الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة، والأولى في آخرها، لما استدلوا به، ويؤيد السنية بأن الساعة ساعة ترجى فيها إجابة الدعاء، والدعاء للمسلمين من أعظم الأمور وأهمها وأكثرها فائدة للإسلام والمسلمين في هذا الوقت.
قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في تقرير له موضحا ما ينبغي أن يتضمنه الدعاء: " ويكون دعاؤه للمسلمين بالأمور الهامة من نصرة الإسلام والمسلمين، وكبت أعداء الدين، ونحو ذلك "(1) .
[المطلب الخامس الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية]
المطلب الخامس
الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة بدون تعيين.
(1) فتاوى ورسائل سماحته 3 / 21.
المسألة الثانية: الدعاء لولي أمر بعينه. المسألة الأولى: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة بدون تعيين: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة وبدون تعيين بالصلاح والإعانة على الحق، والقيام بالعدل، ونحو ذلك في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة مستحب كما ذكر النووي حيث قال:" فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك، ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق "(1) . المسألة الثانية: الدعاء لولي أمر بعينه: كما أن للناس حقوقا على ولي الأمر، فكذلك له عليهم حقوق أعظمها وأهمها محبته، وطاعته في غير معصية الله، والدعاء له بالصلاح والهداية والتوفيق والإعانة ونحو ذلك مما فيه منفعة له ولعموم رعيته وللمسلمين عامة، وعلى هذا المنهج كان
(1) ينظر: المجموع 4 / 521، وروضة الطالبين 2 / 33.
سلفنا الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا حتى وإن نالهم شيء منهم كما حصل للإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما، وقد كان الإمام أحمد يقول:" لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل، لأن في صلاحه صلاحا للمسلمين "(1) وقال: " إني لأدعو له بالتوفيق والتسديد "(2) وذلك اتباعا لما يعلمونه من شرع الله عز وجل، وإيمانا منهم بما يحصل من طاعته وصلاحه من اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، واستتباب الأمن، وأداء الحقوق، وقيام مصالح الناس وحياتهم على الوجه السوي، وما يحصل بضدِّ ذلك من الأضرار والمفاسد التي لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، ولا يعرف ذلك إلا من جربه.
وخطبة الجمعة من الأوقات التي تُرجى فيها إجابة الدعاء؛ لأنها تحصل في الساعة التي لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه على أرجح الأقوال - في نظري -، كما أنها تحصل في مجمع من الناس يؤمنون عليها، وقد يكون منهم من هو مستجاب الدعوة، فهل يشرع في الخطبة الثانية الدعاء له بعينه؟
(1) ينظر: الفروع 2 / 120، والإنصاف 2 / 398.
(2)
ينظر: الفروع 2 / 120، والمبدع 2 / 164.
اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مستحب.
وبهذا قال بعض المالكية (1) وبعض الحنابلة (2) وعبارة صاحب المغني توحي بأنه يميل إليه حيث قال: " وإن دعا لسلطان المسلمين فحسن "(3) وكذا صاحب الإنصاف حيث قال عنه: " وما هو ببعيد "(4) .
القول الثاني: أنه جائز.
وبهذا قال بعض الشافعية، واختاره النووي (5) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (6) .
القول الثالث: أنه غير مشروع، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من ذلك فقال ببدعيته.
(1) ينظر: مواهب الجليل 2 / 165.
(2)
ينظر: المغني 3 / 181، والفروع 2 / 120، والإنصاف 2 / 398، والمبدع 2 / 164.
(3)
المغني 3 / 181.
(4)
الإنصاف 2 / 398.
(5)
ينظر: المجموع 4 / 521، وروضة الطالبين 2 / 32 - 33، ومغني المحتاج 1 / 290.
(6)
ينظر: شرح الزركشي 2 / 182، والمغني 3 / 181، والفروع 2 / 120، والإنصاف 3 / 397، والمبدع 2 / 164، وكشاف القناع 2 / 37.
وبهذا قال بعض المالكية (1) وبعض الشافعية (2) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من آثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من آثار الصحابة رضي الله عنهم: ما رواه ضبة (3) بن محصن أن أبا موسى الأشعري (4) رضي الله عنه " كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لعمر، وأبي بكر، وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر،
(1) ينظر: مواهب الجليل 2 / 165.
(2)
ينظر: الأم 1 / 233، والمجموع 4 / 521، وروضة الطالبين 2 / 32 - 33.
(3)
هو ضبة بن محصن العنزي، البصري، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: قليل الحديث، وقال الأزدي: ثقة مشهور.
(ينظر: طبقات ابن سعد 7 / 103، وتهذيب التهذيب 4 / 442) .
(4)
هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري، مشهور بكنيته أبي موسى، قيل: إنه هاجر إلى الحبشة وقدم المدينة بعد فتح خيبر، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن، ثم عمر على البصرة، ثم عثمان على الكوفة، وكان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفتنة، وتوفي سنة 42 هـ.
(ينظر: طبقات ابن سعد 2 / 344، والإصابة 4 / 119) .
فقال لضبة: أنت أوفق منه وأرشد " (1) .
وهو واضح الدلالة لكن لم يتحقق لي ثبوته.
ثانيا: من المعقول: 1 - أن إمام المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه (2) .
دليل أصحاب القول الثاني: أن الدعاء للمعين يجوز في الصلاة على الصحيح، ففي الخطبة أولى (3) .
وهذا الدليل لا مخالفة فيه لما ذكره أصحاب القول الأول.
دليل أصحاب القول الثالث: ما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: الذي يدعو الناس به في الخطبة يومئذ أبلغك عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا إنما أحدث،
(1) ذكره بهذا اللفظ مستدلا به ابن قدامة في المغني 3 / 181، وأشار إليه باختصار برهان الدين ابن مفلح في المبدع 2 / 164، والبهوتي في الكشاف 2 / 37، ولم يذكروا من أخرجه، ولم أطلع عليه في ما بين يدي من كتب السنة والآثار.
(2)
ينظر: المغني 3 / 181، والمبدع 2 / 164، وكشاف القناع 2 / 37.
(3)
ينظر: شرح الزركشي 2 / 182.
إنما كانت الخطبة تذكيرا (1) .
وهو واضح الدلالة على قولهم.
مناقشه هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه متكلم في صحته كما في تخريجه.
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد فعله الصحابة رضي الله عنه كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، وهو مقدم على قول عطاء (2) .
الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باستحباب الدعاء لولي الأمر بعينه في خطبة الجمعة؛ لما استدلوا به، ولما في ذلك من المصالح العظيمة له وللعباد والبلاد وأهمها جمع الكلمة، ووحدة الصف، وتأكيد محبته وطاعته في قلوب عامة الناس، وتشهد لذلك قواعد الشريعة العامة،
(1) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يكره من الدعاء لأحد بعينه، أو على أحد بعينه في الخطبة 3 / 217، وذكره الإمام الشافعي في الأم 1 / 233، وقال النووي في المجموع 4 / 518:" وهو إسناد صحيح إلا عبد المجيد فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وضعفه أبو حاتم الرازي، والدارقطني ".
(2)
ينظر: المغني 3 / 181.
وعقيدة السلف الصالح ومنهجهم.
وهذا إذا لم يأمر بذلك ولي الأمر، فإن أمر بذلك فإن المسألة إلى الوجوب؛ للأدلة المتظاهرة من الكتاب والسنة على وجوب طاعته في غير معصية الله، ولأنه لا يأمر بذلك إلا لمصلحة ظاهرة يراها تستدعي ذلك.