الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث الثاني الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم]
المبحث الثاني
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اختلف الفقهاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة هل هي ركن، أو لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها سنة.
وبهذا قال الحنفية (1) والمالكية (2) وبعض الحنابلة (3) وذكره في المغني احتمالا (4) واختاره ابن سعدي رحمه الله كما تقدم (5) .
القول الثاني: أنها ركن، فلا تصح الخطبة إلا بها.
" وبهذا قال الشافعية (6) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (7) .
(1) ينظر: بدائع الصنائع 1 / 263، والفتاوى الهندية 1 / 146، ومراقي الفلاح ص (103) .
(2)
ينظر: الإشراف 1 / 132، والفواكه الدواني 1 / 306.
(3)
ينظر: الإنصاف 2 / 387، والمبدع 2 / 158.
(4)
المغني 3 / 174.
(5)
ص (109) .
(6)
ينظر: الحاوي 3 / 57 - 58، والوجيز 1 / 63، وحلية العلماء 2 / 277، والمجموع 4 / 519، وروضة الطالبين 2 / 24 - 25، ومغني المحتاج 1 / 285.
(7)
ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1 / 52، وشرح الزركشي 2 / 175، والمغني 3 / 173 - 174، والفروع 2 / 109، والمحرر 1 / 146، والإنصاف 2 / 387.
القول الثالث: أنها واجبة، وليست بركن يشترط الإتيان به.
وهذا مروي عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث جاء في الاختيارات: " ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين، وتردد في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، وقال في موضع آخر: ويحتمل - وهو الأشبه - أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيها واجبة. . . "(1) .
الأدلة:
دليل أصحاب القول الأول: الظاهر أنهم يستدلون على السنية بما استدل به أصحاب القول الثاني، وأما عدم الركنية والوجوب فاستدلوا عليه بما يلي:
1 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر الصلاة عليه في خطبته، ولو كانت ركنا أو واجبا لذكره (2) .
(1) الاختيارات ص (79 - 80) ، ونقله عنه تلميذه ابن مفلح في الفروع 2 / 109، والمرداوي في الإنصاف 2 / 387، ونقل - أي المرداوي - عن المجد أنه اختار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو يشهد أنه عبد الله ورسوله، فالواجب عنده ذكر الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة لا لفظ الصلاة.
(2)
ينظر: مغني المحتاج 1 / 285، والمغني 3 / 174، والمبدع 2 / 158.
2 -
أن الأصل عدم الركنية والوجوب، فيعمل به (1) .
أدلة أصحاب القول الثاني. استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة. ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه في ذكر إسراء النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه قول الله - تعالى -: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4](2) قال: «فلا أُذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» (3) .
وهذا واضح الدلالة.
مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:
(1) ينظر: المبدع 2 / 158.
(2)
سورة الشرح، الآية رقم (4) .
(3)
هكذا ذكره الزركشي في شرحه 2 / 175 مستدلا به، وذكره ابن قدامة في المغني 3 / 174 بمعناه، وقد عزاه الزركشي للخلال في كتاب العلم وكتاب السنة، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب السنة، وقد أخرج البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة 3 / 209 عن مجاهد في قوله:(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) قال: لا أذكر إلا ذكرت أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ".
الوجه الأول: أن مبنى الاستدلال على ثبوت الدليل، وهذا مما لم يتحقق لي في هذا الحديث كما في تخريجه.
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد نوقش الاستدلال بـ وَرَفَعْنَا بأنه خبر لا عموم فيه، وقد أريد به كلمة الشهادة ونحوها، فلا يلزم إرادة غير ذلك، فإن قيل: تجعل خبرا بمعنى الأمر، رُدَّ بأن جعل الأمر فيه للوجوب يلزم منه مخالفة الإجماع، إذ لا يعلم أحد يقول بوجوب ذكره عليه الصلاة والسلام كلما ذكر الله - تعالى - وإن جعل للاستحباب بطل الاستدلال (1) .
الوجه الثالث: على تقدير ثبوته فإنه يدل على الشهادة لا على الصلاة.
ثانيا: من المعقول: أن الخطبة عبادة افتقرت إلى ذكر الله - تعالى - فافتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان، والتشهد، والصلاة (2) .
(1) ذكر هذا الوجه ابن التركماني في الجوهر النقي بهامش السنن الكبرى للبيهقي 3 / 309.
(2)
ينظر: المهذب مع المجموع 4 / 516، ومغني المحتاج 1 / 285، وشرح الزركشي 2 / 175، والمغني 3 / 174، والمبدع 2 / 158، وكشاف القناع 2 / 32.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا وإن كان حاصلا في بعض العبادات فهو غير مطرد، فمثلا الوضوء تشرع له التسمية ولا تشرع له الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الذكاة وغيرهما، حتى الأذان يشرع فيه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لا الصلاة عليه. وأما القول الثالث فلم أطلع على دليل له، إلا أن يكون ما قاله أصحاب القول الثاني في دليلهم العقلي، وقد تمت مناقشته، والله أعلم.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة، لعدم ثبوت ما يدل على ركنيتها أو وجوبها حسب اطلاعي، ولما استدلوا به.