة]

- ‌[فهرس المصادر والمراجع]

الفصل: ‌[المبحث الخامس القيام]

[المبحث الخامس القيام]

المبحث الخامس: القيام اختلف الفقهاء في اشتراط القيام للخطيب حال الخطبة، وذلك على ثلاثة أقوال: -

القول الأول: أن قيام الخطيب حال الخطبة شرط مع القدرة عليه وهذا هو القول الصحيح والمشهور عند الشافعية (1) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (2) . قال في الجامع لأحكام القرآن:" وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء "(3) .

بل قال النووي (4) " وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على

(1) ينظر: الوجيز 1 / 64، وحلية العلماء 2 / 276، والمهذب والمجموع معه 4 / 514، وروضة الطالبين 2 / 26، ومغني المحتاج 1 / 287.

(2)

ينظر في: شرح الزركشي 2 / 174، والمغني 3 / 171، والفروع 2 / 119، والإنصاف 2 / 397، والمبدع 2 / 163.

(3)

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18 / 114.

(4)

هو يحيى بن شرف بن مري الحزامي، النووي، يكنى بأبي زكريا، محيي الدين، ولد في نوى عام 631 هـ، وتعلم في دمشق، وأقام بها زمنا طويلا، يعد أستاذ المتأخرين من الشافعية، صنف مصنفات جليلة ومتنوعة، منها: شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين، وتوفي سنة 676 هـ.

(ينظر: تذكرة الحفاظ 4 / 1470، وطبقات الشافعية للسبكي 5 / 165) .

ص: 74

أن الخطبة لا تكون إلا قائما لمن أطاقه (1) .

ولكن هذه الدعوى - أي دعوى الإجماع - مردودة بما سيأتي من قول أصحاب القول الثاني.

القول الثاني: أن قيام الخطيب حال الخطبة سنة.

وبهذا قال الحنفية (2) وبعض المالكية (3) وهو وجه عند الشافعية (4) ولكن قال عنه في المجموع: " وهو شاذ ضعيف أو باطل "(5) .

وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه جمهورهم (6) .

(1) شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 150.

(2)

ينظر: المبسوط 2 / 62، والهداية للمرغيناني 1 / 83، وبدائع الصنائع 1 / 263، ورؤوس المسائل للزمخشري ص (184) ، والفتاوى الهندية 1 / 146.

(3)

ينظر: الفواكه الدواني 1 / 307، وشرح الخرشي 2 / 79، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه 2 / 166.

(4)

ينظر في: المجموع 4 / 514، وروضة الطالبين 2 / 26.

(5)

المجموع 4 / 514.

(6)

ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1 / 52، والتمام 1 / 223، وشرح الزركشي 2 / 174، والمغني 123 / 171، والفروع 2 / 119، والمحرر 1 / 151، والإنصاف 2 / 397، والمبدع 2 / 162.

ص: 75

القول الثالث: أن قيام الخطيب حال الخطبة واجب، فإن خطب جالسا مع القدرة على القيام فقد أساء، وتجزئه.

وبهذا قال أكثر المالكية (1) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول.

أولا: من الكتاب: قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11](2) .

وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما، وقد قال - تعالى -:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21](3) مع قوله - تعالى -:

(1) ينظر الإشراف 1 / 133، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه 2 / 166، وحاشية الدسوقي 1 / 379.

(2)

سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (11) .

(3)

سورة الأحزاب، جزء من الآية رقم (21) .

ص: 76

{وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158](1) وقوله - تعالى -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7](2) مع قوله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (3)(4) .

مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه حكاية فعل، وذلك لا يدل على الوجوب بل على الاستحباب (5) .

وأما التأسي به واتباعه وأخذ ما جاء به صلى الله عليه وسلم فهو حسب صيغة ما جاء، فما جاء بصيغة الأمر وجب العمل به، وما جاء بصيغة الاستحباب أو مجرد فعل كهذا فإنه يستحب العمل به ولا يجب، وأما الأمر بالصلاة كما صلى فإن الخطبة ليست صلاة، وفي الاستدلال به على الوجوب خلاف كما تقدم.

ثانيا: من السنة: 1 - ما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كان

(1) سورة الأعراف، جزء من الآية رقم (158) .

(2)

سورة الحشر، جزء من الآية رقم (7) .

(3)

تقدم تخريجه من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه ص (32) .

(4)

ذكر هذا الاستدلال النووي في شرح صحيح مسلم 6 / 152.

(5)

وممن ذكر ذلك الزركشي في شرح الخرقي 2 / 174.

ص: 77

النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال: إنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فلقد والله صليتُ معه أكثر من ألفي صلاة» (1) .

قال النووي: " وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعي والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصح من القادر على القيام إلا قائما في الخطبتين "(2) .

ثم قال - أي النووي - على قوله: «ألفي صلاة» : " المراد الصلوات الخمس لا الجمعة "(3) .

ولا شك أن هذا الحديث يدل على مواظبته صلى الله عليه وسلم على القيام حال الخطبة.

2 -

ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

«كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن» (4) .

(1) تقدم تخريجه ص (31- 32) .

(2)

شرحه على صحيح مسلم 6 / 149.

(3)

المرجع السابق 6 / 150.

(4)

تقدم تخريجه ص (31) .

ص: 78

3 -

ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير الشام. . .» الحديث (1) .

وفي لفظ: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يوم الجمعة إذ قدمت عير إلى المدينة. . .» الحديث (2) .

وجه الدلالة من الحديثين: قال في التمام بعد الاستدلال بهما: " وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا تعلق بالقرينة وجب الاقتداء به؛ لقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158](3)(4) .

ولم يبيّن القرينة، ولعل المواظبة الكاملة التي دل عليها حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قرينة مع ما سبق.

4 -

ما رواه طاوس (5) قال: 11 خطب رسول الله - صلى الله

(1) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب في قوله - تعالى -: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا (2 / 590، الحديث رقم (836) .

(2)

أخرجه مسلم في صحيحه في الكتاب والباب السابقين 2 / 590.

(3)

سورة الأعراف، جزء من الآية رقم (158) .

(4)

التمام 1 / 233 - 234.

(5)

هو طاوس بن كيسان الحميري، مولى بحير بن ريسان، يكنى بأبي عبد الرحمن، عالم اليمن، قال عنه ابن حبان:" كان من عباد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، وقد حج أربعين حجة، وهو حجة باتفاق "، وتوفي سنة 101 هـ.

(ينظر: طبقات ابن سعد 5 / 537، وتهذيب التهذيب 5 / 8) .

ص: 79

عليه وسلم - قائما، وأبو بكر قائما، وعمر قائما، وعثمان قائما، وأول من جلس على المنبر معاوية بن أبي سفيان " (1) .

وفيه دلالة على مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه على القيام حال الخطبة.

ولكن هذا مرسل كما هو واضح؛ لأن طاوس تابعي.

قال في فتح الباري - في معرض استدلاله بهذه الأدلة وتوجيهها -: " وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس "(2) .

ثالثا: من آثار الصحابة: 1 - تقدم ما رواه طاوس عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وقد ورد بلفظ:" لم يكن أبو بكر ولا عمر يقعدون على المنبر يوم الجمعة، وأول من قعد معاوية "(3) .

(1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما 2 / 112.

(2)

فتح الباري 2 / 401.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما 2 / 112.

ص: 80

2 -

ما روي عن كعب (1) بن عجرة رضي الله عنه أنه دخل المسجد وعبد الرحمن (2) بن أم الحكم يخطب قاعدا، فقال:" انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، وقال الله - تعالى -: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] (3) "(4) .

وفي رواية: " ما رأيتُ كاليوم قط إماما يؤم المسلمين يخطب وهو جالس "، يقول ذلك مرتين (5) .

وقد وجه النووي الاستدلال به بتوجيهه للآية فيما سبق.

(1) هو كعب بن عجرة بن أمية بن عدي البلوي، المدني، حليف الأنصار، يكنى بأبي محمد، صحابي مشهور، شهد الحديبية والمشاهد كلها، ونزلت فيه قصة الفدية، وسكن الكوفة، مات بالمدينة بعد الخمسين.

(ينظر: الإصابة 5 / 304، وأسد الغابة 4 / 243) .

(2)

هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، اشتهر بأمه، وهي أخت معاوية بن أبي سفيان، ولاه خاله الكوفة بعد موت زياد في سنة 57 هـ، فأساء السيرة، فعزله. مات في أول خلافة عبد الملك، ذكره البخاري وغيره من التابعين.

(ينظر: الإصابة: 3 / 71، ط دار الكتاب العربي) .

(3)

سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (11) .

(4)

أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب في قوله - تعالى - وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا 2 / 591، الحديث رقم (684) .

(5)

هذه الرواية ذكرها ابن حجر في الفتح 2 / 401 وعزاها إلى ابن خزيمة ولم أعثر عليها في صحيحه.

ص: 81

ولا شك أن إنكار كعب هذا مع هذا الوصف الذميم، وتعليله بخطبته جالسا مع الاستدلال بالآية يدل على ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم من المواظبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الوجوب، والرواية الثانية تدل على أن عليه عمل المسلمين قاطبة مع عدم العذر.

قال ابن العربي المالكي عن الاستدلال بكل ما سبق: " وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة القيام أصل في الوجوب، والعمدة قول الله - تعالى -:{وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] فذمهم، وذلك دليل على الوجوب المختص به، ولا سيما وقد قلنا إنه عوض عن الركعتين، والقيام واجب في العوض فوجب في المعوض (1) .

لكن القول بأن الخطبتين بدل عن الركعتين محل نظر سبق بيانه عدة مرات (2) .

رابعا: من المعقول: أن الخطبة أحد فرضي الجمعة، فوجب فيها القيام والقعود، كالصلاة (3) .

(1) ينظر: عارضة الأحوذي 2 / 295 - 296.

(2)

ينظر ص (34 - 35) .

(3)

ينظر: المهذب مع المجموع 4 / 514.

ص: 82

أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول.

أولا: من الكتاب: قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] الآية (1) .

وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أطلق الذكر في الآية ولم يقيده بحال القيام، والمقصود يحصل بدونه، فدل على عدم اشتراط القيام حال الخطبة (2) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:

الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى بيّن بعد هذه الآية أن هذا الذكر في حال القيام، وذلك في قوله:{وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11](3) فكأنه تقييد لما قبله.

(1) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (9) .

(2)

ينظر: شرح الزركشي على الخرقي 2 / 174.

(3)

سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (11) .

ص: 83

الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بهذا الذكر قائما وواظب على ذلك، وكذلك الخلفاء كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، وذلك بيان لإطلاق الآية.

ثانيا: من السنة: 1 - ما روي أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه وقد امتروا (1) في المنبر مِمَّ عُوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: «والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيتُهُ أول يوم وضِعَ، وأول يوم جلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - مُرِي غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة (2) ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه

(1) قال ابن حجر: من المماراة، وهي المجادلة.

(ينظر: فتح الباري 2 / 397) .

(2)

قال ابن حجر: " في رواية سفيان عن أبي حازم " من أثل الغابة " ولا مغايرة بينهما فإن الأثل هو الطرفاء، وقيل يشبه الطرفاء، وهو أعظم منه، والغابة - بالمعجمة وتخفيف الموحدة - موضع من عوالي المدينة جهة الشام، وأصلها كل شجر ملتف.

(ينظر: فتح الباري 2 / 399) .

ص: 84

وسلم - فأمر بها فوُضِعتْ هاهنا، ثم رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها، وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى (1) فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعتُ هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» (2) .

الشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس» .

والحديث واضح الدلالة حسب قولهم.

مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه يحتمل أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين (3) .

2 -

ما رواه أبو سعيد الخدري (4) رضي الله عنه قال:

(1) قال ابن حجر: " القهقرى - بالقصر - المشي إلى الخلف ".

(ينظر: فتح الباري 2 / 400) .

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الخطبة على المنبر 1 / 220.

(3)

ينظر: فتح الباري 2 / 401.

(4)

هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، الخزرجي، الخدري، مشهور بكنيته أبي سعيد، استصغره النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فرده، وشهد ما بعدها، وكان من حفاظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المكثرين، توفي سنة 64هـ، وقيل غير ذلك.

(ينظر: أسد الغابة 5 / 211، والإصابة 3 / 85) .

ص: 85

«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله» الحديث (1) .

وهذا الحديث واضح الدلالة حسب قولهم.

مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن هذا في غير خطبة الجمعة، فلا دليل فيه (2) .

ثالثا: من آثار الصحابة: 1 - ما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يخطب قاعدا (3) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن المشهور عنه رضي الله عنه القيام حال الخطبة كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول وغيرها، وإنما فعل ذلك لعارض حيث كان يصيبه رعدة لكبر

(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب يستقبل الإمام القوم. 1 / 221، وفي كتب أخر مطولا.

(2)

ينظر: فتح الباري 2 / 401.

(3)

هكذا استدل به السرخسي في المبسوط 2 / 26، والكاساني في بدائع الصنائع 1 / 263، وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب الخطبة قائما 3 / 188، 189، الأثر رقم (5262) ، ورقم (5266) بأن ذلك حينما كبر وأصبح تصيبه رعدة بسبب ذلك.

ص: 86

سنه، ولم يثبت عنه أيضا أنه كان يخطب عند جلوسه في هذه الرعدة كما في بعض الآثار (1) .

2 -

ما روي عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه كان يخطب وهو قاعد (2) .

مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن جلوسه كان لعذر، فقد روي عنه أنه خطب جالسا لما كثر شحم بطنه ولحمه (3)(4) .

وقد أورد في فتح الباري وجه الاحتجاج بهذين الأثرين وأجاب عنه حيث قال: " وأما من احتجَّ بأنه لو كان شرطا ما صلى من أنكر ذلك مع القاعدة، فجوابه: أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد قعد باجتهاد كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعود ثم إنه صلى خلفه فأتم معه، واعتذر بأن الخلاف شر "(5) .

(1) تقدم تخريجها ص (80) .

(2)

تقدم تخريجه عن طاوس ص (80) .

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما 2 / 113.

(4)

ينظر: فتح الباري 2 / 401.

(5)

ينظر: المرجع السابق.

ص: 87

رابعا: من المعقول: 1 - أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرطه القيام، قياسا على الأذان، والإقامة (1) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قد ورد من الأدلة على القيام في الخطبة والمواظبة عليه، والإنكار على تركه كما تقدم في أدلة القول الأول ما لم يرد في الأذان والإقامة، فلا يصح القياس.

2 -

أن الخطبة ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام، كالأذان (2) .

ويناقش بما نوقش به ما قبله.

أدلة أصحاب القول الثالث: الظاهر أنهم يستدلون على الوجوب بما استدل به أصحاب القول الأول.

وأما الإجزاء عند عدم القيام مع عدم العذر فاستدلوا عليه بما يلي: -

(1) ينظر رؤوس المسائل الخلافية للعكبري 1 / 329، والمبدع 2 / 162، وكشاف القناع 2 / 36.

(2)

ينظر: المغني 3 / 171.

ص: 88

1 -

ما استدل به أصحاب القول السابق من أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة لأجلها، فلم يكن من صحته القيام كالأذان، والإقامة (1) .

ويناقش بما تقدم مناقشته به.

2 -

أن الغرض من القيام أن يشاهد الناس الخطيب ويتمك نوا من سماع الخطبة، فلم يؤثر الإخلال به، كالصعود على المنبر (2) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الصعود على المنبر عندهم - أي المالكية - سنة وليس بواجب (3) بل هو سنة بالإجماع (4) كما سيأتي، فهم قاسوا أمرا واجبا على سنة، فلا يصح.

الوجه الثاني: أنه قد جاء في القيام من الأدلة ما لم يأت في الصعود على المنبر، فلا يقاس عليه.

(1) ينظر: الإشراف 1 / 133.

(2)

ينظر: المرجع السابق.

(3)

ينظر: مواهب الجليل 2 / 172.

(4)

نقله النووي في المجموع 4 / 527.

ص: 89

الترجيح: بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلتها والمناقشات الواردة عليها تبين أن الأدلة فعلية في الجملة، ولكنها دالة على المواظبة، ليس من النبي صلى الله عليه وسلم فحسب بل ومن خلفائه من بعده، حتى ورد الإنكار الشديد على من قعد، فالذي يظهر من ذلك - والله أعلم بالصواب - رجحان القول الأول القائل بأن قيام الخطيب حال الخطبة شرط مع القدرة عليه.

ص: 90