الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دليل أصحاب القول الثاني: يمكن الاستدلال لهم بأن الخطيب في حال السكوت للتنفس ليس بمتكلم، فلا يجب الإنصات والاستماع؛ لعدم الموجب، كما هو الحال قبل الخطبة، وبعدها.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطيب وإن كان لا يتكلم في حال التنفس إلا أنه في حكم المتكلم، لأنه لا يقصد السكوت باختياره، وإنما هو مجبر على السكوت العارض، وأما القياس على ما قبل الخطبة وبعد الفراغ منها فهو قياس مع الفارق؛ لأنه قبلها لم يشرع فيها، وبعدها قد فرغ، ولا يعد خاطبا في الحالين لا حقيقة ولا حكما، بخلاف حال السكوت للتنفس كما تقدم.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس، لما ذكرت من الاستدلال.
[المسألة الرابعة حكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء]
المسألة الرابعة
حكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء: تقدم الكلام على مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة، وإذا
قيل بمشروعيته فدعا الخطيب فهل ينتهي وقت تحريم الكلام، فيجوز، أم لا، فيحرم كسائر أجزاء الخطبة؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحرم الكلام في حال الدعاء مطلقا.
وهذا هو الظاهر من قول الحنفية، والمالكية، وأحد القولين للشافعية، حيث قالوا بتحريم الكلام على الحاضر حال الخطبة، ولم يستثنوا شيئا منها كما تقدم (1) .
وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (2) .
القول الثاني: يجوز الكلام في حال الدعاء مطلقا.
وهذا هو الظاهر من القول الصحيح عند الشافعية، حيث قالوا باستحباب السكوت حال الخطبة كما تقدم (3) .
وهو وجه عند الحنابلة (4) .
(1) ص (302 - 303) .
(2)
ينظر: المغني 3 / 201، والفروع 2 / 125، والإنصاف 2 / 418، والمبدع 2 / 175 - 176.
(3)
ص (303) .
(4)
ينظر: المغني 3 / 200، والفروع 2 / 125، والإنصاف 2 / 418، والمبدع 2 / 176، وكشاف القناع 2 / 48.
القول الثالث: يجوز إذا كان الدعاء غير مشروع، ويحرم إذا كان مشروعا.
وهذا احتمال عند الحنابلة (1) .
الأدلة:
دليل أصحاب القول الأول: أن الدعاء تابع للخطبة، فيثبت له ما ثبت لها، ومن ذلك تحريم الكلام، كالتطويل في الموعظة (2) .
دليل أصحاب القول الثاني: أن الخطيب إذا شرع في الدعاء فقد فرغ من الخطبة وشرع في غيرها، فيجوز الكلام، أشبه ما لو نزل (3) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بفراغ الإمام من الخطبة بشروعه في الدعاء، بل لا يزال في الخطبة ويطلق عليه أنه يخطب، وأما القياس على ما بعد النزول فهو قياس مع الفارق، فما بعد النزول لا يسمى خطيبا، وينزل من المنبر ويشرع في
(1) ينظر: المغني 3 / 201، والإنصاف 2 / 418، والمبدع 2 / 176.
(2)
ينظر: المغني 3 / 201.
(3)
ينظر: المغني 3 / 200.
الصلاة، بخلاف حال الدعاء فإنه يسمى خطيبا، ولا يزال قائما على المنبر يتكلم.
دليل أصحاب القول الثالث: استدلوا على التحريم إذا كان الدعاء مشروعا بما استدل به أصحاب القول الأول.
واستدلوا على الجواز إذا كان الدعاء غير مشروع بأن الدعاء في هذه الحالة لا حرمة له، فلا يجب الإنصات له (1) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن عموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام لم تفرق بين كلام وكلام، فتبقى على العموم.
الوجه الثاني: أن المشروعية وعدمها مما تختلف فيها الآراء والاجتهادات، فقد يرى الحاضر أن ما يدعو به الإمام ليس بمشروع ويرى غيره أنه مشروع، بل واجب، ويكون الحق مع الإمام، فيقع في المحرم ويشوش على من يرى أنه مشروع.
(1) ينظر: المغني 3 / 201.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام حال دعاء الخطيب مطلقا، لقوة ما استدلوا به، ولعموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام على الحاضر حال الخطبة، فهي لم تفرق بين الدعاء وغيره، وبين المشروع وغيره، خاصة وأن الخطيب لا يمكن أن يدعو بشيء مجمع على عدم مشروعيته، فهذا بعيد جدا، بل قد يدعو بشيء مختلف في مشروعيته.